عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 21 آذار 2020

بإسم الفيروس

الون بن دافيد- معاريف

كل يوم، شريحة إثر شريحة، يقشروننا من كل ذخائرنا التي جمعناها وبنيناها. باسناد من أنبياء الغضب في توقعات بالاخرة، نوقع بايدينا خرابا على عشرات الاف العائلات التي يلقى بها الى البطالة والابناء الذين وعدوا بالمستقبل تبدد لهم الى انعدام لليقين. أسرع من انتشار الفيروس، ننزع عنا أيضا ذخائرنا الاجتماعية، الشخصية والقومية. في نهاية هذا الاسبوع، يبدو الكورونا المشكلة الاصغر لاسرائيل.

قبل اسبوعين حذرت هنا من انه سيكون من يحاول استغلال هذه الازمة لاغراضه الشخصية والسياسية. وكان كثيرون ممن غضبوا لقراءة ما كتبت. ومنذئذ توقف جهازنا القضائي عن العمل، والسلطة التشريعية لم تعد موجودة، الشرطة والمخابرات تلقوا الاذن لملاحقة الكترونية للمواطنين، ومشكوك أن تكون اسرائيل لا تزال تستطيع مواصلة تسمية نفسها ديمقراطية. ينبغي للمرء ان يكون اعمى كي لا يرى ما يجري هنا.

مثل الضفدع الذي ينضج في الوعاء، ترتفع الحرارة حولنا كل يوم، ويحتمل أن تكون المياه تغلي منذ الان ولن نتمكن من القفز الى الخارج. أتذكر حديث كان لي مع اصدقائي الصحافيين في تركيا. كيف حصل ان صدرت كل بضعة ايام انظمة طوارىء جديدة لاردوغان وتلوى الجميع بالسنتهم. قالوا ان هذا رهيب، ولكنه سيمر. ولكن هذا لم يمر. الديمقراطيات لا تموت حقا دفعة واحدة دراماتيكية في الظلام، بل بخطوات صغيرة وفي وضح النهار.

تحت غطاء الكورونا تلقت الشرطة والمخابرات الاذن بملاحقة هواتفنا، في خطوة استهدفت ايضا الالتفاف على كل رقابة برلمانية عليهما. الخطوة التي تقررت هي ظاهرا صغيرة ومحددة، محدودة بالزمن، وتستهدف خدمة غاية أهم – انقاذ الحياة. ولكن الروبيكون تم اجتيازه، والخطوة التالية التي ستمنح الشرطة والمخابرات صلاحيات اوسع – سيكون أسهل بكثير قبولها.

تحت رعب الوباء كان يمكن لرئيس الكنيست ان يصعد الى خشبة القفز وان يرينا جميعا ما يفكر به عن القانون في دولة اسرائيل. فهل سيفاجأ احد ما حقا اذا ما اعلن قبل لحظة من انعقاد محكمة العدل العليا للبحث في الالتماسات حول تعليق الكنيست اغلاق لن يتيح للمحكمة اجراء المداولات؟

رئيس الدولة، ولعله السند غير المنحاز الاخير المتبقي، يصمت حاليا. قد يكون يخشى بان عليه ايضا يفرض الاغلاق. نأمل الا نصل الى اليوم الذي يصبح فيه رئيس الاركان ورئيس المخابرات الحاجز الاخير امام تحطيم النظام الديمقراطي.

تعالوا نتحدث عن ايطاليا

كل شيء بالطبع يتم من أجل الحفاظ على حياتنا، وباسناد من المهنيين. "يحتمل أن يموت الالاف من المرض"، وعدنا هذا الاسبوع مدير عام وزارة الصحة موشيه بار سيمان توف في مسرحية الرعب اليومية له. عند النظر الى معطيات المرض في العالم، من الصعب أن نفهم على أي معطيات يقيم هذا القول. ولكن لماذا كان الرجل الذي يفترض به أن يحرص قبل شهرين بان يكون هنا مخزون كاف من الفحوصات، يختار بالذات فرض الرعب عليها". عمله في مثل هذه الايام هو أن يركض ليشتري الاطقم الناقصة، ولكن بدلا من هذا، يكبد نفسه عناء اخافتنا. كيف يجدي هذا بالضبط؟ ليس مفهوما ان تقف قوة عظمى في التكنولوجيا العليا، "امة الاستحداث" أمام نقص فظيع بعصي ذات رأس قطني.

