اغتيال الوعي ...ذباب الكتروني منظم لقتل "النموذج"
عشرات الصفحات الوهمية بأسماء مستعارة تمارس الإساءة والابتزاز والشتم والقدح لخلق انطباعات سلبية

رام الله- الحياة الجديدة-منتصر حمدان- تجهد الجماعات والحركات التحررية وحتى المجتمعات العصرية الحديثة من أجل بناء "النموذج" على المستوى والجماعة أو حتى المؤسسة أو نظام الحكم، لأن بناء النموذج المستند إلى نظريات التعلم الاجتماعي يشكل حاجة شخصية على المستوى الفردي وحاجة جماعية على المستوى الجمعي أو على مستوى المؤسسات والدولة.
وفي الحالة الفلسطينية زخر مجتمعنا بنماذج بطولية تجذرت في ذاكرة وعقول أجيال متعاقبة مثل الشهيد عز الدين القسام والشهداء القادة أمثال ابو عمار والشيخ أحمد ياسين وابو على مصطفي وخليل الوزير وعمر القاسم والشقاقي وغيرهم من النماذج القيادية على المستوى السياسي ونماذج عديدة في مجال العلم والتعليم والاقتصاد والدين، ونماذج عسكرية متعددة في إطار عملية بناء منظمة لنماذج حقيقية تتيح لأجيال متعاقبة الاقتداء بها واستنادا إلى فهم عميق لأهمية النموذج القدوة في حياة عامة الناس.
بناء النموذج المحلي في حياة الأفراد والجماعات ضرورة وحاجة إنسانية في سبيل الخلاص من حالة التيه وسد الفراغات التي قد تحدث في الوعي الجمعي للناس، لأن غياب النموذج المحلي يدفع الناس للبحث والتعلق بنماذج خارجية وتقليدها دون الوعي بمخاطر هذا التقليد لمثل هذه النماذج وانعكاساتها على النسيج الإجتماعي الداخلي.
من الواضح تماما واستنادا إلى تجارب شعوب وحركات التحرر العالمية والوطنية، فإن مواجهة الاستهداف الخارجي يأتي من خلال إعادة بناء النموذج وتعميمها على مستوى المجتمع لأن أول ما تسعى له القوى الخارجية هو الاستعانة وتجنيد قوى داخل المجتمع المستهدف ومدها بالمال ووسائل التواصل والاتصال وفتح الطريق أمامها للتغلغل بين فئات المجتمع المتعددة لتبدأ بممارسة دور "السوس" الذي ينخر في عظم المجتمع ومؤسساته وبث الشائعات والأخبار والقصص المفبركة وشيطنة النماذج السائدة وإثارة القيل والقال حولها بهدف اغتيال شخصيتها وتشويه سمعتها أمام العامة، والانقضاض بقوة لتحطيمها وتحطيم ما تمثله وإذابة رمزيتها ومواصلة الجهود لزراعة الشك والريبة في نفوس العامة حتى يفقد الشعب قدرته على الاختيار واتخاذ قرارات تمهيدا لإدخاله في حالة التيه والضياع، وعندها تكون ساعة تدخل القوى الخارجية مواتية بغية تقديم نماذج محسوبة عليها بالخفاء وتوفر لها كل سبل النجاح الإعلامي والمالي والاقتصادي لتكون بديلا مواليا يحافظ على مصالح تلك القوى الخارجية.
وعودة لحالتنا الفلسطينية، فإن فلسطين أرضا وشعبا وأفرادا وجماعات لم تكن بمعزل عن هذا الاستهداف بل تعرضت على مدار سنوات لمثل هذه المخططات التي سعت إلى تدمير بنية المجتمع المتضامن والموحد، وتنفيذ الخطط والبرامج المادة جيدا لتحطيم النماذج النضالية التي رفضت الانصياع أو قبول خطط القوى الخارجية، وعملت بلا خجل أو تردد لتنفيذ مخططات نزع الشرعية والمساس بالوعي الجمعي وتدميره من خلال محاولات إحلال الخلاص الفردي وتعزيز حضوره على نطاق واسع في المجتمع وداخل المؤسسات بمختلف أنواعها وأشكالها، مستعينة بوسائل وأدوات جديدة مثل وسائل التواصل الاجتماعي بأنواعها المختلفة في إطار السعي لتدمير النماذج الوطنية والمساس بالشخصيات العامة وإثارة الشكوك حول دورها والتصيد وتعظيم الأخطاء إن حدثت، معتمدين في ذلك على ما يعرف في مجال العالم الافتراضي بـ "الذباب الالكتروني" الذي يتحرك بناء على تعليمات مسبقة لاستهداف أية شخصية مراد تدميرها عبر نشر مواد إعلامية (صور، فيديو، انفوغرافيك، مواد مكتوبه، تسجيل صوتي) حول تلك الشخصية ليتم خلال لحظات شن موجة من اللايكات والتعليقات الداعمة والمؤيدة لما تضمنته تلك المواد وخلق الانطباعات السلبية حولها أمام المتابعين العاديين والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف التأثير فيهم وفي مواقفهم والقيم التي يؤمنون بها.
