سقف واطئ
عدلي صادق
لا يختلف اثنان، على أن خيبة أمل كبرى وعامة، أصيب بها كل الذين تفاءلوا بالثورات ضد أنظمة مستبدة، وسموها ربيعاً عربياً. فعندما نفتش عن أسباب تفشي العنف المجنون، الذي يعصف اليوم ببعض العرب، نجد أن من أهمها، ما يعود الى ثقافة المحكومين فضلاً عن ثقافة الحاكمين وغرائزهم. وعلينا أن نعترف، أن الغالبية العظمى من الاقتتال في بعض البلدان العربية، لم يكن بسبب فقدان الحريات العامة أو الاستبداد، وإنما بسبب خراب العقول وانحطاط الثقافة بكل أبعادها القيمية والفكرية والأخلاقية!
لقد بات سقف تمنيات المتفائلين، واطئاً جداً، وهو إنقاذ ما يمكن إنقاذه، مع إحساس بالتفجع والألم العميق، على ما جرى ويجري في سوريا والعراق واليمن وليبيا.
ما غاب عن الذين أفرطوا في التفاؤل؛ هو أن الثورات التي بدأت عفوية وشعبية، لمناهضة الاستبداد؛ تفجرت من قلب مجتمعات فاقدة للحد الأدنى المطلوب من التحديث الثقافي، الذي يجعل الكتلة الشعبية، قادرة على التماسك، ويجعلها قانعة بنفسها كشعب، وبنخبتها الثقافية والسياسية، وغير عرضة لأن تأخذها الرياح الكريهة، الى صراعات داحس والغبراء فيما بينها.
في هذا السياق، لن نشعر بالحرج من الاعتراف، أن البلد الذي حدثت فيه ثورة انتصرت سريعاً، وجاءت عواقبها محمودة نسبياً؛ هو الشقيقة تونس التي تغربت فيها الثقافة، وأخذت ناصية الحداثة في التعليم، الذي ظل إلزامياً ومجاناً على امتداد مراحل الدراسة. فقد أخذ بورقيبة بلاده الى مناخات دستورية معقولة، تكرست فيها هيبة الدولة وثقافتها، والهوية العربية. ولم يكن للتعليم الديني في تونس، أن ينتج فقهاء ميالين للغلو. بل إن تيار "الإخوان" عندما أراد أن يجعل لنفسه موطئ قدم في تونس؛ لم يتول المهمة فقيه أو أستاذ شريعة، وإنما أستاذ في الفلسفة هو راشد الغنوشي، ومحامٍ في القانون المدني هو عبد الفتاح مورو!
صحيح إن الدكتاتورية مسؤولة عن استبعاد التحديث، لأن من شأنه فتح عيون الناس على كافة حقوقها المدنية والدستورية، وعلى حقوقها في التنمية والديمقراطية والعدالة. فقد اتكأت الدكتاتوريات على الدين، وحاولت توظيفه لشرعنة الحكم والتغطية على عيوبه، وهي نفسها التي جعلته يحسم مسألة الرضى عن الحاكم. فلم يكن حافظ الأسد، النصيري، مضطراً للإعلان عن سُنيته، ولم يطلب منه الشعب السوري ذلك؛ لو أن الممارسة التي أضمرها ونفذها وتمادى فيها، لم تكن طائفية وعائلية واستبدادية، ولو أنها فتحت للناس آفاق الحرية والعدالة والكرامة في وطنها. ففي مثل هذه الحالات، دأبت الدكتاتوريات على الاستعانة بالدين، عبر فقهاء موالين، وإدخاله في وصفة الحكم أو في تركيبة السلطة، بنسب أو جرعات محسوبة كما في الأدوية، وجعلوا مثل هذه الجرعات بديلاً عن التحديث. وبذريعة الوطنية والقومية، تولى مثقفو كل سلطة مستبدة، مهمة تنفير الناس من كل شيء له علاقة بالغرب، ومن كل ما هو غربي، حتى صار التغريب بمجمله سُبّة، دون النظر الى الحضارة والحداثة باعتبارهما مكتسبات انسانية كونية، كرست حقوق الانسان واحترام الذات البشرية والديموقراطية.
عندما انفجرت المجتمعات في وجه الاستبداد، بدا لافتاً غياب النخب السياسية المبجلة أو ذات المآثر التي يجتمع حولها الناس. أصبحت الكتلة البشرية بلا إجماع على قيادة، فأتيحت لأمراء السوء، متزعمي المجموعات المتطرفة، فرصة الاغتراف من المخزون الشبابي المحبط، الذي لم يتلق تعليماً حداثياً ولا عاش في كنف دولة حديثة تحترم أسباب وجودها كدولة، وتكفل الحقوق المتساوية لكافة مواطنيها!
كان ذلك من بين أهم الأسباب التي جعلت المتفائلين بـ "الربيع العربي" يصابون بخيبة أمل كبرى، ويخفضون أسقفهم، طلباً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، من براثن الداعشية المنفلتة والمعششة في الثنايا، ومن براثن الحال الاستبدادية القصوى!