يحب رئيس الوزراء استخدام تشبيهات الحرب والعدو لوصف الوضع. وبالتالي اذا كنا سنبقى في عالم المفاهيم هذا، أجد من الصعب أن أتخيل رئيس الاركان يقف امام شعب اسرائيل في ذروة معركة قاسية ويعلن لنا بأسى بان الالاف منا سيموتون. فعمله هو ان يقاتل وينتصر، وهذا ايضا ما يفترض أن يعمله الان مدير عام وزارة الصحة.

في بريطانيا تحدثوا حتى الايام الاخيرة عن الرغبة في تحقيق "مناعة القطيع"، أما عندنا فالقطيع بات يندفع منذ الان بفزع نحو الهوة. كل صوت يحاول ان يحذر القطيع من أنه يندفع نحو مصيبة اقتصادية واجتماعية – يسكتونه. هذا ليس الزمن للتهدئة، وبالتأكيد ليس الزمن للحديث عن الديمقراطية. لم يعد مؤكدا أننا سننجح في وقف الاندفاع.

"كله على أن نكون ايطاليا"، يقول الكثيرون لانفسهم. إذن هاكم بضع معطيات عن ايطاليا، حيث احصي حتى الان نحو 3 الاف ميت من المرض. لايطاليا هرم ديمغرافي مميز، مع عدد صغير من الاولاد وثلث السكان اكبر من ستين سنة. كل شتاء يموت هناك 15 – 20 الف شخص كنتيجة للانفلونزا بسبب هذا النموذج المميز. 99 في المئة من الموتى الايطاليين بالكورونا عانوا من أمراض خلفية اخرى. وفي حالات عديدة – حتى النوبة القلبية لمريض كورونا ابن 90 جعله يسجل كضحية اخرى للمرض. اذا كان درس من النموذج الايطالي، فهو الحصول باسرع وقت ممكن على أجهزة التنفس وأسرة العناية المكثفة. هذا كفيل بان يؤثر على معدل الوفيات على نحو افضل من الغاء الكنيست.

الحقيقة المؤسفة هي انه للعالم العلمي ايضا لا توجد حتى الان اجوبة مطلقة عن طبيعة هذا المرض. في كل يوم تنشر بحوث تكشف عن مجال آخر له، ولكن معظم النماذج الرياضية عن انتشاره تستند الى فرضيات، وفي افضل الاحوال – الى التخمين العاقل. أما عندنا فقد تبنوا، وعلى ما يبدو ليس صدفة، نموذج الحد الاقصى.

هذا الوباء يحل بالانسانية في عصر التذرية – كلنا اليوم معزولون اكثر مما كنا قبل بضعة عقود، نتصل الواحد بالاخر عبر شاشات ورسائل مكتوبة. والعزلة التي يفرضها علينا الكورونا ستسرع فقط هذا الميل. الكائن البشري هو كائن اجتماعي يحتاج الى اللمس والقرب من الناس الاخرين. في ظل غيابهما تصبح البشرية اضعف وعديمة الامان. معا نحن اقوياء – كذرات منعزلة سهل أكثر بكثير اخافتنا.

والان يتسبب لنا الوباء ان نرى الغير كمصدر للتلوث، ينبغي الحذر منه وحفظ مسافة عنه. المصافحة، العناق – وهي تجارب تعد جزء مما يعطينا الثقة بمن يحيطون بنا – محظورين الان، واحد لا يعرف لكم من الوقت. في الجيش الاسرائيلي ياتوا يتحدثون منذ الان عن ازمة سترافقنا حتى ربيع 2021. فهل بعد أن ينتهي كل شيء سيكون بوسعنا أن نعود مرة اخرى الى عادتنا القديمة والطيبة – اللمس البشري، العناق، الديمقراطية؟