عاجل

الرئيسية » رياضة »
تاريخ النشر: 28 كانون الأول 2015

دون ميسي ورونالدو: كلاسيكو "الشاطئ" يعود من جديد في غزة

 

غزة- محمد النخالة- كعادته كل يوم، استيقظ زكريا من نومه باكراً، وعلى عجلة من أمره، ارتدى الطفل المتيّم بفريق برشلونة الإسباني قميص فريقه المفضل، الذي أهدته إياه والدته بعد نجاحه في المدرسة العام الماضي. وانطلق الفتى ابن الأعوام العشرة نحو باب المنزل وبين أحضانه كُرته المهترئة، وقبل أن يخرج، حيّا أمه تحيته المعتادة التي تجعلها دائماً تبتسم، فقال لها وهو في عجلة من أمره: صباح الخير يا أمي، مع السلامة!

في الخارج، كان أبناء عمه السبعة في انتظاره، وسوياً انطلقوا خارج زقاق شارعهم، الواقع في معسكر الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة، قبل أن يصيح زكريا بحماسة متحدثاً عن نفسه: اليوم سترون إبداع ميسي على أصوله.

لم يرق كلام زكريا لابن عمه إسماعيل، الذي جذب شعار ريال مدريد المرسوم على القميص الذي يرتديه، قبل أن يُجيبه ساخراً: رونالدو الأفضل، والآن سترى.

وصل الأطفال الثمانية إلى شاطئ بحر مدينة غزة، حيث الرمال الذهبية الناعمة، التي هي أفسح بكل تأكيد من أزقة حارتهم، وهنا لن يوبخهم الجيران ولن يشتكي لأهلهم أحد من إزعاجهم.

بدأت المباراة التي اعتاد أبناء العم على تسميتها "الكلاسيكو"، محاكاة للمباراة الكلاسيكية، التي تجمع بين قطبي كرة القدم الإسبانية، ريال مدريد وبرشلونة.

زكريا وعاهد ومحمد وحمادة تقمصوا دور الفريق الكتالوني، أما اسماعيل و سيد و منتصر و أحمد فاختاروا اللعب بألوان فريق العاصمة الإسبانية، ريال مدريد . كانت المباراة حماسية ومثيرة، و إلى جانبهم كان البحر راكداً كحوض سباحة هادئ، وكأنه جمهور على مدرج يتابع المباراة بتركيز وترقب . فوق الصبية المتنافسين، كانت السماء صافية إلا من بعض غيوم متناثرة، لم تمنع شعاع شمس تموز من أن يلفح بشرتهم السمراء التي أندتها حبات العرق المتلألئة كالجُمان .

الحر الشديد لم يكن وحده خصم للاعبين في مباراتهم، فأقدامهم الدقيقة غاصت في كثبان رمل البحر الملتهبة،  لكن ذلك كله لم يُعِق شغفهم في اللعب، بيد أن ثمة أمر ما بدأ يحدث ! وصلت الكرة لزكريا، لكنه توقف عن اللعب فجأة، ونظر باتجاه البحر، وتوقف كذلك اسماعيل، لكنه كان ينظر إلى السماء ! في عُرض البحر برز في الأفق شيء ما، تلاطمت له الأمواج وهاجت، وكلما دنا أكثر، لاحت وراءه موجة تتعاظم شيئاً فشيئاً وكأنها تسونامي.

وبينما تسمَّر زكريا في مكانه مذهولاً من هول ما يشاهد، عمَّت الأجواء أصوات عظيمة متداخلة، تزاحمت ما بين أزيزٍ و طنين، وتلبدت زرقة السماء بالسواد القاتم وبالخوف أيضاً .

صرخ اسماعيل : انظروا إلى الأعلى هناك …  ، فقاطعه زكريا: كلا انظر هناك في البحر .

برز أمامهم بسرعة زورقٌ حربي إسرائيلي، بدا وكأنه وحش بحر أسطوري جاء من العدم .

وفي السماء كانت غربان الموت تحوم في كل مكان . مروحيات عسكرية، وطائرات استطلاع هجومية وأخرى مقاتلة من نوع F16، حولت ميدان اللعب إلى ساحة حرب بكل ما تحمله الكلمة من معنى ! توقف الزورق فجأة، بعد أن بات على مرمى حجر من الصبية، لكن أجسادهم النحيلة قيدها الخوف، كما أحكمت الصدمة وثاق أقدامهم، فشق زكريا صمت رفاقه و صرخ مذعوراً : “اهربوا" . ركض الأطفال مراوغين الموت، وبدلاً من أن يتنافسوا للفوز بالمباراة، تسابقوا على الهرب للفوز بالنجاة، لكن قذيفة إسرائيلية كانت أسرع، فقذفت أجسادهم من أمكانهم، وشتتهم يمنة ويسرة حول كرتهم التي التهمتها النيران .

