عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 23 نيسان 2020

بيوت المسنين في فلسطين.. حكايات الأمس في مواجهة كورونا

رام الله - الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- كبار السن في زمن كورونا الأكثر استهدافًا بأنياب هذا الوحش الفيروسي "كوفيد 19"، كما أظهرت الاحداث في العديد من الدول كيف نهش فيروس كورونا أجساد هؤلاء الاجداد والآباء الذين واجهوا الاصابة وقضوا نحبهم قبل ان تدركهم حتى عيون الاطباء ولو بفحص شفهي وهم يودعون الدنيا بتجربة قاسية، تجربة كشفت المناعة الاجتماعية والقيمية التي ينبغي ان تتمتع بها مجتمعاتنا وخاصة تجاه الفئات الأكثر عرضة للخطر والاصابة بالمرض، انها ثقافة مجتمعات تتراكم على امتداد السنوات، فكبار السن ثروة وتاج من العطاء، انقلبت الدنيا وتغيرت حياتهم، وباتوا في أمس الحاجة للحماية والتضامن الايجابي، ليس شفقة، لان الشفقة لحظية، وإنما الحاجة لمنظومة عمل أخلاقي ومؤسسي تعني بالمجتمع بكامل مكوناته، وتكون عند حسن الظن اذا ما داهمتنا المصائب والشدائد كحال جائحة كورونا هذه الايام.

ما أروع أن تجد بين مكونات مؤسساتنا الفلسطينية قصص نجاح وتميز على هذا الصعيد، مؤسسات تعمل بصمت، لكن أثرها خالد وواضح لكل متابع ومهتم بقضايا كبار السن في مواجهة"كورونا"، ومنها (بيت الاجداد) المخصص لرعاية المسنين من أبناء شعبنا، بيت عريق تأسس في خمسينيات القرن الماضي، وضع نصب عينيه تأمين الاستقرار الصحي الاجتماعي والنفسي للمسن من خلال برامج الرعاية المختلفة وتوفير إقامة وعناية يومية تم تكثيفها في أزمة الوباء،ويضم بين جدرانه 50 مسنا (22رجلا، و28أنثى) منمختلف محافظات الوطن.

 

المسن أبوعاهد : "متوكل على رب العالمين"

يسكن المسن أبوعاهد  في (بيت الأجداد) التابع لوزارة التنمية الاجتماعية في محافظة أريحا، منذ ما يقارب العام، بعد عودته الى الوطن من بلاد الغربة التي قضى فيها 37 عامًا، أبوعاهد الذي يبلغ من العمر (79) عاما، لم يحظ بعائلة، ليس لديه زوجة ولا أبناء، لم يحنُ عليه أحد ولم يتلق الرعاية، وعندما أصيب بنزيف حاد في المعدة نقل على إثره الى مستشفى جنين الخاص، حيث تلقى العلاج وتم نقله بعدها الى مركز (بيت الأجداد)، في زمن كورونا يقول أبوعاهد: "أنا مهندس ديكور،عشت في بلاد الغربة ومضى العمر هناك، عدت للوطن وبعد عدة مشاكل صحية عانيت منها، انتقلت للإقامة في بيت الاجداد، والحمد لله أحظى برعاية جيدة مع توفير بعض الادوية التي أحتاجها، وتقديم الرعاية الصحية والاجتماعية اللازمة لمن هم في عمرنا"، وعند سؤاله عن مخاوفه من فيروس كورونا، أجاب "لا أشعر بالقلق من الوباء وليس لدي أية تخوفات بما أنني التزم بإجراءات الوقاية كما أن المركز حريص على توفير وسائل الحماية اللازمة وفي النهاية أنا متوكل على رب العالمين".

