عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 27 حزيران 2020

اليوم أيضا.. لا تعرف اسرائيل ماذا تريد في غزة

يوآف ليمور- إسرائيل اليوم

الجدال الذي يجري في اسرائيل في الـ 15 سنة الاخيرة هل ساهم فك الارتباط عن غزة في اسرائيل أم مس بها، هو داخلي في اساسه. فيكاد يكون كل من شارك فيه يحتفظ بذات الموقف الذي كان له من قبل ان يبدأ اخلاء المدنيين وقوات الجيش الاسرائيلي من القطاع ويجري النقاش في ظل غمز صريح لما يجري في يهودا والسامرة.

فمعارضو الانسحاب مقتنعون بانه اضعف اسرائيل: الاخلاء احادي الجانب علمنا بان اسرائيل تستسلم للضغط والارهاب. فمزيدا من هذا قليلا فاذا بها تستسلم في جبهات اخرى ايضا. اما مؤيدو الانسحاب فمقتنعون بانه عزز بالذات قوات اسرائيل: بدلا من استثمار قوات زائدة في مهام عديمة الاحتمال، تقاتل فقط على ما هو حيوي. والدليل هو أنه منذئذ لم تخلى اي عنزة واي دونم.

هؤلاء واولئك محقون ومخطئون. وكما اسلفنا، كل شيء هنا هو سياسي داخلي. من يؤمن بان على اليهود ان يستوطنوا في كل نقطة في اسرائيل لن يفهم المنطق الذي في فك الارتباط. ومن رأى في القطاع عبئا سياسيا وامنيا لن يفهم ابدا ما الذي يوجد لاقل من 10 الاف اسرائيلي أن يبحثوا عنه في اوساط نحو 2 مليون فلسطيني.

 

الانسحاب اعتبر هروبا

ان محاولة النظر الى الامور بشكل موضوعي، قدر الامكان، فتقدم الصورة التالية: دون التطرق الى القرار نفسه، الذي كان سياسيا داخليا، فقد نفذ فك الارتباط بشكل اشكالي. ليس فقط الخطوة العملية في اخلاء المدنيين من بيوتهم على يد قوات الجيش الاسرائيلي والمعالجة الفاشلة لمن اخلوا، بل مجرد القرار بانسحاب من طرف واحد. بالضبط مثلما حصل قبل خمس سنوات من ذلك في لبنان، اعتبر الانسحاب كهروب: والاسوأ من ذلك، بدلا من تعزيز حلفائها في السلطة الفلسطينية من خلال نقل الاراضي وطرح مطالب بالمقابل، سلمت اسرائيل الارض مجانا، وليس فقط لم تحصل على شيء بل حصلت بالمقابل على حماس. صحيح أن حماس استغلت الحرية التي اعطيت لها لتعاظم متسارع للقوى، ولكن ليس فقط فك الارتباط مذنب في ذلك. فالصواريخ الاولى اطلقت من القطاع منذ بداية 2001؛ والاختراق في انتاجها اتيح على خلفية الضخ شبه الحر للخبراء والوسائل القتالية من سيناء الى القطاع، والذي جرى حتى عندما كان الجيش يسيطر في محور فيلادلفيا (الذي كان ايضا منبت الانفاق). صحيح أنه تسارع جدا بعد انسحاب الجيش الاسرائيلي، ولكن يحتمل أنه كان سيتواصل في كل الاحوال.

ولكن تعزز قوة حماس العسكرية هو مجرد جانب واحد من الموضوع. بالتوازي، فقد اصبحت حماس صاحبة السيادة في غزة ومسؤولة عن الحياة اليومية وعن رفاه السكان. ومع الصلاحيات تأتي المسؤوليات: عن المياه، الكهرباء، المجاري، الصحة، التشغيل. في واقع غزة – المنطقة الاكثر اكتظاظا في العالم – هذا عبء ثقيل، تحول بالنسبة لحماس من ذخر الى عبء. اذا كان قادة المنظمة اعتقدوا في الماضي بان قوتهم العسكرية ستحمي القطاع فان من شأنها في المستقبل ان تجلب عليه الخراب. هذا ايضا هو السبب الذي جعل حماس تخشى منذ نهاية حملة الجرف الصامد من الخروج الى معركة اخرى.

ولكن اسرائيل ليست معفية من الاخفاقات في عصر ما بعد فك الارتباط. فالالتزام الفوري بان كل خرق للسيادة من غزة سيصطدم برد قاس سرعان ما تبين ككلمات فارغة؛ وحتى اختطاف جلعاد شاليط انتهى – بعد سنوات – بثمن صفقة اسرى موضع خلاف، شجعت مزيدا من الاختطاف. حرية العمل العسكري – السياسي – القانوني التي وفرها فك الارتباط بمجرد انسحاب اسرائيل الى خط الحدود الدولية، استغل لتحقيق ردع جزئي فقط.

ولم تتحسن السياسة الاسرائيلية منذئذ. عمليا، لم تحدد اسرائيل لنفسها ابدا بشكل رسمي ما الذي تريده من غزة. على الطيف الذي بين السلام والتعايش (المثالي) من جهة والاحتلال من الجهة الاخرى، كل جواب يفوز. فالحلول التي اعطيناها كانت دوما موضعية وتكتيكية؛ لم تجري ابدا محاولة حقيقية لتحديد ما هي المصالح الاسرائيلية في غزة والتطلع الى تحقيقها.

وسام بطولة للمستوطنين ولسكان الغلاف. النتيجة عمليا هي أن اسرائيل ساهمت في ابعاد السلطة الفلسطينية عن غزة وضمنيا في تعزيز قوة حماس، وحيال حماس ايضا لم تتطلع الى الوصول الى تسوية او حسم، وحتى عندما عملت – قيدت نفسها جدا. وكانت النتيجة دوما جزئية وحامضة؛ بغياب السياسة، لا يوجد ما يدعو الى الافتراض بانها عملا مستقبليا سينتهي بشكل مختلف.

اذا كان ثمة مع ذلك بصيصا نور ساطعان، فانهما يوجدان على المستوى المدني. الاول في جمهور المستوطنين الذين اخلوا القطاع والذين رغم الشرخ تصرفوا بحكمة ومنطق، وامتنعوا عن العنف واعادوا بناء حياتهم. والثاني هو بلدات غلاف غزة. فبغياب المستوطنات في داخل القطاع، اصبح الغلاف خط الجبهة، وسكانه هم الحائط الحديدي الذي يثبت منذ 15 سنة بان فك الارتباط لم يبدأ في جدار القطاع بل انتهى فيه.