عج المكان بضباب أسود كريه الرائحة، أزكم أنوفهم، لكن رائحة الموت كانت أقوى، رغم نجاة الجميع ! نهض الأطفال بتثاقل، محاولين التقاط أنفاسهم، واستجماع قواهم، ليواصلوا طريق الهرب بأرواحهم . أطلق الأطفال الريح لسيقانهم، بعد أن هزمت رغبتهم بالبقاء على قيد الحياة حالة الرعب والإعياء التي استشرت في أوصالهم، وبات يفصلهم عن مغادرة الشاطئ بضعة أمتار فقط . تسلل الأمل إلى قلوبهم، وشعروا أن كفة النجاة أرجح من كفة الموت، لكن ظنهم البريء لم يكن في محله، فعاجلهم الزورق بقذيفة ثانية وثالثة !

عم الصمت المكان، حتى موج البحر اختنق هديره، وزكريا واسماعيل كثيرا الكلام والمشاكسة لا صوت لهم، وكذلك الآخرون لم ينبسوا ببنت شفة، لكن صوت أنين خفيض بدأ يُسمع، قاطعه صوت سيارات الإسعاف . الصورة القلمية السابقة، ليست محض خيال، بل هي وصف دقيق لما حدث قبل عام بتاريخ 16/7/2014 واشتهر لاحقاً بمجزرة أطفال عائلة بكر، يروي فيها من كُتِب له النجاة من جحيم هذه التجربة،  هول اللحظات التي عاشها .

"مات زكريا و اسماعيل وعاهد و محمد و نجوت أنا وأحمد و حمادة وسيد" يروي منتصر بألم .

ويضيف ابن الأعوام العشرة : عندما أفقت لم أسمع سوى طنين شديد يدوي في أذني، ولم أكن أرى بوضوح، شعرت أنني ميت ولكن عندما شاهدت جثثهم إلى جانبي، حينها فقط أدركت أنني حي . حُب الأطفال لكرة القدم جعلهم يحلمون يوماً بأن يصبحوا لاعبين محترفين، لكن الإحتلال قرر اغتيال مشوارهم الكروي قبل أن يبدأ.

ويقول سيد (11 عاماً) : والله كنا نلعب الكرة، وكان يرانا جيداً، لكنه قاصداً قرر أن يقتلنا .

فقاطعه حمادة بغضب قائلاً : نحن أطفال صغار ولسنا رجال مقاومة، كانت معنا كرة قدم وليس صاروخ . وكما يستغرب الأطفال الحادثة لا يستوعب أبو الشهيد اسماعيل أيضاً ما حدث فيقول : هل أصبح لعب كرة القدم جريمة ؟! أين حقوق الإنسان؟! أين حقوق الطفل؟! . لا يدرك ذلك الرجل و هؤلاء الأطفال ربما أن الاحتلال الإسرائيلي يعتبر الرياضة أحد صور الحياة التي يحاول قتلها في غزة، حيث كشف تقرير مشترك أصدره اتحاد فلسطين لكرة القدم ولجنتها الأولمبية ذلك . ويقول أمين عام اللجنة الأولمبية واتحاد الكرة محمد العمصي : دمر الإحتلال ملعب فلسطين الدولي ومدرجات ملعب اليرموك و مقر اتحاد الكرة وهناك أكثر من 30 شهيداً رياضياً، في الحقيقة هناك استهداف واضح للرياضة .

لم تكن شهادات الناجين هي الرواية الوحيدة لما حدث فمراسلة التلفزيون الفرنسي ليزيرون بودول كانت رفقة مصورها هناك، فجعلت منهم الصدفة شهود عيان على ما حدث ووثقوا الواقعة بالفيديو الذي بثه التلفزيون الفرنسي TF1 وتداولت اللقطة بعد ذلك مئات القنوات التلفزيونية حول العالم . وتقول بودول : كنت في شرفة فندق قريب من الشاطئ، ولفت انتباهنا فرحهم ومرحهم فقررنا أن نصورهم .

