كيف نتغلب على القلق والتوتر بعد انتشار فيروس "كورونا"؟
د. عياش: الإصابة بالفيروس ليس "وصمة" والمطلوب مواجهته بعقلانية

أجرت المقابلة: عبير البرغوثي
مع انتشار أخبار فيروس "كورونا" كالنار في الهشيم بفعل ما يثار حوله من معلومات في وسائل الاعلام والتواصل كافة، واختلاط المعلومة الرسمية مع المعلومات التي يبثها أفراد أو جهات دون تحقق أو تدقيق، أدى إلى خلق حالة من الخوف والهلع بين الناس، خوفا من المجهول واستياء من تصرفات غير مسؤولة من قبل البعض سواء كانت عن جهل أو محاولة لإثبات أنه لا داعي للخوف، كما يسميها البعض البطولات الجوفاء.
لكن انتشار الفيروس في دول متعددة ولديها انظمة صحية مرموقة، يخلق تخوفات وضغوطًا نفسية حينما تتم المقارنات وسماع أخبار الاصابات ومعدلات الانتشار وعدد حالات التشافي او الوفاة، فصحيح أن الاصابة بفيروس "كورونا" ليست حتمية لكل شخص، ورحلة الشفاء قد لا تكون سهلة لأي مصاب، إلا أن هناك أموراً ينبغي علينا العمل عليها، فالوقاية خير من قنطار علاج، والمسؤولية في التصرفات والالتزام بالارشادات هو السبيل لمواجهة حالات الهلع او التخوف من الوباء لا قدر الله، والمسؤولية في نشر واعادة نشر الاخبار الصحيحة والمعلومات الدقيقة الصادرة عن الجهات الرسمية هي صمام الأمان للحفاظ على تماسك المجتمع ومواجهة الضغوط والتخوفات.
ومع كل الجهود المتواصلة من قبل الجهات الرسمية والمعنية حول الفيروس واسباب انتشاره، والطرق الافضل والانجع لمواجته، ومع اتساع دائرة الانتشار من يوم الى آخر على مستوى العالم، تزداد التخوفات والتساؤلات وما تخلقه من ضغوط نفسية على المواطنين بفئاتهم المختلفة ومن بينها الحوامل والأطفال وكبار السن وغيرهم من الفئات السكانية، تساؤلات وضغوط تتطلب رأيا علمياً وطبياً يوضح للناس ما ينبغي معرفته وكيف يمكننا الانتصار على قلقنا وخوفنا من هذا الفيروس اللعين.
مسببات الخوف والتوتر
من هنا كان لـ "الحياة الجديدة" مقابلة مع الدكتورة أريج عياش/ دكتورة في الإرشاد والعلاج النفسي, للوقوف والاجابة عن تساؤلات تخص كيفية التعامل مع الخوف والقلق من الاصابة بفيروس "كورونا" وما مدى انعكاس ذلك على حياة المواطن في ظل هذا الوضع, حيث أكدت عياش أن حالة الخوف من الفيروس تأتي تحت عدة جزئيات وهي: هل الخوف من الإصابة بالفيروس هو خوف من الموت أو الخوف من المرض وأعراضه أو الخوف من المجهول الذي لم تعرف حقائقه بعد، أو الخوف من الوصمة؟ وعليه فإن الاجابة على هذا السؤال بشكل علمي دقيق تتطلب منا إجراء الدراسات والبحوث في هذا السياق، ولكننا نستطيع الاجابة بشكل نظري من خلال بعض الحقائق حول المرض وحول اسلوب تفكير الناس، حيث إننا لا يمكن أن نعتبر الفيروس قاتلا, بمعنى ان كل إصابة به تؤدي إلى الموت, حيث إن نسبة الوفيات من المصابين عالمياً لم تتجاوز 3% حسب آخر الاحصائيات, وهذا بات معلومًا لدى الناس بمعنى ان الخوف من "كورونا" ليس بسبب الخوف من الموت، وبالنسبة للخوف من المرض فإن أعراض هذا المرض وكما باتت معروفة أيضا للناس، لا تشمل أعراضًا مؤلمة شديدة كغيرها من الأمراض الخطيرة أو المستعصية، وكذلك طرق علاجها ليست مؤلمة كأمراض أخرى خطيرة كالسرطان مثلا، أما الاحتمال الثالث الذي هو الخوف من "كورونا" هو خوف من المجهول الذي لم تنكشف حقائقه بعد فهذا ما يمكن التركيز عليه وترجيحه، حيث إن الانسان يخاف من شيء لا يعرفه ومن المخاطر التي لم يألفها بعد، وأيضًا من المخاطر