 

الإنسان الفلسطيني أغلى ما نملك

يقول ركاد شجاعية مدير (بيت الأجداد) "إن فكرة انشاء هذا البيت جاءت تلبية لاحتياجات المجتمع ولخدمة الحالات الإنسانية التي تفتقر لمن يرعاها، وللمسنين الذين لم يجدوا من يعيلهم ويعينهم على خدمة انفسهم، ونحاول من خلال وضع خطط معينة إشراك المسنين في تنفيذ برامج اجتماعية ثقافية مهنية ترفيهية لإبقاء المسن فاعلا في حياته، إضافة الى ربطه مع بيئته التي جاء منها وتنظيم الزيارات المتبادلة بينه وبين أقاربه".

وفي ظل تفشي الوباء وما يشكله من خطورة على كبار السن خاصة ممن يعانون من أمراض مزمنة، وطبيعة الإجراءات التي اتخذها (بيت الأجداد) لحماية المقيمين فيه من المسنين، أوضح شجاعية: "قمنا منذ بداية الأزمة باتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة لمواجهة الوباء وفي مقدمتها تعقيم المرافق بشكل كامل وبشكل متكرر، وقف الزيارات والأنشطة داخل المركز، الى جانب عدم استقبال حالات جديدة أو إخراج حالات، منع التجمعات داخل المركز أثناء تناول وجبات الطعام أو غيره، وضع مواد التعقيم على المداخل، وقف العمل بالبصمة، ارتداء الملابس الواقية، تجهيز غرفتي عزل لمن تبدو عليه اعراض انفلونزا الاولى في قسم الرجال والاخرى في قسم النساء".

ويضيف مدير المركز الذي يعد المؤسسة الحكومية الوحيدة التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية ويضم 35 موظفا، وتبلغ قوته الاستيعابية (60) نزيلا لمن هم فوق الـ (60) عاما: "بخصوص كبار السن ممن يعانون من أمراض مزمنة فقد تم تكثيف الرقابة على أية أعراض جديدة يتم اكتشافها من قبل التمريض والمشرفين، ومتابعة هذه الحالات، كما تم تجهيز غرفتي عزل لمن تظهر  عليه اعراض انفلونزا الاولى في قسم الرجال والثانية في قسم النساء".

 

الثقافة الصحية بوباء كورونا تتفاوت بين كبار السن

وفي سؤال حول الحالة النفسية للنزلاء وتعاملهم مع انتشار الوباء، خاصة بعد أن تم الاعلان من قبل عدة مصادر أممية وعالمية ودولية على أن الوباء يستهدف بالدرجة الاولى فئة كبار السن، حيث شهدت فلسطين منذ بداية الأزمة حالتي وفاة لكبار سن يعانون من أمراض مزمنة، والتوصيات بضرورة مراعاة كافة الإجراءات اللازمة لحمايتهم من الاصابة، الى جانب مراعاة الجانب النفسي لديهم، يقول شجاعية: "بخصوص وجود قلق او عدم وجود قلق بين النزلاء فالجزء الأكبر من النزلاء غير مدركين تمامًا لما يدور حولهم لأسباب تتعلق بقدراتهم الذهنية،والآخرون مؤمنون ان كل شيء بيد الله، كما أظهروا تفهمهم لوقف الفعاليات والأنشطة ومنع التجمعات من منطلق الحفاظ على سلامتهم، ويحاول قسم الانشطة في المركز تنظيم انشطة خفيفة مع النزلاء دون عمل تجمعات مثل القيام بتمارين رياضية تناسبهم وعمل أنشطة خاصة بالرسم والتطريز".

في سياق مواز أكد شجاعية "أنه ومنذ بداية الأزمة تم استقبال 4 حالات جديدة بقرار استثنائي من وزير التنمية الاجتماعية أحمد مجدلاني، كانوا نزلاء في جمعية الاحسان الخيرية في الخليل ولم يكن لديهم من يرعاهم وجميعهم دون سن الستين الذي هو السن الذي يتم استقبال النزلاء عند بلوغهم اياه".

