سرقوا نهار حوارة وأمان أهلها

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- إنهم يسرقون صوت الأجراس الصغيرة التي كانت تعود مساء مع القطيع، ويتركون خلفهم صمتا ثقيلا يكفي لإيقاظ البلدة كلها.
أمس الأول السبت، كانت بلدة حوارة جنوب نابلس جسدا مفتوحا على الجهات الأربع، كل جهة منها تنزف بطريقة مختلفة.
لم يكن يوسف عودة يعد أغنامه، كان يعد الغياب، فيقف الرجل السبعيني في حظيرته الخالية، لا يبحث عن رؤوس الماشية التي سرقت فقط، بل يبحث عن الضجيج الذي كان يملأ هذا المكان، هنا كانت الأغنام تتزاحم عند الباب، هنا كانت أصواتها تتداخل مع صياح الديكة ورائحة العشب اليابس، أما الآن، فلا شيء سوى الصمت.. الصمت نفسه الذي يتركه اللصوص خلفهم حين يرحلون.
في حوارة، لم يأت المستوطنون إلى السهل كمن يمر عابرا، جاؤوا كمن يعرف تماما ماذا يريد.. تركوا خلفهم جرحى، ونيرانا، ومركبات محترقة، وحظائر مفتوحة على الفراغ.
في حظيرة المواشي الخاصة بالمواطن يوسف عودة اختفت الأغنام التي تعب على تربيتها عاما بعد عام.
كان يوسف يتحدث، لكن الكلمات بدت أصغر من الحكاية.
في عينيه قصة رجل رأى رِزقه يُساق أمامه، كما تساق سنوات عمره، وفي تجاعيد وجهه كانت حوارة كلها تبدو كبلدة تحاول منذ سنوات أن تجمع ما يتساقط منها، فيما يواصل ارهاب المستوطنين عمله اليومي بلا انقطاع.
ذلك النهار لم يكن يوما من أيام الاعتداءات المعتادة، كان يوما سُرقت فيه الأغنام، واحترقت فيه الممتلكات، وأصيب فيه المواطنون، لكن أكثر ما سرق فيه كان شعور الأهالي بأنهم قادرون على حماية ما يحبون.
ولهذا، حين يتحدث يوسف عودة عن أغنامه، فهو في الحقيقة يتحدث عن شيء أكبر بكثير من قطيع، إنه يتحدث عن حوارة نفسها.
في السهل، كانت النار تلتهم الأرض كما لو أنها تعرف أسماء أصحابها، وفي الحظائر كانت الأغنام تُساق بعيداعن مراعيها وحظائرها، وعلى الطرقات كان رجال البلدة يركضون نحو الدخان، لا ليطفئوا الحريق فقط، بل ليمنعوا ذاكرتهم من الاحتراق معه.
كان المشهد أقسى من أن يروى بلغة الأرقام، الإصابات كانت بحجم رجل رأى مرآب السيارات يتحول إلى معدن أسود في دقائق، وبحجم صاحب ماشية عاد إلى حظيرة أغنامة فلم يجد سوى آثار الحوافر على التراب.. وبحجم أم ظلت تراقب هاتفها خوفا من أن يكون ابنها بين أولئك الذين سقطوا تحت الضرب أو الرصاص.
وفي زاوية أخرى من الحكاية، لم يكن المشهد يوثق مستوطنا يعتدي على فلسطيني، فتلك صورة اعتادتها الكاميرات حتى كادت تفقد قدرتها على الصدمة.
المشهد كان أكثر قسوة، شابان يحاولان النجاة بأجسادهما، فيما تتقاسم مطاردتهما يدان، يد تحمل عصا المستوطن، وأخرى تحمل سلاح الجندي.. في تلك اللحظة لم يكن الاحتلال يختبئ خلف أحد، خرج بوجهه الكامل إلى الشارع.
لم يعد هناك معتد يحتمي بجندي، ولا جندي يدعي أنه يفصل بين طرفين، كان الجميع في جهة واحدة، والشابان وحدهما في الجهة الأخرى، ركضا في شارع يعرفان كل حجر فيه.
يسقطان على الاسفلت.. يعتدي عليهم المستوطنون.. ويشارك الجندي في ضربهما بعنف حاقد.
الفيديو الذي وثق الاعتداء لم يصور شجارا، ولم يوثق مواجهة، لقد التقط لحظة من الوضوح.. لحظة سقطت فيها الأقنعة أسرع من سقوط الشابان على الأرض.. فبدت الصورة كما هي تماما، قوة كاملة تطارد إنسانين أعزلين.
مواضيع ذات صلة
فعاليات بيت لحم تنظم حملة تطوعية لتنشيط السياحة في منطقة برك سليمان التاريخية
الاحتلال يخطر باقتلاع 126 دونمًا من كروم قرية زبوبا
سرقوا نهار حوارة وأمان أهلها
الاحتلال يصدر أمراً عسكرياً بالاستيلاء على 1292 دونماً من أراضي طوباس
الاحتلال يعتقل خمسة مزارعين من بيت عنان شمال غرب القدس