عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 14 أيار 2020

أم زهير.. بين نكبة الوطن ونكبات الشتات

بيروت- الحياة الجديدة- هلا سلامة- من حيث الذكرى، فبعد اثنين وسبعين عاما على نكبة فلسطين، مهم أن نحيي حقوق وطن عربي فيه من الإرث الديني والحضاري لشعوب المنطقة وليس للفلسطينيين وحدهم ما يكفي، ونصوب من جديد على المجرم الأساسي الذي اغتصب أرض فلسطين وشرد شعبها بقوة الترهيب والقتل الجماعي.. ومهم أيضا ان نقف الى جانب حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة من دون اجتزائها أو أخذ ما يروق لنا منها.
الشتات.. أبشع مخلفات الاستعمار الصهيوني وفاتورة المآسي طويلة الأجل التي يدفعها الشعب الفلسطيني حتى يومنا في بلاد اللجوء والنكبة المتجددة التي لا يجد الفلسطينيون أهمية لترقيم سنوات مرت عليها.
تأخذك أم زهير (ندى الموسى- 87 عاما) ابنة قضاء صفد الى عالم من الأحدات في أزمنة وأمكنة عديدة بدءا من منزلها في فلسطين الذي غادرته عام 1948 وكانت تبلغ من العمر خمسة عشر عاما.
تسابقها صورة وطنها ولا تخفي فخرا بأرض كانت العائلة تعتاش منها فتقول: فلسطين جنة، ونحن فلاحون، كنا نزرع كل شيء وكنا نربي المواشي وتصنع أمي أنواعا من الألبان والأجبان، فقد كنت واخوتي صغارا حين توفي أبي في فلسطين وتولت أمي زمام تربيتنا.
تستذكر أم زهير الأحداث التي استبقت ورافقت طرد العائلات الفلسطينية من بيوتها: لقد كان هناك أقلية من العائلات اليهودية في فلسطين تتكلم العربية مثلنا وتتعايش معنا، إنما تختلف جدا عن هؤلاء الذين دخلوا قرانا عام 1948 على قافلاتهم العسكرية مدججين بالسلاح، ولا نفهم حتى كلامهم، كانوا يطلقون النار على كل فلسطيني يشاهدونه على الطرقات فنختبئ في المنزل ولا نخرج الى ان ازدادت حدة هجماتهم، وبدأوا يقصفون البلدات الفلسطينية ويرتكبون المجازر بأهلها، فهربت بنا والدتي كغيرنا من العائلات الى جنوب لبنان مشيا على الأقدام حتى وصلنا الى سهل الخيام.
شيدت أمي لنا خيمة هناك من قصب الذرة، مكثنا فيها خمس سنوات، وكنا في أيام الشتاء نلجأ الى مغائر شبعا لنحتمي من البرد ثم نعود في أيام الصحو الى خيمتنا.
بعدها انتقلنا الى بلدة الخيام لفترة وجيزة، ومن ثم الى الدامور، فمخيم تل الزعتر الذي تم تخصيصه للاجئين الفلسطينيين.
توفيت الوالدة وتزوجت أم زهير وأنجبت سبعة أولاد (5 صبيان وبنتين) فيما فقدت في المجزرة التي شهدها مخيم تل الزعتر معظم أقاربها، ونجت بأعجوبة مع عائلتها التي انتقلت بعدها الى شاليهات "السان ميشال" على الشاطئ البحري، حيث فقدت ابنها سهيل الذي انفجر فيه لغم من مخلفات الحرب ادى الى استشهاده.
في الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 هربت مع عائلتها الى سوريا حيث سكنت في مخيم بمنطقة السيدة زينب تم جرفه فيما بعد لتنتقل الى منطقة الحسينية حيث مرض زوجها وتوفي. الحرب في سوريا استنزفت عائلة أم زهير، ففي عام 2011 استشهدت ابنتها سهيلة مع حفيد لها في قصف على منزلها الكائن في منطقة السيدة زينب واعتقل ابنها حسين على حاجز في منطقة الحسينية، وبعدها بثلاثة أيام فقد ابنها الثاني فادي في رحلة البحث عن أخيه في منطقة السيدة زينب، لتعود وعائلات أولادها المفقودين للسكن في مخيم شاتيلا في بيروت.
تذرف دمعا "هادئا" وتقول: أي مكان بعد في هذه الدنيا ارتاح فيه طالما اني لا أعرف عن أولادي المخطوفين شيئا وهم لا علاقة لهم بالأحزاب والقتال؟
هذه حرقتي في الحياة، لقد كان بيتي ممتلئا بهم.. أجلس وأستذكر جمعتهم فلا أجد جوابا عن سؤال يراودني: أين بيتي وأين عائلتي؟
سوف أموت بشاتيلا، وبعد اليوم لن أخرج الى مكان آخر، فانظري كل هذه الأعوام الى كم مكان انتقلنا وكم مأساة واجهتنا وكم عزيز فقدنا..
"من المؤكد ان اسرائيل غيرت مجرى حياتنا، ودفعنا أثمان شتاتنا بين فلسطين ولبنان وسوريا، صدقيني لم أعد أذكر كم عاما مضى على النكبة، ولكن ما أعرفه ان النكبة مستمرة وباتت نكبات.. هي نكبة أرض وإنسان.. ومن قال إن الانسان الفلسطيني انتهت مأساته؟
تصمت قليلا وتحدث نفسها بحرقة: وطني غالي، وأولادي يعادلون روحي ايضا.. كله صعب".
في المحصلة.. نخرج من الحديث مع أم زهير بذاكرة انسان فلسطيني جمعت كل مآسي فقدان الوطن والأحبة.. كما يتسلل الشوق من عيني المرأة الى بيتها الأول في فلسطين، فأيضا الى والدها الذي دفن هناك.. وأمها التي توفيت، وابنها الذي استشهد في لبنان.. وزوجها، وابنتها التي استشهدت وولديها المفقودين في سوريا واللذين لا تعرف شيئا عن مصيرهما هناك.
وهي على أعتاب التسعين تخرج من آخر بيت لها في الشتات لتعود وتلتقي مع أختها الوحيدة مريم في شاتيلا وتسكن معها، وهي التي كانت رافقتها منذ 72 عاما في رحلة اللجوء الأولى من بيت الأهل في فلسطين الى لبنان.
كما بكت أم زهير يوم نكبة فلسطين وكان عمرها 15 عاما، ما زالت بعد 72 عاما تبكي مآسيها.. وان خرجت من بيتها في فلسطين مرة فقد خرجت من بيوت الشتات مرات.
اثنان وسبعون عاما.. فلسطين نكبة الوطن الممتدة .. والقضية التي لا تجزأ .. فكما الأرض.. الانسان.