 

الجدات يواجهن الوباء بالتطريز

يعيش بين جدران (بيت الأجداد) مسنات فلسطينيات،المسنة "رسمية"، وهي التي دفعتها الظروف للانضمام لأسرة (بيت الأجداد) منذ عام تقريبا، تقول والتفاؤل باد عليها:"لجأت الى بيت الأجداد بعد أن احتجت الى الرعاية الصحية منذ تقاعدي من عملي كممرضة لمدة 32 عاما،حيث افتقدت من يساندني في مرضي وتوفير احتياجاتي بعد بلوغي (69) عاما ومعاناتي من بعض الأمراض المزمنة،وهنا اتلقى الرعاية الكاملة، ولا يوجد اي تقصير من جهة الادارة وطاقم العاملين بحقنا، على العكس تماما فهم يقدمون لنا افضل ما عندهم لجعلنا مرتاحين".
وتضيف "بعد انتشار فيروس كورونا  لم أغير من عاداتي ولم أشعر بالقلق أو الخوف خاصة بعد الاخبار التي نسمعها بأن الوباء يستهدف كبار السن فالأمر بيد الله عز وجل، كما عملت إدارة المركز على الالتزام بالإجراءات التي تحمينا،وتم منع الزيارات أو الخروج من المركز حماية لنا من الاختلاط ومن ثم الإصابة لا سمح الله، ونحاول أن نتجاوز هذه الازمة من خلال الأنشطة التي تقدمها الإدارة،مثل ممارسة بعض التمارين الرياضية وهواية الرسم والقيام بالتطريز الذي اعتبره هوايتي المفضلة".

 

مجتمع فتي لكنه يراعي خصوصية كبار السن

وفقاً للبيانات الرسمية، فإن المجتمع الفلسطيني مجتمع فتي، حيث تشكل فئة صغار السن نسبة مرتفعة من المجتمع في حين تشكل فئة كبار السن نسبة قليلة من حجم السكان، إذ بلغ عدد كبار السن في فلسطين 257.151 فردًا بما نسبته نحو 5% من إجمالي السكان منتصف عام 2019،ورغم الزيادة المتوقعة في أعداد كبار السن في فلسطين خلال السنوات المقبلة إلا أنه يتوقع أن تبقى نسبتهم منخفضة وفي ثبات إذ لن تتجاوز 5% خلال سنوات العقد الحالي، ومن المتوقع أن تبدأ هذه النسبة في الارتفاع بعد منتصف العقد المقبل.

داود الديك وكيل وزارة التنمية الاجتماعية أكد أنه يوجد 21 مركزا للمسنين في الضفة منها مركز حكومي واحد لكبار السن تابع لوزارة التنمية الاجتماعية وهو "بيت الاجداد" في أريحا، و20 مركزا تابعا لمؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية.

يقول الديك: "في ظل أزمة الوباء عملت الوزارة على اتخاذ رزمة من الإجراءات ضمن خطتها الطارئة لحماية المسنين في جميع مراكز إيواء المسنين في محافظات الوطن في مقدمتها تعقيم جميع المراكز وتزويدها بمخزون كاف من المواد الغذائية ومواد التعقيم، كما عملنا على منع الزيارات إلا في حالات قاهرة وضمن البروتوكول الصحي، كما حرصنا على عدم استقبال أي نزيل جديد إلا بعد الفحص والتأكد من خلوه من الفيروس".

ويؤكد الديك أن الوزارة عملت على تنظيم أنشطة ترويحية وتقديم دعم النفسي والاجتماعي من خلال أخصائيين نفسيين يعملون في هذه المراكز، وهو الدعم الذي يحتاجه النزلاء في ظل تفشي الوباء تحديدًا الى جانب تقديم الفحوصات الطبية اللازمة بالتنسيق مع مديريات الصحة.

