الأردن من الامارة إلى المملكة .. هاشمية سليلة وعروبة أصيلة
بمناسبة مئوية الدولة الأردنية ...

سفير المملكة لدى دولة فلسطين محمد أبو وندي: بعد ١٠٠ عام على تأسيس الدولة . . الأردنيون يزدادون فخراً بقيادتهم الهاشمية المستنيرة
أبووندي: الأردنيون يفخرون بما حققه آباؤهم وأجدادهم من انجازات في الأردن على مدار ١٠٠ عام في ظل القيادة الهاشمية
أبو وندي: المملكة بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ستبقى دوماً السند والظهير للأشقاء الفلسطينيين حتى نيل حقوقهم الوطنية المشروعة كاملةً غير منقوصة
أبو وندي: لا أمن ولا استقرار في المنطقة والعالم ما لم يتم الاعتراف بالحقوق المشروعة لأبناء الشعب الفلسطيني وعلى رأسها حقهم في تقرير المصير وتجسيد الاستقلال بإنهاء الاحتلال
أبو وندي: القيادة الهاشمية والقوات المسلحة الأردنية هما حماة الاستقلال ولهما مكانة خاصة في وجدان الأردنيين ووعيهم
رام الله - الحياة الجديدة - أكد سفير المملكة الأردنية الهاشمية لدى دولة فلسطين محمد أبو وندي موقف الأردن الثابت في دعم الحقوق الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وقال في لقاء مع عدد من رؤساء تحرير الصحف الفلسطينية والمديرة العامة لوكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) في مقر السفارة في رام الله بمناسبة الذكرى المئوية لإقامة الدولة الأردنية، إن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للمملكة، وانه لا أمن ولا استقرار في المنطقة دون إيجاد حل عادل لقضية فلسطين على أساس حل الدولتين ووفقاً لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، التي تؤكد جميعها الثوابت الوطنية الفلسطينية. وأضاف أن قضية القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة هي على رأس أولويات جلالة الملك عبد الله الثاني، وان فلسطين والأردن هما توأمان وان العلاقات التاريخية بينهما هي علاقات أخوة ودم ومصير مشترك، وأشار الى ما قدمته القوات المسلحة الاردنية/ الجيش العربي من تضحيات على تراب فلسطين، وتحدث عن احترام الشعب الفلسطيني لشهداء القوات المسلحة الأردنية/ الجيش العربي الذين استشهدوا دفاعا عن فلسطين والعناية الكبير بأضرحة وقبور الشهداء والنصب التذكارية التي أقيمت تكريماً لهم على امتداد الأرض الفلسطينية. وأكد على دور الجيش الأردني في حماية المملكة والدفاع عنها، كما تحدث عن التطورات التي حدثت في الاردن على كافة الأصعدة الصحية والتعليمية والصناعية والثقافية، ووحدة الشعب الأردني والتفافه حول القيادة الهاشمية الحكيمة والتي حققت للبلاد الكثير من المنجزات التي يفتخر بها الشعب الأردني.
وتناول السفير أبووندي التطورات التي شهدها الأردن الشقيق منذ عام ١٩٢١ ، أي منذ تأسيس إمارة شرق الأردن مرورا بإعلان الاستقلال عام ١٩٤٦، والى يومنا هذا.
عن الأردن ..
تتوسطُ المملكة الأردنية الهاشمية قلبَ الوطن العربي جغرافياً، لتظلّ على مدى التاريخ حلقةَ وصل حيوية بين مَواطن الحضارات في الشرق والغرب، وهي دولة عربية إسلامية تستند إلى نهج الوسطية والديمقراطية والمؤسسية.
شهد عام 1921، إعلان الأمير عبدالله بن الحسين، طيب الله ثراه، تأسيس إمارة شرق الأردن، والتي أُعلن استقلالها في 25 أيار 1946 تحت اسم "المملكة الأردنية الهاشمية"، وأصبح جلالة الملك المؤسس عبدالله (الأول) بن الحسين ملكاً دستورياً عليها.
وكان الأردن من الدول المؤسِّسة لجامعة الدول العربية في عام 1945، وانضمّ إلى الأمم المتحدة في عام 1955.
