عاجل

الرئيسية » منوعات »
تاريخ النشر: 29 كانون الأول 2015

هل تشترى السعادة بالمال ؟

رام الله - استراحة الحياة - فادي الكاشف- "المصاري ما بتشتري السعادة" هي إحدى الأقاويل الشعبية المتعلقة بالمال ومستوى السعادة، وعادة ما يستخدم الفلسطيني هذه الأقاويل في حياته اليومية التي يعيشها، لكن إذا نظرنا بشكل عام للطريقة التي يفكر بها الناس حول مفهوم السعادة وعلاقته بالمال ومستوى الدخل، فسنجد أن العامة ترى أن مستوى الدخل مسؤول بشكل أساسي ومباشر عن مستوى سعادة الإنسان.

الأسير المحرر محمود بدارين، يعمل سائقا للتاكسي في مدينة رام الله، يقول "ولا عمر المصاري عملت سعادة". ويضيف أن السعادة غير مرتبطة على الإطلاق بالمال.

ويرى بدارين أن شعور الإنسان بالسعادة يرتبط في ذاته، أي أن السعادة مرهونة بما يقدمه الشخص للآخرين من أجل اسعادهم دون مقابل، وبذلك يستطيع الإنسان الشعور بالسعادة.

في المقابل، ينظر المواطن قدري شاهين إلى مستوى الدخل على أنه محدد السعادة الرئيسي للإنسان، موضحا أن الأشخاص الذين يتمتعون بدخل مستقر وجيد تزيد فرص سعادتهم مقارنة بغيرهم.

ويشارك شاهين الرأي الطالب الجامعي ليث حمّاد، اذ يعتقد أن المال جزء مهم من السعادة، لكنه ليس سببها الرئيسي، مبينا أن الأشخاص ذوي الدخل المحدود لا يستطيعون توفير كل شيء، فهم يكتفون بشراء الحاجيات الأساسية لحياتهم، بينما الأشخاص ذوو الدخل المرتفع قادرون وبسهولة على توفير معظم ما يريدون من كماليات.

تباين الآراء واختلافها حول الموضوع دفعنا لاستطلاع وجهات نظر بعض رجال الأعمال في فلسطين. رجل الأعمال الشاب طارق النتشة يقول لـ "استراحة الحياة": "بدأت حياتي من تحت الصفر، والمال علمني دروسا كبيرة، لكنه لم يضف لي السعادة". ويتابع "كنا لا نملك ثمن الطعام، وكنا نستحم "بـالسطل" مرة واحدة في الأسبوع، وهذا دفعني للتفكير بالناس الذين يعيشون حياتي السابقة الآن، فبدأت بمساعدتهم وبتحقيق بعض من أحلامهم".

ويشير النتشة إلى أن القناعة هي التي تخلق السعادة في قلب الإنسان.

ويؤكد ذلك رجل الأعمال ربحي الحجة الذي استذكر بالمقولة الشعبية "صاحب المال تعبان".

ويبين الحجة أن أصحاب الدخل المرتفع والمحدود غير سعيدين على حد سواء، مشيرا إلى أن الدخل غير مهم بالنسبة للسعادة، بل هو وسيلة للحياة فقط.

ويكمل "تعاسة الإنسان غير مرتبطة بالمال، فهنالك ناس كثر سعيدون في حياتهم وهم لا يمتلكون المال".

بدوره، يوضح الأخصائي النفسي، خضر رفرف، ان مفهوم السعادة يرتبط بقدرة الإنسان على الرضا بواقعه والانسجام فيه، والوفاء بالمستلزمات التي يستدعيها الواقع الذي يوجد فيه.

وحول العلاقة بين مستوى الدخل والسعادة يبين رفرف أنها ليست كاملة وإنما وثيقة، فمستوى الدخل يجعل حياة الإنسان أيسر، وقدرته في الحصول على أشياء مادية تدخل البهجة والسرور والسعادة على قلبه وقلب المحيطين فيه، سواء أسرته أو أصدقاؤه، عادة ما تكون أفضل عندما يكون الدخل المادي أعلى.

