عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 27 حزيران 2020

القوميون المتطرفون المسيحانيون لا يعملون لدى ترامب

شاؤول اريئيلي- هآرتس

احزاب اليمين المسيحاني – القومي المتطرف ورؤساء مجلس "يشع" واعضاء في الليكود يعارضون مبادرة ترامب ويكشفون مجددا عوراتهم وعورة كل من يعارض حل الدولتين بذرائع مختلفة، احيانا من خلال ادارة العيون. ورفضهم لحل الدولتين ينبع من ايمانهم المسيحاني، لهذا حسب رأيهم، لا يوجد أي ظرف أو اتفاق يمكن أن يسمح بوجود هذا الحل. وليس صدفة أنه على طول النزاع بين اسرائيل والفلسطينيين هم متمسكون بموقفهم الرافض، ولم يطرحوا في أي يوم بديل، باستثناء بديل يمس بالحلم الصهيوني لدولة ديمقراطية مع اغلبية يهودية.

بصورة مبدئية، جارد كوشنر، مستشار وصهر ترامب، اعطى لنتنياهو والسفير دافيد فريدمان والسفير رون ديرمر ومستشاريهم من المستوطنات، شيك مفتوح موقع باسم الرئيس الامريكي. وبقي عليهم فقط كتابة كل ما يخطر ببالهم. مبادرة ترامب التي تقوم على الرواية القومية المتطرفة – الاستيطانية تستجيب لكل الادعاءات والمطالب التي طرحها القوميون المتطرفون المسيحانيون في فترة عملية اوسلو – التي لم تتفق مع مواقف الطرفين أو مع هدف المفاوضات، لكن عدد كبير من الجمهور الاسرائيلي صدقهم بسهولة.

القوميون المتطرفون المسيحانيون قالوا بأنه لا يمكن التنازل عن غور الاردن لاعتبارات امنية. وترامب الذي لا يرى الافضليات الامنية الكامنة في اتفاق السلام مع الاردن يقترح أن يتم ضم كل الغور لاسرائيل. وقد قالوا إنه لا يمكن وضع أمن اسرائيل في أيدي الفلسطينيين أو في أيدي طرف ثالث – ترامب، الذي لا يعرف الحقوق "الأصيلة" الممنوحة لكل دولة من خلال كونها دولة، وضع في أيدي اسرائيل السيطرة على كل الحدود الفلسطينية، والصلاحية الامنية الشاملة على كل المنطقة، والمسؤولية الامنية عن الجيوب الاسرائيلية التي ستبقى في المناطق الفلسطينية، وكذلك على الجيوب الفلسطينية التي ستبقى في المناطق الاسرائيلية التي سيتم ضمها، بما في ذلك محاور الحركة اليها، بما فيها المواقع الاربعة الاستراتيجية (قاعدة باعل حتسور، جبل عيبال، منطقة متسدوت يهودا وهار غيلو). وقد أبقى في أيدي اسرائيل ايضا السيطرة على كل المجال الجوي والمجال البحري والفضاء الالكترومغناطيسي والسيطرة الكاملة على جميع المعابر الحدودية.

لقد قالوا إن القدس غير قابلة للتقسيم – ترامب الذي بالنسبة له تاريخ القدس يبدأ في 1967، أبقى تحت سيادة اسرائيل شطري المدينة بما في ذلك البلدة القديمة والحرم، وحتى أنه فصل عنها الـ 100 ألف فلسطيني الذين يعيشون في الاحياء المهملة التي تقع خلف الجدار الامني والتي سماها لجهله "القدس" (شرقي القدس).

وقد قالوا بأن البلاد ستغرق باللاجئين الفلسطينيين – ترامب الذي يتجاهل تماما الرواية الفلسطينية يرفض أي عودة للاجئين الى اسرائيل، وحتى أنه ترك في أيدي اسرائيل حق الفيتو على عدد اللاجئين الذين سيعودون الى المناطق الفلسطينية.

وقد قالوا بأنه ممنوع اخلاء أي مستوطنة – ترامب الذي لا يعترف بالمواثيق والقرارات الدولية اقترح أن يضم لاسرائيل 30 في المئة من اراضي الضفة مع 96 في المئة من المستوطنين (الباقون سيتم ضمهم كجيوب)، مقابل 14 في المئة فقط داخل الخط الاخضر. هذا من خلال خلقه حدود جديدة مع فلسطين وهي الحدود الاطول بثلاثة اضعاف من كل حدود اسرائيل، والتي ستجبر الجيش الاسرائيلي كله على أن يتحول الى حرس حدود.