ونظام الحكم في المملكة الأردنية الهاشمية نيابيّ ملكيّ وراثيّ، وقد اعتلى جلالة الملك عبد الله الثاني عرش المملكة، منذ 7 شباط 1999، بعد أن أعلن بقَسَمه أمام مجلس الأمة العهدَ الرابع للمملكة، التي كان تأسيسها على يد الملك المؤسس عبدالله بن الحسين، وصاغ دستورَها جدُّه الملك طلال، ووطّد أركانَها والدُه الملك الباني الحسين، طيب الله ثراهم.
وترتكز المنطلقات السياسية والفكرية للدولة الأردنية على العقيدة الإسلامية، والدستور، والشرعية الدينية والتاريخية للقيادة الهاشمية، وشرعية الإنجاز، والوسطية، والاعتدال، والديمقراطية، والتسامح، ومبادئ الثورة العربية الكبرى (1916) التي جاءت بقيادة الشريف الحسين بن علي، طيب الله ثراه، وأنجاله، تتويجاً لحركة الوعي واليقظة العربية، والتي أخذت تتّضح ملامحها وتتبلور في المشرق العربي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر ضد سياسة الاستبداد والتتريك والتعنُّت العثمانية.

تاريخ الهاشميين ..
تنتسب الأسرةُ الهاشمية إلى هاشم، جدّ النبي محمد صلّى الله عليه وسلم، من قبيلة قريش في مكة المكرمة. وآل هاشم هم أحفاد النبي محمّد من ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها وزوجِها الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، رابع الخلفاء الراشدين.
لقد احتفظ بنو هاشم بريادة السلالة القرشية، وظلّوا يمثِّلون طليعة المجتمع في الحجاز، بوصفهم صفوة أخلاقية وأهل الإدارة السياسية والاقتصادية، وحظوا بتقدير زوار البيت الحرام واحترامهم. وفي التاريخ الحديث، قاد الهاشميون ثورة العرب نحو بناء الدولة الموحَّدة، حيث شكّل إطلاق رصاصة الثورة العربية الكبرى عام 1916 الخطوة الأولى لنيل الاستقلال.
تأسيس الدولة ..
بعد وصول الأمير عبدالله الى عمّان قادماً من معان، شرع بإقامة نظام سياسي وحكم مركزي، وشدّد على تكريس المطلب العربي بضرورة الاستقلال وتأكيد استمرارية النهج الثوري العربي النهضوي، الذي جاءت به الثورة العربية، وكان عليه أن يواجه في سبيل ذلك الصعابَ والتحديات.
وخلال فترة حكم الأمير عبدالله بن الحسين، شهدت إمارة شرق الأردن إنجازات ومحطات مهمة في تاريخها، كان أبرزها تحقيق الاعتراف السياسي الدولي، وإصدار القانون الأساسي سنة 1928 -كأوّل دستور للإمارة- مع توقيع اتفاقية دولية هي المعاهدة الأردنية البريطانية، وإجراء الانتخابات لأول مجلس تشريعي أردني عام 1929، وتأسيس الجيش العربي ورعاية نشأته وتطوره.
وشملت الإنجازاتُ أيضاً، دعم حركة الاستقلاليين العرب باستقبالهم في عمّان، وإنشاء حزب الاستقلال، وفتح الآفاق السياسية أمام تطور الوعي السياسي العربي والأردني، وتأسيس أحزاب سياسية وطنية، وتكريس هيبة الدولة وبناء مؤسساتها، وإعلان إمارة شرق الأردن مملكةً مستقلة في 25 أيار 1946، وتحقيق وحدة الضفتين كأول نموذج حقيقي لوحدةٍ عربية.
وفي يوم الجمعة 20 تموز 1951، استُشهد جلالة الملك عبدالله المؤسس، طيّب الله ثراه، على عتبات المسجد الأقصى المبارك، ليتولّى سدةَ الحكم وليُّ عهده، جلالة الملك طلال طيب الله ثراه، مواصلاً مسيرة البناء والحكم بنهج الخير والتطلّع إلى المستقبل.
بناء الدولة الأردنية الحديثة وتطوّرها ..