ويقول رفرف "لا تقتصر السعادة لأي إنسان على أمر واحد بمفرده، وإنما تتداخل عدة عوامل مع بعضها البعض حتى تساعد الإنسان على الشعور بالسعادة، والمال أحد هذه الروافد".

ويتابع "من هذه الروافد، مستوى الوعي والرقي بالتفكير عند الإنسان، فكل ما كان ناضجا بصورة كافية وقادرا على حل مشاكله اليومية، غالبا تكون حياته أفضل، لأنه قادر على ابتكار حلول وتغييرات في حياته تضفي مقدارا من الرضا والسعادة أكثر من الأشخاص الذين تكون قدراتهم العقلية محدودة وليس لديهم بصيرة بالمتغيرات المحيطة فيهم".

القناعة سر السعادة

ويرى الشيخ بسام جرّار ان السعادة تتعلق بقناعة الإنسان الداخلية، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف "من كان همّه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، ومن كان همّه الآخرة جعل الله غناه في قلبه"، ومما لا شك فيه فإن المال جزء من السعادة الدنيوية.

ويضيف "قديما كان يقول آباؤنا: (القناعة كنز لا يفنى) والحصول عليها يكون من خلال تربية الانسان على حب الحياة الآخرة. ويستذكر جرّار الآية الكريمة "المال والبنون زينة الحياة الدنيا" ومعنى زينة هو إظهار الشيء بأجمل من حقيقته، الدنيا بحد ذاتها تزينها وتظهرها أشياء أخرى على غير حقيقتها، وأحيانا يكون الأبناء جزء من مصائب الدنيا"

ويتفق الأب ابراهيم الشوملي مع الشيخ جرار في أن السعادة هي العطاء، ويستشهد بآية من الإنجيل "السعادة الكبرى في العطاء وليس بالأخذ"، وهي مرتبطة بحسن الأخلاق والمعاملة والتربية، والمال يجلب نوعاً من السعادة لكنها مؤقتة.

الرضى عن المحيط

ويشير رفرف إلى رافد آخر هو رضى الإنسان عن البيئة التي يعيش فيها، على سبيل المثال، في بلدنا الغني والفقير يخوضون تجارب متشابهة في الحياة اليومية في التنقل مثلا، وفي سوء الخدمات العامة والبنية التحتية، فكلهم يعيشون الأجواء الضاغطة سواء من ممارسات الاحتلال أو طبيعة الحياة التي نعيشها كفلسطينيين.

ويؤكد رفرف أن مستوى التوافق الاجتماعي لدى الإنسان رافد مهم للسعادة، "فما قيمة وضع مادي ممتاز وبيئة رائعة لإنسان يشعر بالوحدة لخلو حياته من الأصدقاء أو من المقربين أو من أسرة متماسكة ومترابطة".

ويختم رفرف حديثه لـ"استراحة الحياة" قائلا: "لا يمكن التعامل مع الموضوع من مطلق أبيض أو أسود، والمال هو فقط احدى الوسائل التي وجدت لتيسير حياة الناس".

في المجمل، يقضي الإنسان حياته في السعي وراء السعادة، وإلا لما قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتماد تاريخ 20 آذار من كل عام يوما دوليا للسعادة، اعترافا بأهميتها.

يذكر أن فلسطين احتلت المركز الثاني عشر على مستوى الدول العربية في نصيبها من السعادة، والمركز الـ 112 على مستوى العالم، حسب مؤشر "غالوب-هيلث واي" الدولي للسعادة؛ وجدير بالملاحظة انه لا يمكن مناقشة مسألة السعادة في حال عدم توفر مقومات البقاء الأساسية للإنسان، وهي المأكل والملبس والمشرب والمسكن.