واستدركت قائلة : لم أكن أعلم أن ذلك سيحدث، كنت أرتعش وأنا أشاهد الجريمة، لقد كانت أصعب تجربة أمر بها طوال حياتي المهنية . أحد أبطال القصة المأساوية كانت والدة زكريا التي شاهدها العالم في مشهد مؤثر ودقات قلبها تسابق خطواتها في المستشفى علَّ ابنها ليس من بين الضحايا، لتصاب بحالة انهيار هستيري فور أن سمعت اسم زكريا شهيداً . وتقول الأم بحسرة إن ابنها استشهد وهو يرتدي قميص ميسي نجم برشلونة فقد كان يحبه كثيراً ويحب كرة القدم ويحلم باللعب لمنتخبنا عندما يكبر وها هو رحل دون أن يحقق حلمه . وعلى الرغم من مرور عام على مصابها، لم تملك الأم المفجوعة أن تحبس دمعها من الإنهمار، وكانت تشققات وجهها وتجاعيدها المبتلة بدموعها أبلغ من أي شيئ يقال في حق ابنها الوحيد الذي فارق الحياة .

عامٌ مضى على القضية، التي استخف فيها الاحتلال بالضحايا وعائلاتهم، بعد أن اختار أن يكون القاضي رغم أنه هو المتهم، فشكل لجنة كان من الطبيعي أن تُفضي إلى غسل يد قوات بحريته من دماء "أطفال الشاطئ" وتغلق القضية وكأنها لم تكن . ويعلق الناشط الحقوقي والخبير القانوني المحامي صلاح عبد العاطي على اجراء الاحتلال بسخرية فقال : هذه لجان للتغطية ولا يتوفر فيها الحد الأدنى من معايير العدالة حقاً إذا كان خصمك القاضي فمن تقاضي؟!.ويضيف : هذه الجريمة تشكل انتهاكاً لاتفاقية جنيف الرابعة وهي وصمة عار في جبين الإنسانية التي شاهدت الجريمة دون أن يرمش لها جفن، وستضاف إلى كل الجرائم التي غض العالم الطرف عنها . ورغم الصمت العربي و الدولي المعتاد على جرائم الإحتلال بحق أطفال فلسطين و الرياضة الفلسطينية إلا أن اللاعب الدولي الإيطالي الشهير ماريو بالوتيلي لم يتمالك نفسه وكتب تغريدة على موقع التواصل الإجتماعي تويتر قال فيها "اللعب على شاطئ البحر لا يجب أن يكون تهديداً، أوقفوا الحرب على غزة"، لكن لاعب نادي ميلان العريق كان المتضامن الوحيد مع القضية .

عامٌ مضى على الجريمة، التي يشهد عليها بحر غزة وشاطئه، غابت شمس زكريا واسماعيل وعاهد و محمد على هذا الشاطئ، بيد أن شمساً أخرى عادت لتبزغ من جديد في نفس المكان !

أربعة أطفال يلعبون الكرة، اصوات ضحكاتهم وحماستهم كأغنية موسيقاها أمواج البحر، إنهم منتصر و أحمد و حمادة و سيد عادوا من جديد إلى نفس المكان ! ويعلق د.جميل الطهراوي استاذ علم النفس في الجامعة الإسلامية بغزة على الموضوع فيعتبر أن علم النفس عادة ما يتدخل في قضايا عكسية يرفض فيها الطفل الذهاب إلى مكان استشهد به صديقة أو أحد أقربائه لكن هذا النموذج مختلف تماماً . واعتبر الطهراوي أن ذلك يعكس الصلابة النفسية لهؤلاء الأطفال، وقدومهم إلى هذا المكان يحمل ربما لا شعورياً لمسة وفاء منهم لرفاقهم الشهداء، ورسالة تحدي في وجه من خطف أرواحهم . تقول الأسطورة إن المستحيلات ثلاثة "الغول" و "العنقاء" و "الخل الوفي" لكن يبدو أن الخيال استحال واقعاً مع أطفال بكر . فرغم استغوال الإحتلال على طفولتهم وفتكه بزهرة شبابهم قبل أن تزهر نفض الناجون عنهم رماد الماضي وحلقوا نحو الحياة من جديد تماماً كطائر العنقاء الأسطوري فكانوا بحق وحقيق خلاً وفياً لرفاق دربهم و لكرة القدم التي جمعتهم .

على شاطئ بحر غزة انتهت إذاً امنيات أربعة أطفال، وأمام أمواجه لا تزال أمنيات أربعة آخرين قيد الإنتظار، لتستمر فصول القصة التي كانت حبكتها موجعة و حزينة، على أمل أن يكون فصلها الأخير سعيداً وتتكلل فيه أحلام هؤلاء الأطفال بالنجاح، لكن ذلك سيبقى مرهوناً بانقشاع دخان حقد المحتل و بزوغ فجر الأمل .