مسؤول فلسطيني رفيع المستوى كشف في حديث خاص جمعنا سويا، عن وجود جماعات خارجية تعمل على تجنيد أفراد مهمتهم إنشاء حسابات وهمية على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف إثارة الانطباعات السلبية إزاء السلطة الوطنية وقيادتها واستهداف حتى شخصيات مستقلة لا تتفق مواقفها مع قوى سياسية خارجية من خلال شن هجمات إلكترونية منظمة بحقهم في إطار ما يعرف بالاغتيال الافتراضي للشخصية وفبركة مقاطع فيديو وصور وتسجيلات صوتية وتعميمها على وسائل التواصل الاجتماعي والتشكيك في مواقفها من خلال الانتقادات والقدح والذم، مشيرا إلى أن المفارقة العجيبة أن مثل هذه الأفعال والأقوال المسيئة تحظى بإعجاب البعض وترحيبهم.
واضاف: "تم إخضاع بعض المواقع التي تشتهر بمثل هذه الممارسات للفحص والتدقيق وكانت النتائج صادمة، حيث تبين أن شخصين فقط يديران عشرات الصفحات الوهمية بأسماء مستعارة ويمارسان الإساءة والابتزاز والشتم والقدح والتعليقات السلبية من خلالها ويخلقان الانطباعات بأن القضية المثارة تحظى بتفاعل العامة في حين أن الحقيقة هم اثنان فقط يثيران القضية ويعلقان عليها من خلال صفحاتهما الوهمية".
ولعبت الصراعات الداخلية بين القوى والأحزاب الفلسطينية التي أفضت إلى وقوع الانقسام الفلسطيني دورا رئيسيا في فتح نوافذ عديدة أمام قوى داخلية وخارجية للانقضاض على فكرة "النموذج "خاصة في ظل سعي كل طرف من أطراف الصراع الداخلي للمساس برمزية النموذج الآخر وتحطيمها وتشويه صورته بطرق مختلفة، ما نتج عنه اغتيال لشخوص النماذج الفلسطينية أوصل الوضع الداخلي إلى حالة غياب الإجماع على أية شخصية سياسية أو تعليمية أو دينية أو قيادية وجعل العامة يتيهون في البحث عن الحقيقة، بفعل حالة التشكيك السائدة في مجتمعنا دون اية اعتبارات لتداعيات هذا النهج التدميري وانعكاساته على الأجيال الشابة التي نجدها في حالة ردة عن مجموعة القيم والمبادئ التي سادت في عهد الثورة الفلسطينية ومراحل مقاومة الاحتلال، وجعلهم فريسة سهلة للقوى الخارجية التي سعت لاستقطاب الكثيرين منهم لصالح رؤية واطروحات جديدة بل وغريبة عن مجتمعنا وثقافته وقيمه ومبادئة.
وفي الإطار ذاته، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام محسوبة على أطراف الصراع في تغذية عملية التدمير الذاتي من خلال اسخدام التكنولوجيا وتقنيات إعداد البوسترات والانفوغرافيك ومقاطع الفيديو لإعداد افلام ومواد إعلامية مفبركة ونشرها من خلال صفحات وحسابات وهمية على وسائل التواصل الاجتماعي، كله في إطار مبرمج ومنظم لإحداث تغييرات بنوية على مستوى التفكير الفردي والجمعي بغية الوصول إلى إحداث تغييرات جذرية في بنية الأنظمة السياسية تكون السلطة فيه للقوى الخارجية في وضع أجندة ما بعد التغيير الذي يخدم مصالحهم وهيمنتهم.
مواضيع ذات صلة
الماء المملح.. فائدة حقيقية أم "صيحة زائفة"؟
مفاجأة.. تحسين القدرة على التحمل لا يعتمد على العضلات فقط
اللوز.. "كنز صحي" يحمي دماغك
مايكروسوفت تدق ناقوس الخطر وتحذر من "الذكاء الاصطناعي الخفي"
أطعمة تزيد فرص وفاة مرضى السرطان 60 بالمئة.. ما هي؟
بعد التوقف عن أدوية إنقاص الوزن.. دراسة تكشف فخًا صحيًا
فيديو "مروع".. اقتربت من نمر لتصوره فنالت "عقابا فوريا"