عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 23 آب 2021

لم يعد بالإمكان تجاهل اليهود المناهضين للصهيونية

ترجمة: إيناس عيسى

الحنان بوبكو

يتناول حاخام يقود مؤسسة تدعى "الشبكة الأميركية الإسرائيلية اليهودية - إيتان "(EITAN – The American Israeli Jewish Network) تصاعد الموقف اليهودي المناهض للصهيونية والداعم للحقوق الفلسطينية في السنوات الأخيرة.

ويشن الحاخام الحنان بوبكو في مقال نشرته صحيفة جيروزاليم بوست هجوما على اليهود المتدينين المناهضين للصهيونية والمؤيدين للحقوق الفلسطينية، ويدعو في الوقت ذاته إلى ضرورة التنبه لانتشار أفكارهم من ناحية، ولضرورة توفير الردود على تساؤلاتهم بشأن اليهودية والصهيونية والموقف من إسرائيل من ناحية أخرى.

ويشير إن التعامل مع اليهود المتدينين المعادين للصهيونية لم يأخذ شكلا جديا في السنوات الأخيرة، لكنه بات يتطلب اهتماما مدروسا وعميقا من جانب اليهود الصهاينة.

 

ولتجنب المس بالفكرة كما طرحها بوبكو ارتأينا نشر المقال حرفيا كما ورد في الأصل: 

 

من لم ير يهود "ناطوري كارتا" المتدينين وهم يرتدون العلم الفلسطيني في موكب يوم إسرائيل أو في (أي تحرك مناهض) للمسيرات الداعمة لإسرائيل؟  لعقود، كنا إما نضحك، أو نهز برؤوسنا، أو نعبر عن رفضنا أو غضبنا من انحراف بعض اليهود ممن يأخذون مواقف ضدّ الدولة اليهودية علنا، ولكن، لم نصل أبدا إلى حد الحاجة لتناول موضوع معاداة الصهيونية في مجتمعنا بشكل جاد.

 

كل هذا تغير خلال العام المنصرم، فليس فقط بيتر بينارت من رثى الفلسطينيين النازحين في عام 1948 في "تيشع بـ آف" (أيام صوم لليهود)، إذ إن هناك عددا متزايدا من اليهود الشباب الذين يذهبون إلى مدارسنا، قد يجلسون إلى جانبنا في المعبد، أو قد يجلسون على مائدة السبت، أولئك لا بدّ لهم من رد وتفكير مدروسين وعميقين من جانبنا. 

 

اليهود الشباب المناهضون للصهيونية لديهم سؤال مباشر: لماذا لا يمكننا أن نكون يهودا من دون الصهيونية؟ وهذا سؤال وجيه، لماذا لا يمكننا أن نحظى بيوم مدرسي من دون "هاتيكفاه" (النشيد الوطني الإسرائيلي)، ومعابد من دون أعلام إسرائيل على واجهتها، وحاخامات ليسوا منشغلين بقيادة مهام الأيباك (اللوبي الصهيوني) في واشنطن والرحلات إلى إسرائيل، وحلقات "الهليل" (الدينية) في الحرم الجامعي من دون متحدثين يدافعون عن إسرائيل، ورحلات شباب يهود إلى إسرائيل ليست بحكم ولادتهم، وعشاءات السبت من دون أن يكون فحوى الحديث فيها متعلق بإسرائيل؟

 

في عام 2015 بدأنا أنا وزوجتي باستضافة عشاءات السبت، ومنذ ذلك الوقت استضفنا ما يزيد على 500 ضيف، معظمهم لم نلتق بهم مسبقا، في معظم الأحيان لم نكن نعرف من هم ضيوفنا إلا وقت دخولهم من الباب، وهم لم يعرفوا من نحن أيضا، استضفنا شباب يطمحون ليصبحوا حاخامات من جامعة "الييشيفا" (الجامعة الدينية) وكلية الاتحاد العبري والمدرسة اللاهوتية اليهودية، واستضفنا يهودا من مختلف الخلفيات المهنية والتوجهات من مختلف البلدان وحتى بعض السياح من غير اليهود الذين يرغبون في التعرف على مائدة السبت في نيويورك، وكان لدينا ضيوف من مختلف الطيف السياسي منهم من عمل بشكل غير ربحي لدى مجلس العلاقات الإسلامية الأميركي (CAIR)  ومنهم من عمل في (الإيباك) صهاينة و مناهضون للصهيونية ومنهم من لم يكترث بكلا الفكرتين- الكل كان مرحبا به.

 

هذه الخيمة الكبيرة لليهودية أؤمن بها بشدة، فالكل مرحب به، ونخلق مناخا يرحب بالجميع، وهذا هو نوع البناء الاجتماعي الذي علينا امتلاكه، الكل مرحب به وإن لم يكن صهيونيا، إذا كان هناك يهودي يرى أنّه ليس بالضرورة أن يكون لليهود دولة لوحدهم لا بدّ أن يبقى مرحبا به في مجتمعنا.

 

لكن الهبة الجديدة من اليهود المناهضين للصهيونية غيرت كل شيء.

