عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 12 آذار 2019

تولين تندمج دمج "أطفال داون" يكشف إبداعهم ويبدد قلق عائلاتهم

رام الله- الحياة الجديدة- ولاء شمالي- الحيرة والقلق شغلا بال نسرين براهمة والدة الطفلة تولين، الى أين تتجه؟ وما هو المكان المناسب لحالة ابنتها؟ وما هو مستقبلها؟ وكيف ستتعلم وتظهر شخصيتها؟ لعدم خبرتها الكافية بكيفية تعاملها مع حالة ابنتها. 
تولين هي واحدة من اطفال "متلازمة داون" المنضمين الى مركز الطفل السعيد والذي لعب دورا مهما في دمجها بمرحلة مبكرة برياض الأطفال ومن ثم بمدرسة عائشة أم المؤمنين الحكومية في مدينة أريحا، مكان سكن الطفلة.
وتواجه قرابة (4000) أسرة فلسطينية في كثير من الأحيان تحديات وصعوبات في تربية الأطفال المصابين بـ"متلازمة داون"، بسبب ضعف قدرات مؤسساتنا التعليمية على استيعاب هذه الفئة من الأطفال بسبب اختلاف صفاتهم الجسدية والنفسية عن أقرانهم.
"متلازمة داون" مصطلح يطلق على الأشخاص الذين يحملون مجموعة من صفات جسدية ونفسية متشابهة، كضيق العينين، والرقبة القصيرة وكبر اللسان مقارنة مع حجم الشفاه، ومعاناة معظمهم من مشاكل في صمامات القلب وشرايينه.
نسبة المصابين بـ "متلازمة داون" في فلسطين تصل حسب الاحصائيات الى اصابة طفل واحد من بين 800 ولادة تقريبا، ويتراوح عددهم حاليا بين 3500- 4000 طفل.
الأم نسرين لم تبق أسيرة حيرتها إزاء مستقبل طفلتها تولين، بل بادرت الى بدء جهود متواصلة دون كلل أو ملل لضمان حياة طبيعية لطفلتها بالبحث عن مؤسسة تعليمية تستقبل طفلتها، خاصة بعد ان لامست تحسن طفلتها حينما التحقت بمركز الطفل السعيد وانتقالها الى رياض الأطفال وتخرجها من الروضة ما شكل حافزا اضافيا للمتابعة والبحث عن مدرسة مستعدة لاستقبال طفلتها.
في البداية رفضت الكثير من ادارات المدارس الخاصة استقبال تولين تحسبا من خوف أهالي الطلبة والسمعة التي "قد تلحق بالمدرسة"، واشتراطهم وجود مرافق معها أثناء تواجدها في المدرسة ما شكل صعوبة لها وأسرتها في تقبل مثل هذه الشروط.
تلك الشروط لم تدفع الوالدة للاستلام بل ضاعفت من جهودها بالبحث عن المدرسة التي تحقق حلم الأم، الذي تحقق بالتوجه الى مدرسة عائشة أم المؤمنين الحكومية، رغم تخوف مديرة المدرسة في البداية من طريقة التعامل مع الطفلة "تولين" والسيطرة عليها لأنها أول طالبة بالمدرسة مصابة بـ "متلازمة داون".
محاولات وجهود نسرين الحثيثة وإصرارها على إيجاد البيئة والمكان المناسبين لمصلحة ابنتها وإيمانها بها، هي ما أوصلت تولين لهذه النتيجة، ودفعت المدرسة لقبولها كطالبة نظامية لديها.
ولتبديد تخوفات المدرسة في البداية من قبول تولين ودمجها، طلبت الأم من المعلمة مجرد "المحاولة" مع ابنتها تولين، ووضعها تحت التجربة وإخضاعها للتقييم لاختبار مدى قدرة المعلمة على التعامل معها.
وبعد مرور شهر على وجود تولين في المدرسة، أجرت والدتها زيارة للمدرسة، وتساؤل واحد يتقافز بين شفتيها: هل ما زال الخوف من التعامل مع ابنتها موجود أم اختفى؟، وكانت إجابة المعلمة بردا واطمئنانا على قلب الأم، ويحل الحب والسرور والفخر لدى المعلمة بدلا من الخوف في قلبها، عندما وجدت تولين تتسم بالذكاء والالتزام والصفات القيادية، وترك بصمتها في قلوب كل من يتعرف عليها، وتسرد وصفها للوالدة بأنها: "طفلة واثقة من نفسها تحب التعلم، نشيطة بمدرستها". 
نجاح الجهود الفردية للأم نسرين في توفير مكان تعليمي ملائم لابنتها "تولين"، لا يعكس الحال القائم في مدارسنا في التحديات الكبيرة التي تواجه أهالي الأطفال المصابين بـ "متلازمة داون"، لجهة دمجهم في رياض الأطفال، والمدارس الحكومية والخاصة، إذ ان عددا كبيرا من المدارس ترفض استقبال هذه الحالات خشية عدم قدرتها على التعامل معهم، ونقص الكادر التعليمي والصحي والنفسي القادر على تلبية احتياجات هذه الفئة، وبسبب العبء الذي سيقع على كاهلهم.
ويأتي رفض استقبال هذه الحالات رغم وجود قانون الطفل الفلسطيني لسنة 2004 الذي ينص في المادة (41) منه على حق هذه الفئة من الأطفال في التعليم والتدريب في المدارس والمراكز، "للطفل ذي الاحتياجات الخاصة الحق في التعليم والتدريب بنفس المدارس والمراكز المعدة للتلاميذ".
وتنص المادة ذاتها في البند الثاني "في حالات الإعاقة الاستثنائية تلتزم الدولة بتأمين التعليم والتدريب في فصول أو مدارس أو مراكز خاصة شريطة أن: (أ) تكون مرتبطة بنظام التعليم العادي وملائمة لحاجات الطفل. (ب) تكون قريبة من مكان إقامته وسهولة الوصول إليها. (ج) توفر التعليم بأنواعه ومستوياته حسب احتياجاتهم. (د) توفر المؤهلين تربويا لتعليمهم وتدريبهم حسب إعاقتهم". 

