عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 23 كانون الأول 2019

في أيام الميلاد.. نابلس تفتقد "حارس" الوحدة

نابلس– الحياة الجديدة– بشار دراغمة- في نابلس لوحة استثنائية، مسلمون ومسيحيون وسامريون يجتمعون هنا، عيش مشترك، وتفاصيل حياة لا يلحظ فيها أي أجواء تفرقة على أساس ديني، تتشابك العلاقات وتتداخل، فترى المسيحي يزين الشوارع في ذكرى المولد النبوي الشريف، والمسلم يشارك في إضاءة شجرة الميلاد، والسامري يقدم التهاني للمسلمين والمسيحيين في مناسباتها، والجميع يصعد إلى جبل جرزيم في الأعياد السامرية.
ذات مرة رصدت عدسات الكاميرات الأب يوسف سعادة الذي توفي مطلع الشهر الجاري، يقف مع مصلي الجمعة على ميدان الشهداء في نابلس رفضا لجرائم الاحتلال، كان يدعو الله بطريقته من بين جموع المصلين أن يحرر فلسطين ويحمي المسجد الأقصى وينصر القيامة والمهد، وظل يحتفل على طريقته في كل مناسبة تحقق فيها فلسطين نصرا دبلوماسيا.
في نابلس يفتقدون الأب سعادة، وقد اعتاد عليه أهالي المدينة حاضرا في كل المناسبات، مرة يعتمر الكوفية، ومرة أخرى مع المسلمين في صلاتهم، وثالثة مشاركة في المسيرات والفعاليات.
الداعية الإسلامي زهير الدبعي، قال لـ"الحياة الجديدة" إنه لم يسمع ذات مرة الأب يوسف سعادة يقول "أنا مسيحي" كان يقول أنا لاجئ فلسطيني من حيفا، وظل انحيازه لقضية شعبه دائما، وكانت أفعاله شاهدة على ذلك، وعمل على توحيد التهنئة في أعياد الميلاد لجميع الطوائف المسيحية، وظل نفسه وحدويا في كل القضايا.
وأوضح الدبعي أن الأب سعادة مارس دور حماية الذاكرة، وأدرك استهداف الاحتلال لأغصان شجرة الوجود الفلسطيني، مضيفا "الاحتلال حاول التلاعب بالهوية والخطاب الديني ولعب على وتر الطائفية، والأب سعادة كان من المتفطنين لمؤامرة الاحتلال".
الأب سعادة راعي كنيسة الروم الكاثوليك في نابلس، لم يكن يشعر بفرحة الميلاد دون وجود المسلمين والسامريين حوله، وقال خلال حديث سريع معه قبل أشهر قليلة من وفاته إن اضاءة شجرة الميلاد والاحتفال بالأعياد المجيدة في نابلس له رونقه الخاص، ولا يمكن أن يكون الاحتفال دون لوحة الوحدة الجمالية التي تكتمل بمشاركة الجميع، متحدثا عن الأيام الصعبة كذلك التي تعيشها فلسطين على المستويات السياسة والاقتصادية وغيرها.
الأب سعادة الذي كان يشارك المسلمين طقوسهم في رمضان كان يتعامل مع كل شيء بفلسطينيته وليس على أساس آخر، وظل يقول إن الاحتلال يستهدف كل المكونات الفلسطينية ويسعى لإنهاء حلم الدولة الفلسطينية، فكانت السياسة دائمة الحضور في حديثه.
تفتقد كنائس نابلس مع حلول أعياد الميلاد الأب يوسف سعادة، وهو من أتقن ثقافة رص الصفوف وتسخير المناسبات الدينية للدعوة إلى فلسطين ورتل الصلوات من أجل السلام والحرية.
ويعيش 600 مسيحي في مدينة نابلس وهذا العدد المتناقص ظل يقلق الأب يوسف سعادة وعبر عن ذلك في حوار سابق مع "الحياة الجديدة" مؤكدا أن المسيحيين في نابلس وكل فلسطين في تناقص، وقال انه في سنوات الخمسينيات والستينيات كان عدد المسيحيين في نابلس 3000 بينما العدد الآن 600 فقط، وفي نفس الفترة السابقة كانت نسبة المسيحيين في بيت لحم 85% بينما الآن لا يتجاوزون 17%، والحال مشابه في مدينة القدس التي لا يتجاوز عدد مسيحييها 600 شخص فيما كانوا أكثر من 3500.
ظل الأب سعادة كذلك رافضا لفكرة هجرة أي مسيحي من فلسطين، وكان يردد أن الإنسان هو من يطوع الظروف لصالحه، وأن فلسطين تفرض على الجميع خوض هذا التحدي، ومما قاله في لقائه الأخير مع "الحياة الجديدة": "المسيح ولد في هذه الأرض المقدسة، ومحمد عليه الصلاة والسلام زار فلسطين في رحلة الإسراء والمعراج، وعمر بن الخطاب زار نابلس في العام 636، وبالتالي على الفلسطينيين القادرين مسيحيين ومسلمين العودة إلى وطنهم فورا، الهجرة ليست خيارا والصمود على الأرض هو الخيار الوحيد".