عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 11 نيسان 2020

الذهب الأسود الذي اصبح بلا قيمة

ايرز لين- إسرائيل اليوم

أثار وباء الكورونا هزة كبرى في الاسواق وغير دفعة واحدة الاقتصاد العالمي، في ضوء شلل لم يشهد له مثيل منذ سنوات عديدة مع انطواء كل دولة على نفسها.

فالعديد من الاعمال التجارية لا يبدو أنها ستعود الى العمل، وحتى لو عادت، فمعقول ان تستغرق وقتا طويلا قبل ان تنتعش. فقطاعات السياحة والطيران تضررت على نحو خاص، وبعض من شركات الطيران المعروفة أعلنت حتى عن بيع اساطيل كاملة من الطائرات بل وحتى عن اختفائها عن الخريطة اذ ليس لها سبيل "للعودة للوقوف على اقدامها".

نتاج فرعي للضرر الذي لحق بالسياحة العالمية هو ضرر شديد على نحو خاص في صناعة النفط: الطرق فارغة، والطائرات متوقفة. وكنتيجة لذلك، فلا طلب على النفط وسعره ينخفض الى ذرى سلبية لم يشهد لها مثيل منذ الازمة الاقتصادية العالمية في 2008 – 2009. وحسب بعض التقديرات، سينخفض استهلاك النفط العالمي بما لا يقل عن 25 مليون برميل في اليوم، أي نحو ربع الاستهلاك العادي. والمعنى هو كما افادت "نيويورك تايمز" تعديل منشآت نفط كاملة لانه لن يكون لها الى أين تبعث بالنفط الخام: والمصافي ستكون مكتفية مما يجعل النفط يضطر لان يبقى في مرابطه تحت الارض. تعد هذه هزة ستضر بالدول الاكثر ثراء في العالم، ولكنها كفيلة بذات القدر ان تهز انظمة دول مارقة مثل فنزويلا وايران، ترشو انظمتها المواطنين من خلال ارباح صناعة النفط.

وان لم يكن تكفي الازمة الاقتصادية يبدو أن في منطقتنا ستكون آثار جغرافية – سياسية للكورونا: روسيا والسعودية تحاولان استغلال الوضع من اجل اعادة تصميم ليس فقط السوق من خلال تخفيض شديد للاسعار بل واعادة تصميم الشرق الاوسط أيضا.

كل شيء بدأ بتفجر المفاوضات بين الرياض والكرملين على تنسيق الاسعار. فقد أملت السعودية ان يوافق الرئيس فلاديمير بوتين على استئناف الاتفاق الذي في اطاره يتقلص انتاج النفط العالمي كي تستقر الاسعار في ضوء انعدام الطلب. ولكن روسيا، التي تخوفت أغلب الظن من أن مثل هذه الخطوة ستعزز فقط قطاع الطاقة الامريكي، رفضت استئناف الاتفاق. وعقدت في الشهر الماضي قمة وزارة في فيينا في محاولة لاستئناف الاتفاق رغم ذلك ولكنها تفجرت. مهما يكن من أمر، فان تفجير المحادثات بين الاطراف أدى بالسعودية لان تخفض الاسعار من طرف واحد في محاولة لدفع الدول الاوروبية على أن تستورد منها بدلا من روسيا. فهي يمكنها أن تسمح لنفسها باحتمال المخاسر، سواء بسبب ثرائها العظيم أم بسبب كلفة الانتاج الزهيدة نسبيا لديها. روسيا هي الاخرى خفضت الاسعار بشكل كبير، وذلك ضمن امور اخرى منعا لمصدري النفط الامريكيين من الحصول على نصيب آخر من السوق. وسواء روسيا أم السعودية تخسران في المدى القصير مرابح كبرى كان يمكن لهما أن تجنياها لو نسقتا الاسعار، ولكن في المدى البعيد يبدو أن الرياض وموسكو على حد سواء ينظرون الى العصر ما بعد الكورونا. بالنسبة للسعودية، تعد هذه حربا استراتيجية على مستقبل الشرق الاوسط – فروسيا لا تزال توجد الى جانب ايران: الكرملين يرفض المشاركة في العقوبات الشديدة على طهران وعمليا ينقذ نظام آيات الله من خلال التجارة معه، ولا يزال معنيا بانقاذ الاتفاق النووي.

كما ان روسيا لا تزال تدعم نظام الاسد، بينما السعودية تريد اسقاطه. الانتصار على روسيا في الشرق الاوسط سيحقق للسعودية أكثر بكثير من كل ما يمكن لبرميل النفط ان يفعله ولهذا فانها تشعر بان بوسعها أن تسمح لنفسها في هذه اللحظة أن تتضرر في المدى القصير. "حروب اسعار النفط ستغير قواعد اللعب في الشرق الاوسط"، كما نقل عن مستشار كبير للاسرة المالكة السعودية في مقال صدر عن معهد "غيتستون". وعلى حد قوله فان "الروس متعلقون بمداخيل النفط لتمويل اعمالهم العسكرية في سوريا، واذا ما انهارت هذه المداخيل، فلن يتمكنوا بعد اليوم من ان يسمحوا لانفسهم بهذه الحروب". ولكن كما أسلفنا، فان روسيا مستعدة هي ايضا لان تأخذ هذه المخاطر والا تنسق هذه الاسعار مع السعودية لاسبابها الخاصة، وهي ايضا ترتبط بمسائل جغرافية – سياسية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ففي السنوات الاخيرة رأت روسيا كيف تستغل الولايات المتحدة ارتفاع الاسعار كي تحقق الارباح، سواء من النفط، واساسا من خلال الدفاع الى الامام بصناعة مشتقات الزيت كبديل عن النفط الخام. وهكذا، بشكل غير مباشر، دعمت موسكو والسعودية عمليا صناعة مشتقات الزيت وقدمتا على طبق من فضة سوق الطاقة العالمية الى الولايات المتحدة. وعليه، فان روسيا تستغل أزمة الكورونا كي تجعلها ميزة لها ايضا: استغلال انهيار اسعار النفط للضغط على ترامب لتخفيف حدة العقوبات على موسكو.

ان منطق بوتين هو استغلال الازمة وتحويلها الى فرصة: من يتضرر اشد الضرر من انخفاض اسعار النفط هو قطاع مشتقات الزيت، التي اصبحت سلاح الولايات المتحدة المحطم للتوازن. وكنتيجة لذلك يتعرض الرئيس ترامب لانتقاد متزايد بالذات من اكثر مؤيديه في الاقتصاد الامريكي. لقد بدأ وضع ترامب في تكساس يهتز مؤخرا بسبب انهيار سوق الطاقة. مهما يكن من أمر يبدو أنه سواء روسيا أم السعودية لن تنجحا في الانتصار على السوق نفسها. فحتى الاسعار الدون التي يعرضانها لن تؤدي بالطائرات لان تطير مرة اخرى وفي السيارات لان تتحرك على الطرقات، طالما استمرت أزمة الكورونا.

في المدى القصير، كلتاهما تأملان في حشر الولايات المتحدة في الزاوية، وفي سنة الانتخابات الحالية، يبدو ان دونالد ترامب سيكون الاكثر هشاشة اذا ما استمر الوضع الحالي.