وقد قالوا بأن الاقلية العربية في اسرائيل يجب أن تكون جزء من الصفقة – ترامب الذي لا يفهم معنى مفهوم "مواطنة" اقترح نقل 160 ألف اسرائيلي عربي الى فلسطين. وحسب خطته 150 ألف آخرين مرشحون للنقل.

قمة المفارقة، ولن نقول الصلف، هي غضب المستوطنين من أن الصفقة التي بلورها ترامب مع نتنياهو بدون الفلسطينيين، مشروطة بأن تعترف اسرائيل بـ "الدولة" الفلسطينية. وبسبب غبائه، فان ترامب يسمي "دولة" الكيان الفلسطيني الموهوم الذي يمكن أن ينشأ حسب الصفقة بدون حدود خارجية، وبدون سيطرة على الجو والبحر، وبدون عاصمة، وبدون مسؤولية امنية، وبدون اقتصاد مستقل، ومنزوعة السلاح على خمس مناطق تكون ذات تواصل مواصلاتي مصطنع. وهذا لأن موقف القوميين المتطرفين المسيحانيين يقوم على التفسير الغريب للحاخام موشه بن نحمان، الذي ترجم وصايا العيش في البلاد كاحتلالها ووضعها تحت سيادة يهودية "لأننا أُمرنا بوراثة هذه البلاد التي اعطاها الله لآبائنا. ولن نتركها في أيديهم أو أيدي غيرهم من الأمم في أي جيل من الاجيال".

الامر الذي يثير الغضب ليس أقل من ذلك هو الادعاء بتحويل الـ 17 مستوطنة الصغيرة التي تقع في ظهر الجبل وفيها أقل من 17 الف مستوطن – التي كل هدف اقامتها كان الاضرار بالتواصل الفلسطيني – تحويلها الى جيوب اسرائيلية تقسم الشوارع الواصلة اليها الاراضي الفلسطينية، ستبقى تحت المسؤولة الامنية الاسرائيلية. رد فريدمان بأنه سيكون بالامكان البناء العمودي في الجيوب الاسرائيلية يعكس العمى الثقافي والسياسي للسفير. ليس فقط أن هذه الجيوب ستكون مثل غرس اصبع في عين القومية الفلسطينية، بل هي ايضا حسب فريدمان، ستمتد الى مسافة أبعد.

المستوطنون بالتأكيد قلقون من وجود 43 جيب فلسطيني في المناطق التي سيتم ضمها لاسرائيل مع 106 آلاف شخص من السكان. هم بالتأكيد سيكونون مسرورين لو أنه تم طرد هؤلاء السكان الى خارج المناطق التي سيتم ضمها، بروح التفسير الذي قدمه مناحيم فليكس، من رؤساء غوش ايمونيم، في جلسة المحكمة العليا الخاصة بألون موريه في العام 1979. لقد أُمرنا – "لقد ورثتم الارض وسكنتم فيها لأنني اعطيت لكم البلاد كي ترثوها". وهناك من يفسرها بـ "ورثتموها من سكانها وبعد ذلك سكنتم فيها".

لا يوجد أي شيء جديد تحت الشمس – هذا الرفض يتغذى على القومية المتطرفة المسيحانية. ولكن التاريخ القديم والحديث علمنا بأن من يؤمنون بهذا الرفض مستعدون لدفع أي ثمن مقابل وهم تحقيق حلمهم، بما في ذلك خراب الدولة والشعب. وهم غير مستعدين للتنازل عن سنتيمتر واحد حتى من ارض اسرائيل، رغم أنه اعطيت لحدودها تعريفات لا حصر لها في فترات مختلفة، بما في ذلك في التوراة. وهم يختارون التعريف الاوسع، المناسب لهم. في 1937 اعلن الحاخامات الرئيسيون ردا على تقرير لجنة بيل وعلى موافقة حاييم وايزمن ودافيد بن غوريون على فكرة التقسيم – من اجل اقامة دولة يهودية، تستطيع أن تنقذ يهود اوروبا من انياب النازيين – بأنه "من ناحية دينية خالصة... كل تنازل عن وعي (عن مناطق في ارض اسرائيل) يشكل تدنيس لقدسية البلاد".

