عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 29 شباط 2020

جنين: في السيباط أناس ورثوا المكان والتاريخ فصمدوا

لهم رجاء أن يجد السيباط من يسنده حتى لا يتحول إلى ركام يطمس هذا التاريخ

جنين- الحياة الجديدة-عاطف أبو الرب- هناك في ذلك المكان الراسخ في ذاكرة الأجيال، حي السيباط في مدينة جنين، الذي لم يبق فيه إلا قليلون، أصروا على الوفاء لمن سبقهم في هذا المكان، يتوارثون استنشاق رطوبة المكان، ويصرون على البقاء. "السيباط " كان سوق جنين التجاري وسط حي قديم، خلت معظم بيوته من الساكنين، فيما أغلقت دكاكين السوق، ولم يتبق إلا القليل، إلا أن السيباط ملهم للكثير ممن يعشقون التاريخ للعودة إليه، تارة على شكل مهرجان تراثي، وتارة على شكل نشاط ثقافي، وقليلة هي المشاريع للحفاظ على هذا الإرث من الضياع.

اليوم في السيباط، مجموعة شباب السيباط، صرخت بصوت عال " يا الله ع السيباط" في تظاهرة متواضعة، لكنها جميلة جداً، بثت في المكان روحا أصيلة، فأم السيباط مئات من المواطنين، للتعرف على المكان، ومشاهدة العديد من الزوايا الفنية والمشغولات اليدوية، وغيرها مما تمكن شباب السيباط من جذبه للمكان.

صحيح نحن من زرنا المكان لم نقدم له الكثير سوى المرور عبر ذلك الممر الرابط بين المحال "الدكاكين" والحي السكين، لكن أجزم أن أهل السيباط فرحوا بنا كثيراً، وبدا ذلك على وجوههم التي لم تتوقف عن الابتسام بوجه كل من زار المكان. ورغم أن عدداً قليل منا كلف نفسه الدخول لبعض الدكاكين، وأقل من ذلك بكثير من حاول الشراء من المكان، إلا أن أهل السيباط لم يتوقفوا عن الترحيب بكل زائريهم. وهنا فإن التواصل والزيارة كان لها مفعولها الكبير لدى طيبي السيباط، الذين يرابطون في المكان ليس بهدف جني الأرباح فحسب، بل لأنه جزء من مكون كل فرد فيهم.

تدخل هناك فتقف عند ابتسامة وترحيب الحاج محمود الحثناوي، أقدم تجار السيباط، الذي يحافظ على تجارته، ويطورها بإضافة عناصر جديدة لدكانه الرئيسي، ودكاكين أخرى في المكان يشغلها مع أبنائه، ما يوفر لهم مصدر دخل يليق بهم، وببضاعة تليق بجنين وزائري السيباط.

 ومن يعجز عن العثور على بعض مواد العطارة، والمخللات، فملاذه السيباط. وليس غريباً أن أبناء الحاج محمود قد ورثوا حب السيباط، فمنهم من اختار البقاء إلى جانب والده في نفس الدكان، فيما لا يكاد يمر يوم دون تواجد أبناء الحاج محمود في المكان، سواء للمساعدة في العمل، أو لارتباط روحي بالمكان.

فإن لم يجد حاجته في محلات الحج محمود، فهناك محل آخر يقابله في الموقع، ويتاجر بنفس المواد الموجودة في محل الحثناوي، فتجد بسام المعاني مشغول بترتيب موجودات محله بصورة تلقائية، فهو يعرف ما لديه رغم كثرة الأصناف، ولا يمل من إعادة ترتيبها. فبسام هو الآخر ورث دكانه عن والده، وحافظ عليه، ويصر على البقاء في السيباط رغم وجود فرص استثمارية أفضل، وبعائد مالي يفوق مرات ما يحققه من هذا الدكان.

وفي الطريق تجد دكان أبو بشار ملاح، بما تحويه من مواد غذائية جلها من إنتاج محلي، فمحله متخصص في الألبان ومشتقاتها، والمخللات بأنواعها، وأصناف أخرى ترتبط بالموروث الشعبي لجنين، فتجد العسل والقزحة وروب الخروب، ودبس الرمان. هذه المنتجات التي تزين الدكان ومعها زيت الزيتون والزيتون المصنوع بطريقة بيتية، هي كل موجودات الدكان.

في مقابل الملاح، أعاد الطبيب البيطري مجيد الحاج حسن افتتاح دكان" مخيطة جدة الحاج محجوب"، وأخذ من الدكان مقراً لنشاطه التجاري والمهني، في مجال البيطرة. ويرى نفسه استمراراً لمسيرة جده، الذي كان على مدار سني حياته علماً من أعلام جنين، بمهنة خياطة الزي العربي، حيث اختفت صناعة هذا الزي بوفاة الحاج محجوب.

وفي زاوية أخرى ما زال السلفيتي متمسك بنصاعة الفرش العربي، رغم مزاحمة كل أنواع الفراش والأغطية الواردة إلى السوق الفلسطيني من كل أسواق العالم، إلا أن السلفيتي ما زال يخيط بيده اللحف، المصنوعة من الصوف، سواء الصوف الجديد أو المعادة استخدامه بعد معالجته، دون اكتراث لما يحويه السوق من أصناف.

هؤلاء وغيرهم، مما رابطوا في السيباط، هم عشاق المكان، وهم سدنة المعبد، وهم من يواصلون مسيرتهم، لهم رجاء واحد، أن يجد السيباط بما تبقى من محال وبيوت من يسنده حتى لا يسقط ويتحول إلى ركام، ثم إلى كتل اسمنتية تطمس هذا التاريخ.