دستور 1952
أنجز جلالة الملك طلال بن عبدالله رحمه الله، خلال أقل من سنة هي فترة حكمه، الدستورَ الأردني لعام 1952، الذي جسّد آفاق التطور السياسي المرتكز على ضرورة مشاركة الشعب في صنع القرار من خلال العملية الديمقراطية الكاملة وإجراء انتخابات دورية لمجلس الأمة.
وأُقِرّ في عهد جلالته حقّ التعليم المجاني، وأُنجزت العديد من التشريعات، وسعى جلالته إلى توطيد العلاقات الأردنية مع السعودية وسوريا ومصر، ولكنّ مرضه حال دون استمراره في الحكم، فكان القرار الدستوري بتشكيل مجلس الوصاية في 11 آب 1952، ريثما يبلغ نجلُه الحسين السنَّ القانونية بموجب الدستور، وهو اليوم نفسه الذي بويع فيه الحسين ملكاً على المملكة الأردنية الهاشمية.
"الإنسان أغلى ما نملك"
في 2 أيار 1953، تولّى جلالة الملك الحسين بن طلال سلطاته الدستورية في ظروف عربية ودولية حرجة ودقيقة، واستطاع جلالته خلال فترة حكمه أن يحقق أعلى مستويات النهوض المدنية والسياسية، وأن يكون الباني لأردن الاعتدال والوسطية، ويحقق أفضل نوعية حياة لشعبه، من حيث التطور في مستوى الخدمات والتعليم والتقدم العلمي، وأن يستمر الأردن في أداء دوره العربي والإقليمي بتكامل وتأثير.
وعلى مدى 47 عاماً من قيادة جلالته، شهد الأردن تقدماً ملموساً في جميع المجالات؛ بخاصة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ورفع جلالته شعار "الإنسان أغلى ما نملك" كركيزة أساسية في توجيه الخطط التنموية والتأكيد على ضرورة توزيع مكتسبات التنمية لتشمل كل المناطق وجميع فئات الشعب.
وفي مسيرة عطاءٍ لا تتوقف عند الهاشميين، حمل جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين الراية بتسلّمه سلطاته الدستورية في 7 شباط 1999.
تعزيز المسيرة
حرص جلالة الملك عبدالله الثاني على تكريس الأردن دولةَ مؤسسات وقانون قائمة على العدل والمساواة والانفتاح، وتوفير فرص العيش الكريم، ومحاربة الفقر والبطالة، والعمل على تحقيق تنمية اقتصادية وسياسية واجتماعية، تنعكس آثارها إيجابياً على المواطنين ومستوى معيشتهم.
ويؤمن جلالة الملك أن الأردن يمضي قدُماً في مسيرة التقدم والتطور والازدهار، من خلال تحقيق الاعتدال والتوازن والانفتاح المدروس، ونبذ التطرف والعنف والانعزال، ومشاركة جميع مؤسسات المجتمع المدني والقطاعات الأهلية والخاصة في عمليات البناء والتنمية، والانفتاح على اقتصاديات العالم.
وتركزت رؤى جلالته على تهيئة البيئة المناسبة والبنى الأساسية لانطلاقةٍ تنموية حقيقية تنعكس آثارها الإيجابية على حياة المواطن، وإنجاز المراجعة الشاملة لجميع جوانب المسيرة الوطنية، وتحديد المشكلات التي تعيق هذه المسيرة، ووضع الخطط والبرامج التي تساعد على إيجاد الحلول لها بالعمل الدؤوب من أجل الأردن الحديث المبنيّ على ضمان مشاركة الجميع، والقائم على أسس الحرية والديمقراطية والتعددية والتسامح.
وركّزت الرؤية الملكية على ضرورة تعزيز المسيرة الديمقراطية، وتسريع وتيرة الإصلاحات المبنية على نموذج إصلاحي تطويري متدرّج، يقوم على إشراك جميع فئات المجتمع في العملية السياسية.
ووفقاً لهذه الرؤية، فإن عملية الإصلاح السياسي النابعة من الداخل، تُترجَم من خلال تمكين المواطنين من المشاركة في صنع القرار عبر ممثّليهم المنتخَبين، وتعميق تجربة الحكومات البرلمانية.
