عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 19 أيلول 2015

وفي قلبها سور

معاريف - الون بن دافيد

هذه باتت انتفاضة صغرى في القدس. "صغرى" لأنها حاليا لا تنتشر الى باقي الضفة. ولكنها شعبية لا تقاد ولا تدار، بل تندلع من الشبكات الاجتماعية وينفذها اساسا فتيان ابناء 14 - 20. وفي كل سنة تقرير يتصاعد العنف حول أعياد تشري، اما هذه المرة فالتصعيد في الاحداث كبير والذروة لا تزال امامنا: عيد الاضحى يقع هذه السنة فور يوم الغفران وقبل العرش، واليهم ينضم الاعلان المرتقب لابو مازن في الأمم المتحدة عن فلسطين كدولة تحت الاحتلال – الوصفة التي تضمن أن تكون في الاسابيع التالية لشهر تشري مضطربة هي الاخرى.

في المركز، مثلما هو الحال دوما: الحرم. لن تجد كل الشروحات التي تنقل للفلسطينيين في كل القنوات – فالجمهور الفلسطيني مقتنع بان اسرائيل توشك على تغيير الوضع في الحرم. تماما مثلما نشأت في الشبكة الاجتماعية الاسرائيلية طائفة تصدق الشائعة الكاذبة وكأن حرق العائلة في دوما لم يكن عملية ارهاب يهودي، هكذا ايضا في الشبكات الاجتماعية للفلسطينيين تنتشر تقارير كاذبة عن التغييرات التي تعتزم اسرائيل تنفيذها في الأقصى. هذا يكفي لاخراج الشباب الى الشارع.

هناك أيضا لا يدير الاحداث تنظيم مؤطر ما، ولكن هناك سلسلة من الجهات التي تنبش فيها: الحركة الاسلامية الاسرائيلية، حركة "شباب الأقصى"، وحماس بالطبع. غير قليل من الجهات المثيرة في الحرم هي مواطنون اسرائيليون، يستغلون قدرتهم على الوصول الحر الى المكان.

لم يبدأ الاحتكاك المتصاعد في القدس في الاسابيع الاخيرة. فسكان الاحياء على خط التماس يشعرون به منذ سنين. هناك ميل للتفكير بان العنف ثار في القدس في ايام الجرف الصامد وبعد قتل الفتى محمد ابو خضير. لا شك ان الحدثين شجعا العنف، ولكنه بدأ قبل ذلك، في صفقة شاليط. "المخربون" المقدسيون الستة الذين عادوا الى بيوتهم كانوا عود الثقاب الأول.

العاصمة لم تكن ابدا حقا قد اتحدت، وجدار الفصل الذي بنته بحيث أبقت 300 الف فلسطيني في طرفها الاسرائيلي شدد هذا فقط. في الغرب تدور لها مدينة مزدهرة وتعج بالحياة، وعلى مسافة امتار قليلة من هناك توجد قرى فلسطينية، اصبحت احياء في القدس وليس لها أي قاسم مشترك مع اسرائيل. في الغرب يسيطر القانون الاسرائيلي، وفي الشرق لا يتجرأ القانون على الدخول.

على مدى سنين، اهملت سلطات انفاذ القانون شرق القدس وخلقت في داخل العاصمة جيوبا لا تصل اليها يد القانون. كل تسليم لأمر قانوني في صور باهر شغل سرية من الشرطة، وكل هدم لبيت في سلوان تطلب حملات كتائبية. في أجواء غياب القانون تربت الشبيبة التي تشعل الان خط التماس.

ان تشديد العقاب على راشقي الحجارة وفرض غرامات على اهالي القاصرن من راشقي الحجارة هي فكرة جيدة. حتى هنا، حين كان يعتقل راشق حجارة – كان يفرج عنه في غضون ثلاثة ايام ليعود الى تصدر مثل هذه الهجمات. القانون لم يردع ابدا. وعندما يبدأ في أن يكون اكثر ايلاما، يكون احتمال أن يبقي قسما من هذه الشبيبة في البيوت.

ليست هكذا فكرة التخفيف من حدة تعليمات فتح النار للشرطة. فمنذ اضطرابات تشرين الأول 2000 وصدمة "لجنة اور" تعلمت الشرطة كي تتصدى "للمشاغبين" العنيفين دون أن تتسبب باصابات زائدة. وتتطلب هذه القدرة حشدا لقوات غفيرة، ولكنها اثبتت نفسها كناجعة في مئات الحالات. فمواجهات مثل تلك التي كانت هذا الاسبوع في الحرم كانت تنتهي في الماضي بعشرة قتلى وباشتعال اقليمي، اما اليوم فتعرف الشرطة كيف تعفينا من هذه التجربة.

