عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 18 آذار 2026

من مائدة إفطار إلى ركام…مريم البلعاوي تواجه رمضان الأول بالفقد وعيدًا بلا فرح

غزة 18-3-2026 وفا- محمد دهمان

في حي الزيتون جنوب مدينة غزة، تجلس مريم البلعاوي (27 عامًا) على أطراف ذاكرة مثقلة بالفقد، تستعيد تفاصيل صباحٍ عادي تحوّل في لحظات إلى مأساة أبدية، بعد أن خسرت زوجها وأطفالها الثلاثة، ولم يتبقَّ لها سوى طفلتها الوحيدة ملك.

في السادس من آب/ أغسطس 2025، خرجت مريم من منزلها المستأجر برفقة ابنتها ملك (13 عامًا) لتلقي العلاج، بعد أن اشتد عليها المرض، تاركة خلفها زوجها محمود مجدي البلعاوي (29 عامًا)، العامل الذي كان يعيل الأسرة، وأطفالها الثلاثة: التوأم مايا ومحمد (12 عامًا)، وحلا (9 أعوام)، بانتظار عودتها ليتناولوا الإفطار معًا.

وتقول البلعاوي في حديث لمراسل "وفا": "حكالي محمود: روحي حكميها وأنا بجهّز الفطور… كانوا بستنوني (ينتظرونني) نرجع نفطر سوا". لكن ذلك الصباح لم يكتمل. فعند عودتها، لم تجد المنزل كما تركته، بل كومة هائلة من الركام.

وتضيف: "لما رجعت، لقيت العمارة كلها نازلة عليهم… ماتوا وهم جوعانين، ما لحقوا ياكلوا".

 

صدمة الفقد...وغياب الوداع

لم تتوقف المأساة عند لحظة القصف، بل بدأت فصول أخرى من الألم، حيث لم تتمكن مريم حتى اليوم من انتشال جثامين زوجها وطفليها التوأم من تحت الأنقاض.

وتقول: "كل يوم بروح أنا وملك عند البيت… بنوقف فوق الركام، بنحكي معهم… بس مش قادرين نطلعهم".

وتضيف بصوت مكسور: "قدرنا نطلع بنتي حلا… كانت أشلاء… دفنا اللي طلع منها، والباقي ما زال تحت الركام".

وتزداد معاناة مريم لأنها لم تستطع تنفيذ وصية زوجها الأخيرة، إذ تقول: "كان يقول لي: إذا مت، بدك بإيدك تدفنيني… وأنا لليوم مش قادرة".

الناجية الوحيدة…ألم لا ينتهي

وسط هذا الركام، بقيت ملك، الطفلة الوحيدة الناجية، شاهدة على الفقد، تعيش يوميًا صدمة غياب والدها وإخوتها. وحول هذه المأساة، تقول والدتها: "ليل ونهار بتبكي… بدها أبوها وخواتها، ومش مستوعبة إنهم راحوا". وتتابع: "تقول لي: بابا وعدنا ما يتركنا… وبدها نروح لعندهم".

ملك، التي كان يفترض أن تعيش طفولة عادية، تواجه اليوم واقعًا قاسيًا، إلى جانب احتياجات صحية لا تستطيع والدتها تلبيتها.

حياة قبل الفاجعة…وتشرّد بعدها

قبل القصف، لم تكن حياة العائلة سهلة، إذ كانوا يعيشون في منزل بالإيجار، ويتنقلون بحثًا عن الاستقرار، لكنهم كانوا، كما تصف مريم، "عيلة مترابطة ومليانة حب".

وتقول: "كنا نعيش على الحلوة والمرة… بس كنّا مع بعض". أما اليوم، فقد تبدّل كل شيء، وتضيف: "صرنا أنا وبنتي من مكان لمكان… ما إلنا بيت، ولا إلنا حدا".

وتتابع بحرقة: "أحيانًا بنضل بجانب ركام البيت لآخر الليل… كأنه صار هو المكان الوحيد اللي فيه أهلنا".

رمضان الأول…غياب المائدة

مع حلول شهر رمضان، يتضاعف الألم، إذ تعيش مريم وطفلتها أول رمضان بعد الفاجعة، دون مائدة تجمعهم، أو عائلة تملأ المكان.

وتقول: "هذا أول رمضان بدونهم… لا في فطور ولا لمة، بس وجع".

كان رمضان بالنسبة لها مناسبة للدفء العائلي، لكنه تحوّل إلى ذكرى قاسية تذكّرها بمن فقدتهم.

 

عيد بلا فرح

ومع حلول عيد الفطر، لا تحمل الأيام المقبلة أي ملامح للفرح. وتقول مريم: "لا في عيد ولا فرحة… بنتي نفسها تفرح، وأنا مش قادرة أوفرلها شيء، حتى لبس العيد مش قادرة أجيبه".

تصف مريم واقعها اليومي بمرارة شديدة، في ظل غياب أي دعم أو سند: "والله حياتي صارت مش حلوة… ما في حدا بهوّن علينا، ولا حدا بسأل عنّا...احنا أيتام ملناش حدا… تعبت والله، ياريتنا متنا معهم ولا ضلينا هيك".

نداء إنساني

وسط هذا الواقع القاسي، تطلق مريم نداءً إنسانيًا، وتقول: "نفسي أطلع زوجي وولادي من تحت الركام… أشوفهم مرة وأدفنهم بإيدي".

كما تأمل في الحصول على دعم يساعدها على تأمين حياة كريمة لطفلتها، وتناشد: "نفسي أعيش أنا وبنتي بكرامة…حد يحس فينا ويوقف معنا، وأناشد كل من يستطيع أن يمد لنا يد العون".

في غزة، لا تنتهي المأساة عند لحظة القصف، بل تبدأ بعدها حكايات طويلة من الفقد والانتظار… ومريم البلعاوي واحدة من تلك الحكايات التي ما زالت عالقة بين الركام، حيث لم يُكتب لها بعد وداعٌ أخير.

وارتفعت حصيلة عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة إلى 72,253 شهيدا، و171,912 مصابا، منذ بدء العدوان في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وفقا للمصادر الطبية.

وارتفع إجمالي الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي إلى 677 شهيدا، وإجمالي الإصابات إلى 1,813، فيما جرى انتشال 756 جثمانا من تحت الأنقاض.

وأوضحت المصادر ذاتها أنه لا يزال 7900 شهيد تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والإنقاذ عن الوصول إليهم حتى هذه اللحظة.