ويرى جلالته أن النجاح في الوصول إلى الهدف النهائي للإصلاح، مرهونٌ بقيام جميع أطراف العملية الإصلاحية بمسؤولياتهم وأدوارهم والارتقاء بها، وبترسيخ القيم والممارسات الديمقراطية، وتعزيز الأعراف القائمة وتطوير الضروري منها، وبتحقيق مستويات النضج السياسي الضروري لإنجاز متطلبات كل محطة إصلاحية.
ويدعو جلالته الجميعَ لتحمُّل مسؤولياتهم في تبني القيم والممارسات الديمقراطية والاستمرار في تطويرها مستقبلاً، من خلال تجذيرها في المنظومة القيمية والتربوية والتشريعية عبر حملات التوعية والمناهج، وتمكين المؤسسات الوطنية المسؤولة عن صون هذه القيم والممارسات.
ويؤكد جلالته من خلال رؤيته، أن الأمن والديمقراطية والرفاهية هي دعائم المستقبل، ويعتمد كلٌّ منها على الآخر، فرغم أن التحديات الراهنة تمثل واقعاً استثنائياً ضاغطاً، إلّا أن الأردن ماضٍ بثقة على مسار التنمية السياسية الذي اختطّه وأراده لنفسه.
وبشأن علاقات الأردن العربية والإقليمية والدولية، يحرص جلالته على التواصل مع أشقائه العرب وقادة العالم وزعمائه، حيث ترتكز سياسة الأردن الخارجية على المواقف المبدئية والواضحة النابعة من التزامه التاريخي والقومي للدفاع عن مصالح الأمة العربية وخدمة قضاياها العادلة.
الملك عبد الثاني والقدس ..
شهدت عمّان في آذار 2013، توقيع اتفاقية أردنية فلسطينية لحماية القدس والأماكن المقدسة، تضع مدينة القدس المحتلة والمقدسات الإسلامية تحت وصاية جلالة الملك عبدالله الثاني، استمراراً لدور الهاشميين في رعاية القدس ومقدساتها، وللتأكيد على الوصاية والدور الهاشمي المستمر منذ بيعة أهالي القدس للشريف الحسين بن علي.
وتُمكّن الاتفاقية، التي وقّعها جلالةُ الملك والرئيس الفلسطيني محمود عباس، الأردنَّ وفلسطينَ من بذل جميع الجهود بشكل مشترك لحماية القدس والأماكن المقدسة من محاولات التهويد الإسرائيلية. كما تهدف إلى حماية مئات الممتلكات الوقفية التابعة للمسجد الأقصى المبارك/ الحرم القدسي الشريف.
وتعيد هذه الاتفاقية التأكيد المطْلق على الجهود الأردنية في الدفاع عن القدس التي تحظى بمكانة تاريخية بوصفها مدينة مقدسة ومباركة لأتباع الديانات السماوية، والتي تتعرّض لمحاولات متكررة لتغيير معالمها وهويتها العربية الإسلامية - المسيحية.
وتؤكد هذه الاتفاقية أن القدس الشرقية هي أرض عربية محتلة، وأن السيادة عليها هي لدولة فلسطين، وأن جميع ممارسات الاحتلال الإسرائيلي فيها منذ عام 1967 هي ممارسات باطلة، ولا تعترف بها أيُّ جهة دولية أو قانونية.
وتعيد هذه الاتفاقية التأكيد على الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة في مدينة القدس منذ بيعة عام 1924، والتي انعقدت بموجبها الوصاية على الأماكن المقدسة للشريف الحسين بن علي، وأعطته "الدور في حماية ورعاية الأماكن المقدسة في القدس وإعمارها، واستمرار هذا الدور بشكل متّصل في ملك المملكة الأردنية الهاشمية من سلالة الشريف الحسين بن علي".
الهاشميون والقدس ..
ارتبط الهاشميون تاريخياً بعقد شرعي وأخلاقي مع مكة المكرمة والمقدسات الإسلامية، فحفظوا لها مكانتها، ونأوا بها عن خصومات السياسة، وكذلك كان حالهم مع القدس الشريف، أولى القبلتين، متلازماً مع تأكيد تبنيهم لرسالتهم التي ناضلوا من أجلها، وهي الحفاظ على كرامة الأمة.