ان التعليمات المتزلفة للجماهير التي اصدرها رئيس الوزراء للسماح للشرطة باستخدام القناصين في القدس تتعارض وكل توصيات محافل الاستخبارات. فهذه كلها كرجل واحد تعتقد بان خلق عدد كبير من المصابين في الطرف الفلسطيني سيشعل فقط نار العنف ويدفعها لان تنتشر. ومثلما تعلمنا في الانتفاضة الأولى والثانية – فان القتلى الفلسطينيين لا يهدئون الاضطرابات بل العكس يزودونها بالوقود.

قد يتعين على رئيس الوزراء ان يرضي المعقبين على الانترنت، ولكن خيرا فعلت الشرطة إذ لم تنجر الى هناك. اذا كان الجيش الاسرائيلي تعلم كيف يدخل الى مخيم جنين للاجئين، وهو المكان الاكثر "عنفا" في الضفة، والقيام بالاعتقال مع التسبب بالحد الادنى من المصابين – فان على الشرطة ايضا ان تتعلم كيف تجري الاعتقالات والكمائن في جبل المكبر وفي شعفاط بالحد الادنى من الاحتكاك.

ولكن محظور ان تمنع الرغبة في منع الاصابات اسرائيل من أن تحقق سيادتها، والحرم سيكون الاختبار. مطلوب جهد في الحرم ورقابة كاملة على مداخله من اجل تصفية ظاهرة "الاعتكاف" للشباب ممن يأتون للمبيت في المسجد للاعداد للمواجهة في صباح الغد. كما أن جوقة "المرابطات" الصاخبات، التي ترافق كل زائر اسرائيلي يحج الى الحرم، يجب أن تفكك.

منذ سنين واسرائيل تهمل "سيادتها" في الحرم وتتخذ سياسة تستند الى الخوف وانعدام الوسيلة. بعد 48 سنة حان الوقت لان تأخذ اسرائيل من ايدي الحركة الاسلامية ومن ايدي الاوقاف المفاتيح للحرم، وتسمح بالزيارات وبالعبادة لكل من يرغب في ذلك. اذا توفر ترتيب لصلاة اليهود والمسلمين في الحرم الابراهيمي، واذا كان اليهود ينجحون حتى في الصلاة في قبر يوسف – فلا يوجد سبب يمنع أن ينتهج في الحرم نظام يسمح بحرية العبادة للجميع.

ان السلوك السليم سيسمح لموجة العنف هذه بان تذوي بعد الاعياد. ولكن لا معنى انتظار رؤيا "مدينة السلام" او الأمل في أن يعتمل خط التماس بالاخوة. فالاختلاط الذي خلقه البناء الاسرائيلي في القدس بين احياء يهودية وقرى فلسطينية يستدعي الاحتكاك الدائم، وفي غياب الفصل- فان هذ الاحتكاك سيستمر.

في وضع العلاقات بيننا وبين الفلسطينيين – الجيرة الطيبة تتطلب جدرانا عالية. اسألوا سكان متان في الشارون كيف كانت جيرتهم مع قرية حبلة قبل ان يفصل السور بينهما. في الاماكن المقدسة يمكن ويجب ان يفرض التعايش بالقوة، ولكن من يقع في وهم الدولة ثنائية القومية مدعو لان ينظر الى القدس ويفهم ما ينتظرنا.

* * *

مثل الكثير من الاسرائيليين، فانا ايضا اخشى الا احظى بان ارى اتفاق سلام آخر في عهد حياتي. ولكن في السنوات الاخيرة اصبحت كلمة "سلام" غير سليمة سياسيا، ويبدو أننا تخلينا ايضا عن التطلع للعيش بسلام. في صباي، كادت تكون كل تهنئة بالسنة الطيبة تضمنت امنية "سنة سلام وأمن". هذه كانت سنوات بدت فيها زيارة الرئيس المصري الى القدس كوهم مردود. هذا لم يمنعنا من أن نتطلع الى السلام. في رأس السنة الاخيرة بحثت عبثا عن كلمة "السلام" في جملة التمنيات. لم تكن هناك، وخسارة. الى الواقع ينبغي النظر في نظرة واعية، ولكن هناك حاجة ايضا للتطلع الى تغييره، آباؤنا هنأوا "السنة القادمة في القدس". حتى عندما بدت القدس لهم ابعد من القمر. يحتمل ان الى الأبد سنأكل هنا الحراب، ولكن محظور علينا أن نتخلى عن الأمل.