الجديدة عليه التي اقتحمت عالمه بشكل سريع أدت الى تغيير روتين حياته اليومي، كما يخاف الانسان من فكرة عدم قدرته على السيطرة على نظامه، يخاف الانسان اذا لم يشبع شعوره بالأمان الذي يحققه له النظام الذي يمكنه التنبؤ به، وهذا ما حدث مع "كورونا"، هذا بالإضافة للخوف من فكرة الوصمة التي تلحق بمن يصاب بالمرض أو احد أفراد عائلته وهو خوف لا يرتكز على التفكير العقلاني، حيث إن كل شخص معرض للإصابة بالمرض وهو لم ينتقل للشخص بسبب ارتكابه ما ينافي الاخلاق أو الدين أو القيم، الا أن البعض للأسف يعتبر الإصابة بالفيروس "وصمة" بسبب الخوف والتفكير غير العقلاني وهذا ما يساهم أيضًا في تأجيج الخوف من "كورونا"، إضافة لجزئية أخرى وهي الخوف من الحجر والعزل الذي قد يؤدي بالأشخاص لترك أرزاقهم لفترة من الوقت.
دور "السوشيال ميديا" في تأجيج القلق
وفي سؤال حول دور وسائل التواصل الاجتماعي في تأجيج مخاوف وقلق الناس من الفيروس, أكدت عياش أن هذه الوسائل تلعب دورا في عملية نشر الخوق والقلق بين أفراد المجتمع خاصة في ظل حالة الطوارئ التي نعيشها حاليا, حيث إن وسائل التواصل الاجتماعي اليوم هي الأسرع في تناقل المعلومة وقد تكون المعلومة التي يتم نقلها معلومة علمية دقيقة من مصادرها الاصلية أو قد تكون خاطئة أو حتى مغرضة لإثارة البلبلة والخوف في المجتمع أو نشر معلومات بقصد تحقيق السبق الصحفي دون التأكد من مصدر المعلومة, أو استقاء معلومات من الناس العاديين بقصد اثارة عامل التشويق الذي نجده مرتبطاً كثيرا بمواقع التواصل الاجتماعي, حيث يعد عامل التشويق من الأسباب الرئيسية لارتباط الناس بوسائل التواصل الاجتماعي .
"المناعة" و"الوسواس القهري" و"كورونا"
في سياق مواز أوضحت عياش جزئية مهمة جدا متعلقة بتأثير القلق على جهاز المناعة عند الإنسان, وانعكاس ذلك على امكانية إصابته بالفيروس وعدم القدرة على مقاومته, بهذا الصدد تقول عياش: "يؤثر القلق على جهاز المناعة في الجسم بشكل كبير، حيث يقوم الجسم بإفراز مجموعة من الهرمونات عند التعرض للقلق والتوتر الذي يضعف المناعة الذاتية للجسم، لهذا يرتبط الكثير من الأمراض الجسدية بالحالة النفسية للجسم، وهناك حتى امراض جسدية لا سبب عضويا لها بل أسبابها نفسية مثل القلق والتوتر كما هو معروف في الاضطرابات عضوية الشكل الوارد تصنيفها في الدليل التشخيصي الخامس للاضطرابات النفسية والعقلية DSM5".
وفي ظل إجراءات الوقاية التي يتبعها المواطن بحكم الظرف الحالي والخاصة بالتركيز على عامل النظافة باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة الفيروس, وهل يمكن أن ينتج عن هذا الإجراء اذا ما استمر لمدة طويلة ما يسمى "الوسواس القهري"؟ أكدت عياش أن "الوسواس القهري" يعتبر واحدا من الاضطرابات النفسية يتكون من أفكار مقتحمة وسواسية لا عقلانية وسلوكيات قهرية بمعنى انها افكار توسوس في رأس الشخص كأنها غريبة عنه تنعكس بشكل سلوكيات قهرية بمعنى ان الشخص لا يستطيع ايقافها أو السيطرة عليها, أما في الحالة التي يعيشها المواطن وإجراءات النظافة التي يتبعها لمواجهة "كورونا" فهي هنا حالة مرتبطة بفكرة عقلانية يستطيع الانسان السيطرة عليها وايقافها عندما تتغير ظروف الطوارئ الحالية وضرورات الوقاية، وبالتالي فإن احتمالية تحول هذه الإجراءات الى وسواس قهري هي احتمال ضعيف، موضحة أن غسل الأيدي بشكل أكبر من الطبيعي مرتبط بفكرة طارئة بسبب حالة طارئة ستزول الفكرة بزوالها.