ومع قيام الدولة الأردنية، استُكملت في ظل الولاية الهاشمية مسيرة الحفاظ على المقدسات في مدينة القدس الشريف.

رعاية المقدسات أولوية هاشمية أردنية ..
وقّع جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس اتفاقاً تاريخياً في عمّان يوم 31 آذار 2013، أُعيد فيه التأكيدُ أن جلالة الملك هو صاحب الوصاية على الأماكن المقدسة في القدس الشريف، وأن له الحقَّ في بذل جميع الجهود القانونية للحفاظ عليها، خصوصاً المسجد الأقصى، المعرَّف في هذه الاتفاقية على أنه "كامل الحرم القدسي الشريف".
وللقدس عند الهاشميين مكانة كبيرة نظراً لاشتمالها على أهم المقدسات الإسلامية وأَجلّها قدراً. ففيها الحرم القدسي الشريف الذي يحوي مسجدَين، وفيه تراثٌ معماريّ إسلاميّ عريق من المدارس والسبل والزوايا والأسواق والمكتبات. وفيها المسجد الأقصى الذي أُسّس في أيام الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب، وأقيمت بعد ذلك قبة الصخرة إلى جانبه، والتي أتمّ بناءَها الخليفةُ الأموي عبد الملك بن مروان سنة 691م، فمنها عرج النبي محمد، صلّى الله عليه وسلّم، إلى السموات العُلى، وتعدّ أحد أبرز معالم المعجزة الخالدة للرسول في رحلة الإسراء والمعراج.
الإعمار الهاشمي الأول ..
تصدّى الهاشميون للمزاعم الصهيونية المتعلقة بالقدس منذ البدايات، والتي كانت تمثل تهديداً مباشراً للمدينة العربية وتراثها الحضاري. وفي عام 1922 أُسّس في القدس المجلسُ الإسلامي الأعلى، وهو منظمة إسلامية غير حكومية، للحفاظ على تراث القدس الشريف، وبادر المجلس إلى جمع الأموال اللازمة لترميم قبة الصخرة.
وحين قام وفدٌ من المجلس برئاسة الحاج أمين الحسيني، بزيارةٍ لشريف مكّة الحسين بن علي في الحجاز عام 1924، وأطلعه على المخاطر التي يتعرض لها المسجد الأقصى، لبّى الشريف الحسين نداء أهل القدس، وتبرّع بحوالي 50 ألف ليرة ذهبية لإعمار المسجد الأقصى ومساجد أخرى في فلسطين، ليشكّل هذا المبلغُ أساسَ المال الإسلامي لإعمار المقدسات.
وأسهمت عمليةُ الترميم التي باركها الشريف الحسين بن علي، بصمود مرافق المسجد الأقصى حين ضرب المنطقةَ زلزالٌ عنيف في عام 1927.
لقد عبّرت الاستجابة السريعة التي أبداها الشريف الحسين لنداء أهل القدس، عن وعيه والتزامه بقضايا الأمة، ووفاءً لهذا العطاء طلب أهالي القدس وأعيانها دفنَ الشريف الحسين، طيب الله ثراه، في الرواق الغربي للحرم الشريف في حزيران 1931، تأكيداً على مكانته وتقديراً لجهوده في إنقاذ المؤسسات الإسلامية في القدس.
الملك المؤسس والقدس ..
وامتلك جلالته، الذي تولى الحكم في شرق الأردن أميراً ممثلاً لمسؤوليات والده، رؤية استشرافية للنهوض بواقع المنطقة ومستقبلها، وظل موقفه ثابتاً تجاه فلسطين طوال فترة الانتداب، خاصة في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، إذ تمسّك بضرورة إخراج فلسطين من وعد بلفور، وفي الوقت نفسه حملَ حلمَ الشعوب العربية وحلم أبيه وأخيه الملك فيصل بإقامة دولة سوريا الكبرى للعرب.