الحاخام تسفي يهودا كوك، الزعيم الروحي لغوش ايمونيم على مر اجيالها، اضاف فعليا عدم التنازل عن اراض للجرائم الثلاثة "التي لا يجب التنازل عنها أبدا – سفك الدماء، فعل اجنبي وسفاح المحارم". وحسب رأيه كما تم التعبير عنه في مقابلة مع "معاريف" في 1974: "أورثتم البلاد واسكنتم فيها... هي امر واضح ومطلق، يشمل جميع الاسرائيليين، والذي يقول بأنه على هذه البلاد وفي كل حدودها نحن ملزمون بالتضحية بالنفس عندما يأتي وضع من الاكراه، سواء كان من جانب الاغيار أو لا سمح الله من جانب يهود بسبب تشويشات سياسية أو تشويشات في الرأي، جميعنا ملزمون بأن نُضحي بأنفسنا وأن لا يمر هذا! على يهودا والسامرة وعلى هضبة الجولان – هذا لن يمر بدون حرب! وقد سألني أحدهم اذا كنت أنوي القيام بـ "حرب اهلية"، أنا لن أدخل الى مصطلحات ولن أسمي اسماء، كيف سيسمون هذا الامر، لكن هذه حقيقة. هذا لن يحدث. هذا لن يمر بدون حرب! على جثثنا وعلى اجسادنا! جميعنا".

وحسب موقف المستوطنين المسيحانيين فان اقامة الدولة الفلسطينية ستكون انسحاب من الوعد الالهي "لوراثة البلاد" وخرق لقسم "ألا يبعدوا النهاية" – أي الامتناع عن القيام بأعمال تؤدي الى ابتعاد الخلاص – خرق سيؤدي بالضرورة الى عقاب. ايضا الكارثة تم تفسيرها هكذا من قبلهم. رفض يهود العالم للهجرة الى ارض اسرائيل رغم أن العناية الالهية فتحت الابواب واظهرت لهم أن الله يريد ذلك (بوعد بلفور وبصك الانتداب) – كان مخالفة للقسم المذكور اعلاه، لهذا تمت معاقبتهم.

الحاخام تسفي كوك كتب في كتابه "ارض الظباء": "شعب اسرائيل تم أخذه من عمق المنفى الى دولة اسرائيل. سفك دماء الستة ملايين هو قطع حقيقي في الجسد القومي. الشعب كله يتلقى جراحة سماوية على يد الفاسدين... مع شخص يتمسك جدا بدنس ارض الأمم الى درجة أنه ملزم بالانفصال والانقطاع عنها بسفك الدماء عندما تأتي النهاية... من خلال القطع القاسي... يتم اكتشاف موضوع حياتنا وهو بعث الأمة وبعث البلاد".

العلمانيون من اوساط الذين يرفضون مبادرة ترامب، لأنه يوجد فيها كما يبدو اعتراف بدولة فلسطينية، يستندون الى رأي الشاعر نتان الترمان، من مؤسسي "الحركة من اجل ارض اسرائيل الكاملة". الترمان كتب في 1970 قبل شهر من موته في مقاله الاخير بعنوان "الهواية الجديدة": "من اللحظة التي نعترف فيها بوجود وهم قومي فلسطيني، من تلك اللحظة تصبح كل الصهيونية سرقة وطن من أيدي شعب قائم. وفي حالة أننا نساعد اليوم في تجذير هذا الوعي في العالم وفي وعينا الداخلي فاننا نهز الاساس التاريخي والانساني للصهيونية ونضعها على حرابنا فقط". الترمان اعتبر النزاع "لعبة صفرية المجموع". وكما يبدو لم يكن بامكانه قبول نظرة "هذا وذاك" التي تعني بأنه يوجد للشعبين الحق في تقرير المصير في وطنهما. والاعتراف بحق أحدهما لا ينفي حق الآخر.

وكل ما تبقى للمخلصين للصهيونية هو أن يأملوا بأن يكون هذا الرفض للقوميين المتطرفين المسيحانيين واصدقائهم، "حمار المسيح" الذي سينقذنا من الحلم المجنون غير الممكن للرئيس ترامب والذي يمكن أن يدمر كل قطعة جيدة في دولة اسرائيل وعلاقاتها مع الفلسطينيين ومع كل العالم.