الوقاية من الخوف بعقلانية
وحول أبرز النصائح التي يمكن الالتزام بها لكبح مشاعر القلق من الاصابة بالفيروس عند المواطنين, أكدت عياش أنه من الضروري إجراء التغيير في طريقة تفكيرنا، الذي يؤثر على مشاعرنا هو ليس الحدث بحد ذاته بل طريقة تفكيرنا بالحدث وتعاملنا، فالمسبب الأكبر للخوف اليوم هي أفكارنا السلبية غير المنطقية واللاعقلانية التي تضخم وتهول الحدث التي نضع بموجبها افتراضات مسبقة ونقوم بعدها بجمع المعلومات المتحيزة التي تدعم هذه الافتراضات اللاعقلانية، كأن تكون الفكرة التي تدور في رأسنا (لن نستطيع منع انتشار الوباء فنحن لا نملك الامكانيات للحد من انتشار الفيروس) هذه الفكرة غير منطقية وغير عقلانية فاذا قمنا بجمع بعض الحقائق من مصادرها العلمية سنجد الفكرة العقلانية تتغير لتكون (نستطيع منع انتشار المرض فهو فيروس لا يحتاج لأدوية محددة ليست بحوزتنا), وهناك الكثير من الأفكار اللاعقلانية التي نحتاج لتغييرها واستبدالها بأفكار عقلانية تعطي الحدث حجمه ونستطيع أن نراه من عدة اتجاهات، ومن الأساليب المتبعة لتغيير الافكار إعطاء المعلومة الدقيقة، و"النمذجة" أي أن نأخذ نماذج لأشخاص أصيبوا بالمرض وتماثلوا للشفاء منه للاطلاع على تجربتهم، وكذلك تغيير حديثنا الذاتي السلبي أي الحديث الذي نقوله لأنفسنا بشأن هذه الموضوع وكذلك موضوع التصورات الفكرية التي نضع سيناريوهاتها المضخمة بشكل مسبق كفيلم من افلام الخيال العلمي.
وفي الخلاصة تقول عياش "لا ننكر وجود أزمة حالية لدينا مرتبطة بمرض ما زالت بعض الحقائق مجهولة عنه وعدم انكارنا هذا هو جزء من التفكير العقلاني الذي علينا التفكير فيه لإيجاد الحلول اللازمة التي من أهمها أساليب الوقاية, لكن التفكير العقلاني يشير أيضاً الى أن الشعور بالرعب ونقل الرعب للآخرين وتضخيم الأمور في هذه الفترة سينعكس بشكل سلبي على توازننا النفسي ويزيد من احتمالية الإصابة بالمرض ويحدث إرباكا كبيرا في المجتمع الذي نحتاج لكافة طاقاته في الوقت الحالي لنواجه بها هذا المرض"، وتضيف عياش "لنتذكر دومًا أن من خصائص الوقت التغير ومن خصائص الأزمة أن لها بداية ونهاية أي انها مؤقتة وغير دائمة وأفضل ما نستطيع القيام به في هذه الفترة هو التفكير العقلاني وإحداث بعض التغييرات في نمط حياتنا اليومي بإيجاد البدائل التي تتطلبها هذه المرحلة المؤقتة، والتأثير الايجابي على الآخرين".
مواضيع ذات صلة
إصابتان برصاص الاحتلال في مدينة غزة وبيت لاهيا
ارتفاع حصيلة عدوان الاحتلال على قطاع غزة إلى 72,737 شهيدا و172,539 مصابا
لأغراض استعمارية: الاحتلال يخطر بالاستيلاء على 7 دونمات في منطقة الجابريات بمدينة جنين
3 شهداء منذ صباح اليوم: شهيدان ومصابون في قصف الاحتلال مركبة بخان يونس
الخسائر تقدر بملايين الشواقل: مستعمرون يهدمون 50 غرفة زراعية جنوب قلقيلية
الاعتداءات الجنسية تتسلل إلى زنازين الأسر وتلاحق الأسرى بصمت