 

إنّ اليهود الجدد المناهضين للصهيونية ليسوا مثل أعضاء مجتمع "ساتمار الحسيدي" الذين اعتنقوا المعتقد اللاهوتي الذي يقول إنّ اليهود لا يجب أن يمتلكوا دولة لهم وحدهم حتى عصر المعجزة المسيانية (عودة المسيح)، فاليهود المناهضون للصهيونية يؤججون حربا ضدّ غيرهم من اليهود، ويناصرون حركات المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، ويحشدون لتقييد بيع الأسلحة لإسرائيل في حركة لخنق قدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها، وهم يحاولون حرف الرأي العام نحو عزل إسرائيل دبلوماسيا. وهذا ليس متعلقا بكون إسرائيل على أرض إسرائيل مع كل المعاني الدينية والتاريخية المرتبطة بها، بل هو متعلق بشن حرب على المجتمع اليهودي في العالم، ومتعلق باتخاذ موقف ناشط في محاولة لإيذاء يهود آخرين. 

 

بيتر بينارت كان بمقدوره أن يتخذ أي موقف يريده حول معنى الصهيونية، ولكن الانضمام إلى حملة شركة "بين آند جيريز" لمقاطعة غيرهم من اليهود سواء كانوا يعيشون داخل الخط الأخضر أو خارجه في أوغندا أو إيران هذا يتجاوز الخط الأحمر، وهو نوع من السلوك الذي لا يمكن لمجتمعنا احتواؤه، وهذا يأخذنا إلى جواب لماذا تلعب الصهيونية دورا في مجتمعاتنا عندما يكون الأمر غير مستوحى من الدين.

 

هناك شيئان جمعا اليهود دائما معا، بغض النظر عن المكان أو الأيديولوجيا، الأول الالتزام تجاه بقاء اليهود الآخرين في وضع جيد، والمعتقد المشترك بضرورة ضمان أمن مستقبل الشعب اليهودي، فالمؤسسات اليهودية في أميركا لم تنشأ هكذا، إنّما بنيت بتضحية هائلة.

 

أفكر بجدي الحاخام بيرنارد بوبكو الذي هرب بأعجوبة من الاتحاد السوفييتي في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي فقط ليأتي ويساعد في بناء مدرسة هليل النهارية وغالب البناء العمومي اليهودي في بيتسبرغ، وأفكر في صديقي البطل والحاخام جوزيف بولاك، الذي نجى من الهولوكوست وأصبح حاخام الهليل في جامعة بوسطن وجمع التبرعات لبناء واحدة من أجمل وأنجح بيوت الهليل في أميركا الشمالية، هؤلاء سال عرقهم ودماؤهم بسبب التزامهم تجاه الشعب اليهودي ومستقبلنا المشترك.

 

 إنّ اليهود المعادين للصهيونية لهم الحق في آرائهم، ولكنّهم آثروا القضية الفلسطينية الوطنية على من هم مثلهم من اليهود، بإمكانك موافقتهم الرأي أو مخالفتهم، ولكنّ الحقيقة أنّهم تنازلوا عن قضية لصالح أخرى، واختاروا أذية اليهود لصالح القضية الفلسطينية، ولهم الحق في هذا الموقف، ولكن بفعلهم هذا، هم اختاروا باب الخروج من شعبنا. 

 

عند الحديث عن اليهود المناهضين للصهيونية لا يكون الأمر متعلقا بالصهيونية، إنّما عن شعبنا المشترك، عندما قررت شركة "بين آند جيريز" مقاطعة المجتمعات اليهودية خارج الخط الأخضر(المستوطنات)، كان سيناتور ولاية نيويورك وغيره من مالكي المتاجر الحسيدية أول من أعلنوا إدانتهم للسياسة وشنوا حملة مقاطعة مضادة على منتجات "بين آند جيريز"، وهؤلاء اليهود "الحسيديم" من الممكن أنّهم لم يشاركوا أبدا في موكب يوم إسرائيل، ومن المحتمل أنّهم لم ينشدوا أبدا "هاتيكفاه"، ولكنّهم عرفوا أنّ اعتداء على واحد منا هو اعتداء علينا جميعا، وعرفوا ما هو سبب إفراد الدولة اليهودية وأنّها لم تكن متعلقة بـ"أحاد هعام" (المعروف بمؤسس الثقافة الصهيونية) أو الاحتلال، بل هي متعلقة بكونك يهوديا. 

 

وأخيرا وللأسف، أن تكون مناهضا للصهيونية لم يعد مقتصرا على اليهود وحدهم، فشاهدنا خلال السنة الماضية أحداثا متزايدة عن تعرض المجتمعات اليهودية للهجوم تحت ذريعة حركة "حرروا فلسطين"، فخربت المعابد، واليهود من مختلف الأيديولوجيات تعرضوا للهجوم، وتعرض اليهود في حرم الجامعات للتهديد، إذا أعجبنا أم لا، فالعديد من معادي السامية والعنصريين يستخدمون القضية الفلسطينية حجة للاعتداء على اليهود جسديا ولفظيا، وعليه، إنّ أي أحد يقدم يدا لحركة "حرروا فلسطين" هو يقدم يدا لحركة تستخدم لاستهداف اليهود أينما كانوا وهذا هو تجاوز الخط الأحمر، وهو انحياز إلى المنظمات والأفراد الذين يؤذون اليهود في الحرم الجامعي ويضربون اليهود "الحسيديم" في شوارع نيويورك ويطعنون الحاخامات في بوسطن. 

 

مع قيود كوفيد لا أعلم متى سيكون بالإمكان استضافة موائد السبت الكبيرة مجددا، وفي الوقت الذي لا أعتقد فيه أننا سنكون قادرين على مشاركة مساحة مع اليهود المناهضين للصهيونية، أعتقد أنّهم بحاجة إلى إجابات وتوضيحات على الأسئلة الحقيقة التي لديهم، وآمل أنّ هذا أولها. 

 

المصدر: صحيفة جيروزاليم بوست