عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 17 تشرين الأول 2015

نتنياهو يقسم القدس

هآرتس – نحمايا شترسلر

اعتقدت أنني تشوشت، ولم أسمع جيدا. فالوطنيون العظماء، بنيامين نتنياهو، زئيف الكين وجلعاد اردان، ممن لا يستلقون على أسرتهم في الليل قبل أن يصلوا لسلامة القدس الكاملة، الكبرى والموحدة، يقترحون الآن بترها، تقسيمها واعادتها 48 سنة الى الوراء، بمعونة 180 مكعبا اسمنتيا ومحطات فحص تنصب في مداخل الأحياء العربية: نتنياهو يقسم القدس.

يدور الحديث عن طليعة. في المدينة التي هي المستقبل. ما يحصل هناك اليوم، سيحصل لنا جميعنا غدا. وهي النموذج المصغر لكل ما يمر علينا في الـ 48 سنة الأخيرة منذ حرب الأيام الستة: انتصار، احتلال، نشوى، تطرف وجنون.

فور انتهاء حرب الأيام الستة عين موشيه دايان لجنة لترسيم حدود القدس. لم يعين خبراء في تخطيط المدن، الأراضي الاقليمية والجغرافيا، بل ثلاثة الوية لم يكونوا سوى "نواب الرب": حاييم هرتسوغ، شلومو لاهط ورحبعام زئيفي. وقد رسموا خطة مجنونة في أعقابها ضم الى القدس ليس فقط البلدة القديمة داخل الأسوار، وليس فقط المدينة الأردنية خارج الأسوار (6 آلاف دونم) بل 64 ألف دونم اخرى – اراض واسعة من الضفة الغربية لم تكن في أي مرة في التاريخ جزءا من القدس. ويدور الحديث عن 28 قرية يبلغ عدد سكانها اليوم 330 ألف نسمة – حيث لكلهم بطاقات هوية زرقاء وهم يشكلون 35 في المئة من سكان المدينة – وصفة مؤكدة للانفجار.

التمييز بحقهم يصرخ الى السماء. الأحياء العربية القريبة من غربي المدينة بائسة ومهملة عقب عدم تخصيص المقدرات. ولكن هذا لا شيء مقارنة بالأحياء البعيدة التي تدار بلا حكم، بلا رقابة بلدية، بلا شرطة، بلا اخلاء قمامة، بلا شبكة مجاري، بلا طرق وبلا قوانين بناء.

من ناحية نتنياهو، ألكين وأردان هذا على ما يرام. فالعرب هم على أي حال ليسوا بشرا، وليقولوا شكرا على اننا نسمح لهم بالتنفس. بل ان الثلاثة يشرحون موجة العمليات الأخيرة بـ "التحريض". من ناحيتهم ليس لها هي سبب.

هذا تحريض، في أن اوري ارئيل ورفاقه الهاذين حجوا بشكل تظاهري الى الحرم، كي يفجروا بعض الاستقرار الذي كان لا يزال باقيا. هذا تحريض، أنه في البلدة القديمة استوطنت 15 (!) جمعية مسيحانية تعنى بالتدرب على تقديم القرابين في الهيكل الذي سيبنى "بسرعة في عصرنا" على خرائب المسجد الأقصى. هذا تحريض، في أن جمعية "عطيرت كوهانيم" تنغص حياة سكان الحي الاسلامي، وتمول عشرات العائلات التي استوطنت في قلب الحي. هذا تحريض، في أن نطاقات محمية لليهود في اقصى التطرف اقيمت في قلب الأحياء العربية في شرق المدينة. هذا تحريض في أن اولئك اليهود يمسون ويهينون كل يوم آباء وامهات اولئك الشباب الذين يعيشون في يأس مطلق، في فقر، في اهمال وتحت القمع، بلا مستقبل وبلا أمل في الحصول على دولة مستقلة خاصة بهم، تعيد لهم كرامتهم، الأمر الأهم لهم من الخبز ومن الحياة المهنية.

حقيقة أن الحديث لا يدور عن تنظيمات مرتبة، بل عن منفذين منفردين للعمليات ممن أخذوا سكينا او مفكا وخرجوا في حملة ثأر وانتحار، تثبت شدة اليأس الذي يعيشون ويموتون فيه. لكن نتنياهو يتحدث عن "التحريض". فقد بات خبيرا في "ادارة النزاع" التي هي الاسم السري لتبديد كل أمل وكل محاولة لخوض مفاوضات مع ابو مازن. هكذا يمكنه أن يواصل البناء في المناطق في ظل ادارة حملة اكاذيب حيال الأميركيين. وهو ببساطة غير مستعد لان يدفع ثمن السلام: التنازل عن اراض في الضفة وتقسيم القدس – الأحياء العربية للعرب، والأحياء اليهودية لليهود. وكل شيء انطلاقا من الايمان بان الفلسطينيين سيسكتون، سيبتلعون وسيعتادون، إذ مهما يكن من أمر فهم ليسوا حقا بني بشر.

غير أنه الآن تفجر له البالون الكبير في الوجه، وهو، في رد هستيري كعادته، يقسم القدس.