أهمية الدمج 
ورغم أن ثقافة الدمج ما زالت دون المستوى المأمول، إلا أن القانون شكل بارقة أمل يمكن أن يتسع اشعاعها لتمتد إلى مساحات أوسع، وشكل ذلك دافعا لبعض المدارس للبدء في استقبال أطفال متلازمة داون لديها، إلى جانب تنفيذ حملات ونشاطات توعوية بأهمية الدمج وانتشار ثقافة التعامل معهم وقبول الاختلافات من حولنا. 
مدرسة الفرندز في مدينة رام الله، تعتبر من المدارس القليلة التي بادرت إلى استقبال أطفال "متلازمة داون" في صفوفها، انطلاقا من مبدأ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
يوضح استاذ التربية النفسية في مدرسة الفرندز محمد عاصي: أن الأخيرة بدأت منذ العام 1995 العمل على تطبيق برنامج التعليم المساند المعمول خصيصا للأطفال من ذوي الإعاقة.
بحماس ومسؤولية يتحدث عاصي عن برنامج التعليم المساند الذي يعتمد عليه في تدريس طلاب "متلازمة داون"، فهو يمارس مهنة التدريس دون كلل أو ملل منذ 14عاما، يقضيها بين أطفال ذوي الاعاقة يعلمهم ويتعلم منهم الكثير، كما يشير.
وما يميز المدرسة حسب عاصي انها تتعامل مع كل طفل وحالته الخاصة، فتضع خطة تطويرية للتعامل مع الطفل حسب خصوصية حالته لتوفير كل ما يحتاجه من دعم نفسي ومادي وتعليمي. 
وينصح أهالي أطفال ذوي الاعاقة بالتوجه إلى الأماكن المتخصصة لمصلحة أطفالهم النفسية والتعليمية، مؤكدا انه في كثير من الأحيان تحتاج المراكز المتخصصة بمثل هذه الحالات، للفصل بين كل طفل وخصوصية وضعه وحالته حتى يأخذ الطفل حقه الكامل من العناية والرعاية، "لذلك على الأهل ان يحرصوا دائما على التأكد من المكان الذي يتوجهون اليه" يقول عاصي.

التحفيز كلمة السر
وتؤكد مديرة مركز الطفل السعيد لذوي الاحتياجات الخاصة، الدكتورة جمانة عودة، أهمية دمج أطفال "متلازمة داون" مع باقي التلاميذ في المدارس وهو الأمر المهم والضروري للطرفين، كونه يساهم في تنمية مداركهم الفكرية، ويشجعهم على تكوين صداقات، ويحفزهم لإظهار مواهبهم وقدراتهم، ما يساعد في أن يصبح الطفل اكثر اعتمادا على نفسه ومستقلاً بذاته، بينما ستتحدد قدراته وتنحصر في اطار البيئة التي يبقى فيها بل وستتراجع امكاناته، في حال عدم حصوله على فرصة دمجه في المدرسة.
وتلفت عودة إلى أن ساعد بعض الأهالي في دمج أطفالهم بالمدارس من خلال تهيئة الطفل أولا والتواصل مع المدارس التي تقبل انتساب الأطفال لديهم.
وأوضحت أن مركز الطفل السعيد يهتم بأطفال ذوي الاعاقة ويلبي احتياجاتهم التعليمية والصحية والنفسية ويدعم أسرهم وأمهاتهم على وجه الخصوص، عبر إيجاد الوسائل والفرص التي توفر لهم ولأطفالهم حياة أفضل. 

قصة نجاح
وتشير د.جمانة عودة إلى ان أهم التحديات والصعوبات التي تواجه الطفل ذوي الاعاقة، هي صعوبة التعلم وعدم تقبّل المجتمع لهم، ومعاملتهم على أساس أنهم عيب اجتماعي وليسوا ذوي اعاقة، "لذلك من الضروري دمجهم في المدارس لرفع درجة الوعي المجتمعي بأن هذه الفئة موجودة ومن حقها ان تتعلم وتكون علاقات اجتماعية وتبدع كغيرها من الأطفال، وليصبح الأطفال لديهم فكرة وثقافة تقبل الآخر". 
والآن تواظب أم تولين بإيمان وعزيمة وتفاؤل، على المضي بمستقبل ابنتها إلى الحياة الأجمل، كما تواظب على زيارتها الدورية للمركز منذ 8 سنوات لمتابعة حالة ابنتها بالرغم من بعد المسافة بين مكان سكنها ومقر المركز، والأمل يحدوها بأن يصبح دمج أطفال "متلازمة داون" سياسة معتمدة لكافة مدارسنا التعليمية.