 

خدمات تستهدف كبار السن المتواجدين في منازلهم

كبار السن ليسوا فقط من يتواجدون ضمن بيوت الرعاية الرسمية، فهم جزء طبيعي من مكونات هرمنا السكاني ومجتمعنا الفلسطيني، وفي سؤال وجهناه لوزارة التنمية الاجتماعية بخصوص الخدمات المقدمة لكبار السن المتواجدين في منازلهم وخاصة بعد بدء أزمة انتشار الفيروس يقول الديك: "تم استهداف ما لا يقل عن 4000 مسن تم تزويدهم بالطرود الغذائية والمواد الصحية المتعلقة بالنظافة والتعقيم، كما تم تقديم المساعدات النقدية لما لا يقل عن 40 ألف أسرة يرأسها مسن، أي 35% من اجمالي الأسر التي تتلقى مساعدات، الى جانب تقديم مساعدات نقدية لحوالي 61 ألف مسن ضمن أفراد الأسرة".

وحول اهم النصائح التي تقدمها الوزارة للمسنين في كل مكان على أرض الوطن سواء ممن يقيمون في مراكز الإيواء او مع عائلاتهم يوضح الديك "أهم جزئية تخص المسنين في الأزمة الحالية هي تخفيف التوتر والضغط النفسي ورفع معنويات كبار السن وتجنب الحديث عن تأثيرات فايروس كورونا على المسنين، مع ضرورة توفير الدعم النفسي لهم وإشغال وقتهم وعدم تركهم فريسة للعزلة والوحدة واستخدام وسائل السوشيال ميديا للتواصل بين كبار السن وأصدقائهم وأبنائهم وأحفادهم. كما لا بد من الحرص على النظافة والاستحمام بشكل مستمروتجنب الخروج من المنازل وإلغاء الزيارات الاجتماعية في الفترة الحالية، هذه الفئة يجب أن تكون ذات أولوية في زمن الوباء".

 

خصوصية الحالة الصحية للمسنين تتطلب رعاية خاصة

من الناحية الطبية الخاصة بالمسنين في المرحلة الحالية تحديدا، أكد الدكتور محمد الربعي/ رئيس جمعية طب الأسرة في فلسطين، ومدير المركز الوطني للتأهيل لعلاج كورونا في بيت لحم "أن الفيروس يصيب جميع الاعمار لكنه يسبب مضاعفات خطيرة لكبار السن بسبب ضعف المناعة نتيجة وجود امراض مزمنة، وبالتالي فإن من أهم الاجراءات لحمايتهم عزلهم قدر الإمكان عن التواصل مع اشخاص من خارج العائلة خوفًا من نقل المرض اليهم، وتزويدهمبالتغذية السليمة والفيتامينات وتقديم الدعم النفسي لهم بالتواجد معهم وعدم اشعارهم بالوحدة واخافتهم من المرض، وتقديم الرعاية الصحية اللازمة لمن يعانون من الأمراض المزمنة، مع ضرورة مراعاة الصحة النفسية لهم لتخفيف الضغوطات والعزلة والخوف من المرض والموت، بالاستماع الى الموسيقى الهادئة ومشاهدة الافلام الوثائقية التي تدعو للتفاؤل والحياة، مؤكدا أن اصابة كبير السن بالمرض لا تعني الموت، حيث إن الكثير من المتقدمين بالسن أصيبوا بالفيروس ونجوا منه بالاهتمام والرعاية وتقوية المناعة لديهم".

كبار السن اينما كانوا هم حلقة مركزية في بنيتنا وقيمنا وثقافتنا، فرعايتهم ليست مجرد وظيفة، وليست مجرد واجب اجتماعي، انها روح حياتنا وضميرنا الاخلاقي والمؤسسي، فالتحية لكل من يعمل ليل نهار للحفاظ على حياة وكرامة اجدادنا حيثما كانوا واينما كانوا ليس كموجة عابرة في زمن كورونا، بل لكونها معدننا وجوهرنا الاصيل رغم كل الظروف، وسيموت كورونا ويعيش اجدادنا بصحة وعافية وأمن كرامة.