وفي عهد الملك المؤسس كان مسار الأحداث صعباً وحرجاً بغيرِ ما تشتهي أحلام العرب، فمع إعلان بريطانيا في 15 أيار 1948 قرار الجلاء عن فلسطين وتحويل مسألتها إلى الأمم المتحدة، كانت إسرائيل تعلن قيام دولتها في فلسطين. وكان جلالته يدعو إلى العقلانية في التعامل مع المجتمع الدولي بهذا الشأن، وأن يدرك العرب المخططات التي تحاك ضد فلسطين، وسار العرب في طريق الحرب التي كانت نتيجتها فصول المأساة المستمرة إلى يومنا هذا.
ونتيجة لإعلان إسرائيل قيام دولتها، بدأ العرب حربهم عليها عام 1948، وشاركت قواتُ الجيش العربي الأردني في هذه الحرب لإنقاذ القدس وبقية الأراضي الفلسطينية، لكن الحرب انتهت لصالح إسرائيل ولحقت أضرار كبيرة بالحرم الشريف في القدس، ولم يكن من جلالة الملك المؤسس إلا أنْ بادر بإطلاق دعوة لترميم محراب زكريا وإعادة ترميم المباني المحيطة التي أصابتها أضرارٌ هيكلية.
ولم تقتصر عناية جلالته على المقدسات الإسلامية، فقد عمل شخصياً في إخماد حريق كاد يدمّر كنيسة القيامة في عام 1949، وكان طيلة فترة حكمه (1921-1951) سادناً وحارساً للمقدسات المسيحية في القدس.
الاعمار الهاشمي الثاني ..
ما إن تولّى جلالة الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه، سلطاته الدستورية في 2 أيار 1953، حتى صدرت توجيهاته إلى الحكومة بترميم قبة الصخرة التي أخذت بفقدان بريقها بفعل عوامل الطقس والزمن، وبعد أن أخذت المياهُ تتسرب إلى الداخل.
وفي عام 1954 أمر جلالته بتشكيل لجنة بموجب قانون خاص لإعمار المقدسات الإسلامية في الحرم القدسي الشريف تحت الرعاية الهاشمية، من منطلق المسؤولية التاريخية للهاشميين تجاه المقدسات.
وتَتابع الاهتمام بالقدس ومقدساتها في عام 1956، ثم في عام 1959 الذي بدأ فيه الترميم الثاني الذي موّله الأردن إلى جانب دعمٍ قدمته بعض الدول الإسلامية، واستمر الترميم الثاني حتى 6 آب 1964، واشتمل على:
• إعمار المسجد الأقصى المبارك، وترميم جدرانه الخارجية الحجرية، وتركيب أعمدة رخامية لأربعة أروقة في الناحية الشرقية منه، وتركيب نوافذ من الزجاج الملوّن، وترميم الأسقف والجدران الداخلية والخارجية.
• إعمار قبة الصخرة المشرفة، وتركيب قبة خارجية من الألمنيوم ذهبيّ اللون، وتركيب رخام للجدران الداخلية والخارجية، وإعادة ترميم الفسيفساء فيها وكتابة الآيات القرآنية.
وحظي الاحتفاء بانتهاء الإعمار الهاشمي الثاني، الذي أقيم في الحرم القدسي الشريف يوم 6 تموز 1964، برعاية جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، والذي ألقى خطاباً في الاحتفال، بيّن فيه مكانة القدس لدى الهاشميين، مشدداً على ضرورة تكاتف المسلمين لاستعادتها. وقال في ذلك الخطاب: "إننا ونحن نغتبط اليوم إذ نمد أبصارنا من خلالكم فنرى الملايين من العرب والمسلمين في آسيا وإفريقيا وقد اجتمعت من حول فلسطين هذه الساعة، نحب أن نذكّر بأن إعمار مسجد الصخرة المشرفة إنْ بدأ فوق أرض المسجد وفي حدودها الضيقة، فإن إنقاذ الصخرة والحفاظ على مسجدها وصون قبّتها تنتهي كلها هناك، في الأرض السليبة، في الأرض العربية الحبيبة، وفي استرداد حقوقنا فيها كاملة غير منقوصة".
الاعمار الهاشمي الثالث ..
تعرّض المسجد الأقصى في 21 آب 1969 إلى حادثة أليمة عندما اقتحمه أحدُ اليهود المتديّنين المتطرفين، وأشعل النار فيه، وأدّى إلى تدمير معظم أجزائه.
ومن بين أهم الأجزاء التي أصابها الضرر بسبب الحريق: منبر صلاح الدين، الذي أحضره من حلب القائدُ المسلم صلاح الدين الأيوبي الذي حرّر المدينة من الصليبيين عام 1187م، ومسجد عمر الموجود في الزاوية الجنوبية الشرقية من المسجد الأقصى، ومحراب زكريا، ومقام الأربعين، والمحراب الرئيسي للمسجد، والقبة الخشبية الداخلية، ونوافذ المسجد، والجدار الجنوبي. كما تعرّض السجاد الذي يغطي أرضَ المسجد إلى الحريق.
وإثر ذلك، أصدر جلالة الملك الحسين بن طلال، طيّب الله ثراه، أوامره بإعادة إعمار المسجد الأقصى، فأعيد المسجد الأقصى إلى حالته السابقة قبل الحريق، وتم استبدال ألواح نحاسية مذهَّبة محْكمة الإغلاق بألواح الألمنيوم القديمة لقبة الصخرة المشرفة، كما شمل الإعمارُ مناطقَ أخرى في الحرم الشريف والقدس، ومنها: قبة السلسلة، وباب الرحمة، وجامع المدرسة الأرغونية، ومكتبة المسجد الأقصى، والقبة النحوية، وسوق القطانين، والمتحف الإسلامي، وسبيل قايتباي.
وبعد الانتهاء من إعمار المسجد الأقصى، وجدَ جلالته أن لجنة الإعمار تعاني من نقصٍ مالي كبير، لا سيما أن تنفيذ التصفيح النحاسيّ لقبة الصخرة يتطلب كلفة مرتفعة، مما حدا بجلالته إلى التبرع بمبلغ من المال للجنة الإعمار حتى تستطيع القيام بأعمالها، وجاء في رسالته إلى رئيس لجنة الإعمار بتاريخ 11 شباط 1992:
"إن ما تم إنجازه حتى الآن في اتجاه البدء بعملية إعادة الترميم والإعمار يبعث فينا جميعاً الرضا والاعتزاز، وإزاء استكمال الدراسات وطرح العطاءات المتعلّقة بهذه العملية، فإنه ليسعدنا أن ننقل إليكم تبرعنا الشخصي مقدّماً لهذا العمل العظيم باسم أسرتي الهاشمية سليلة آل البيت وحاملة رسالته. وإذ علمنا منكم أنَّ ما هو متوفر لديكم هو مبلغ مليون ومائتي ألف دينار أردني، فإنني أضيف لهذا المبلغ ما مقداره 8.249.000 دولار تبرعاً شخصياً مني ومن أسرتي الهاشمية".
ولم يقتصر الاهتمام الهاشمي في القدس على تعمير الأماكن الإسلامية المقدسة، فقد شمل أيضاً إنشاء الكليات والمدارس الدينية ومراكز حفظ التراث، ومنها:
• كلية الدعوة وأصول الدين في القدس، وأنشئت عام 1978.
• كلية العلوم الإسلامية في القدس، وأنشئت عام 1975.
• كلية العلوم الإسلامية في قلقيلية، وأنشئت عام 1978.
• ثانوية الأقصى الشرعية، وأنشئت عام 1958.
• المدرسة الشرعية في جنين، وأنشئت عام 1975.
• المدرسة الشرعية في الخليل، وأنشئت عام 1962.
• المدرسة الشرعية في نابلس، وأنشئت عام 1962.
• قسم الآثار الإسلامية بالقدس، وأنشئ عام 1977.
• قسم إحياء التراث الإسلامي بالقدس، وأنشئ عام 1978.
الاعمار الهاشمي الرابع
أضحت المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس جزءاً لا يتجزأ من كُتب التكليف السامي للحكومات الأردنية ومن برامج عمل هذه الحكومات في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني.
وواصل جلالته التأكيد على ضرورة الاهتمام بهذه المقدسات، والعناية بمرافقها، والتعهّد بحمايتها. وجسّد اهتمامُ جلالته بالمسجد الأقصى استمرارية هاشمية في رعاية مدينة القدس ومقدساتها لما لها من مكانة ومنزلة في سائر الديانات السماوية، وتَمثّل هذا النهج بتشكيل لجنة إعمار المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة بموجب قانون، حفاظاً على المقدسات والمعالم الإسلامية لتبقى قائمة ببهائها وجمالها ومتانتها.
وأولت اللجنة عنايتها بالمسجد الأقصى المبارك وما يشتمل عليه من مساجد وقباب ومحاريب وأسبلة ومساطب وغيرها من المعالم الحضارية، وأجرت أعمالَ الصيانة بشكل متواصل، وأزالت آثارَ الحريق الذي جاوزَ أكثر من ثلث مساحة المسجد، إضافة إلى إعمار مسجد قبة الصخرة المشرفة الذي تم تشييده خلال الفترة (66-72هـ).
وشملت مشاريع الإعمار في المسجد الأقصى في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني ما يلي:
• أولاً: منبر المسجد الأقصى المبارك (منبر صلاح الدين):
تشرّف جلالة الملك عبدالله الثاني بوضع اللوحة الزخرفية الأولى على جسم المنبر في 1 كانون الأول 2002. وتصدّر العملُ في عملية التصنيع اهتمامَه ومتابعته المستمرة، ليعود المنبر على صورته الحقيقية المميزة ببالغ الحسن والدقة والإتقان، وكما أراد له جلالة الملك الحسين بن طلال، طيّب الله ثراه، عندما أبدى توجيهاته بإعادة صنع منبر صلاح الدين الأيوبي في 28 آب 1993.
• ثانياً: الحائط الجنوبي للمسجد الأقصى المبارك.
• ثالثاً: الحائط الشرقي للمسجد الأقصى المبارك.
• رابعاً: مشروع نظام قضبان الشدّ والربط لجدران المصلَّى المرواني.
• خامساً: نظام الإنذار وإطفاء الحريق في المسجد الأقصى المبارك.
• سادساً: البنى والمرافق التحتية.
• سابعاً: قبّة الصخرة المشرفة.
وشملت الرعاية الهاشمية في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، ترميم الأعمال الفنية الزخرفية في مرافق قبة الصخرة المشرفة، والتي تعدّ من كنوز الفن الإسلامي في العصر الأموي. كما شملت إعادة الرخام الداخلي لجدران القبة.
• ثامناً: مهد عيسى عليه السلام.
• تاسعاً: مشاريع الإعمار المقترح تنفيذها.
وتُواصل الجهات الحكومية المسؤولة العملَ لإتمام عمليات التحديث والترميم التي أمر بها جلالة الملك عبدالله الثاني، والتخطيط لتنفيذ عدد من المشاريع المستقبلية مثل: مشروع الإنارة، وشبكة الهاتف، وتطوير الصوتيات المركزية، ومشروع المئذنة الخامسة للمسجد الأقصى المبارك.
• عاشراً: ترميم القبر المقدس
في 4 نيسان 2016، وبمكرمة ملكية سامية، تبرع جلالة الملك عبد الله الثاني، وعلى نفقته الخاصة، لترميم القبر المقدس في كنيسة القيامة بالقدس. وأبلغ الديوانُ الملكي الهاشمي البطريركيةَ الأورشليمية في القدس بمكرمة جلالته، في رسالة خطّية موجّهة إلى غبطة البطريرك كيريوس ثيوفيلوس الثالث، بطريرك المدينة المقدسة وسائر أعمال الأردن وفلسطين.
مواضيع ذات صلة
لاجئون في أريحا يتمسكون بحق العودة ويروون حكايات التهجير
الاحتلال يهدم عشرات المنشآت التجارية والصناعية في العيزرية
مستعمرون يقيمون بؤرة استعمارية على أراضي المواطنين شرق رام الله
"التعليم العالي" تعقد ورشة عمل حول الإطار الوطني للمؤهلات
"الأسرى" ونادي الأسير: زيارات لعدد من معتقلي غزة تُظهر حجم الإبادة الحاصلة في السجون
2869 شهيدا حصيلة عدوان الاحتلال على لبنان