خبير: فلسطين لن تتحول إلى سنغافورة في ظل الاحتلال
*الحكومات انتهجت "سياسات اقتصادية" لا تنتج الا "الخيبة" و"عدم التوازن" و"انعدام العدالة"

رام الله- الحياة الاقتصادية- ابراهيم ابو كامش- أكد خبير اقتصادي انه لا يوجد هناك ما يمكن اطلاق عليه سياسات اقتصادية ممنهجة لدى الحكومات الفلسطينية المتعاقبة.
وقال د. نصر عبد الكريم استاذ الاقتصاد في الجامعة العربية الامريكية :" توجد قرارات ارتجالية (ترقيع) وتستجيب لتحديات تطرأ على الساحة الفلسطينية، ولا يوجد هناك سياسات ممنهجة مدروسة ومعظم السياسات تتخذ تحت ضغط جماهيري كضريبة الدخل والمضافة..الخ.
جاء ذلك خلال ورشة المائدة المستديرة التي نظمها منتدى شارك الشبابي ومركز التمكين الاقتصادي حول"وهم التنمية الفلسطينية في ظل الاحتلال الاسرائيلي"، بمشاركة د. نصر عبد الكريم ورئيسة مجلس ادارة منتدى شارك رتيبة ابو غوش، في مقر المنتدى برام الله، وذلك ضمن مبادرات وحوارات "شارك" الهادفة إلى نشر الوعي في اوساط الشباب الفلسطيني حول قضايا الشأن العام، بمشاركة عدد كبير من الشباب والفتيات وخريجي الجامعات.
وقال د. نصر عبد الكريم، إن السلطة الوطنية منذ تأسيسها لليوم فشلت في أن تصمم سياستها وادارتها واجراءاتها وعلاقاتها الاقتصادية على أساس مقاومة استمرار الاسرائيليين في التحكم بالاقتصاد الفلسطيني وممارسة الضغط والتعسف ضده، وبالتالي فانها فشلت في خلق ردة فعل تقلل من تأثير اجراءات الاسرائيليين وتداعياتها السلبية.
وانتقد د. عبد الكريم، دعوات الحكومات الفلسطينية المتعاقبة وتطلعاتها الحالمة بتحويل فلسطين الى سنغافورة، وتكرس حلمها على الصعيد الاقتصادي في عام 2010 في خطابات رئيس الوزراء د. سلام فياض الشهيرة بقوله:"بنينا المؤسسات وجاهزون لاقامة الدولة فانتظروها في 2011، وفي عام 2013 نريد الاعتماد على ذاتنا بدلا من الاعتماد على المؤسسات الدولية"، ووصف كل ذلك "بـوهم التنمية".
ويؤكد عبد الكريم، وجود فرق بين الاقرار بصعوبة التنمية وبانها غير ممكنة، وما بين بيع اوهام لها علاقة بالتنمية المستدامة للفلسطينيين، "هذا هو الوهم"، فالبطالة وصلت إلى 52% بين الشباب وخريجي الجامعات، والفقر تزداد دائرته، وهناك انقسام اقتصادي بين الضفة وغزة وانعدام الاندماج بينهما على الاطلاق، بوجود كيانين مختلفين، ونمو يتراجع، وسوء توزيع في النمو، وموازنة تعاني من عجز دائم يبلغ مليارا و300 مليون دولار تنتظر المساعدات الدولية لتغطيتها".
وقال:"عندنا للاسف سياسات اقتصادية لا تنتج الا الخيبة وعدم التوازن وانعدام العدالة، واظن قتلنا الامل والطموح عند شباب وناس كثيرين في ان يعيشوا حياة افضل".
ويؤكد د. عبد الكريم استنادا الى مؤشرات وزارة المالية ان الدين العام يبلغ 5 مليار دولار، وهو دليل على نمو الدين بسبب الاستسهال في الانفاق لدى الفلسطينيين، فالسلطة سخية جدا ولكن المشكلة اين تنفق؟ ولماذا؟ وكيف؟ وما هي نتائج الانفاق؟.
ويؤكد ان معظم النفقات تذهب لصالح الرواتب، دون ان يكون لها تأثير تنموي، او اي جانب تطويري للانسان والموارد والمؤسسات، لافتا الى ان الموازنة التطويرية للسلطة تمول دائما من المساعدات الدولية على الاغلب وليس من ايرادات السلطة، ولذلك فان السلطة تعاني من دين يقدر بحوالي 5 مليارات دولار.
ويوضح عبد الكريم أنه منذ سنة 99 فما فوق، بدأت السلطة تعاني أزمة مالية، فتضاعف الدين العام بمليار و200 مليون دولار وهو ما يسمى بالدين الخارجي.
ويتابع: بعد ذلك بدأت السلطة بالاقتراض من البنوك والمصارف وبلغت قيمة اقتراضها مليارا و500 مليون دولار، واضطرت الى ذلك لان ايراداتها اقل من نفقاتها، اضافة الى تأخرها عن سداد المستحقات المالية للقطاع الخاص الذي تشتري منه خدمات وسلعا بحوالي 600 مليون دولار، والأهم من ذلك انها متأخرة على هيئة التقاعد والمعاشات بحوالي مليار و500 مليون دولار، حيث انها تقتطع مساهمات الموظفين ولا تحولها سيولة الى هيئة التقاعد ويبقى دينا عليها.
وانتقد د. عبد الكريم، سياسة الضرائب والانفاق في الحالة الفلسطينية، حيث ان الفقراء هم الذين يدفعون الضرائب ويمولون النفقات، قائلا،"بالنظر الى خريطة الايرادات للسلطة الوطنية فانها تشير الى ان 92% منها جمارك وقيمة مضافة ورسوم خدمات، تسمى ضرائب غير مباشرة ورسوم غير مباشرة يتحملها المستهلك، مشيرا إلى أن الشركات لا تدفع سوى جزء يسير من الضرائب وكانت معفاة من الضرائب لسنوات، وبعضها ظل متهربا من الضرائب لغاية هذا اليوم.
ويؤكد عبد الكريم ان هذه اشكالية، ناتجة لان النظام الضريبي الفلسطيني مبني على الاستهلاك وليس على الادخار والثروة، وبالنتيجة فهو نظام غير عادل بالحكم، لذلك يجب تعديله حتى نستطيع الحكم على عدالته.
وشدد د. عبد الكريم على اهمية التفريق بين التنمية والنمو، وقال:"نجد مسؤولا فلسطينيا يصرح بان الاقتصاد الفلسطيني حقق نموا اقتصاديا بالمتوسط 7 الى 8%، وبالتالي الناتج المحلي زاد منذ 2007 ولغاية اليوم حوالي 12 مليار دولار بعد ان كان 5 مليار، فالنمو الذي يحققه هو استثمارات قطاعين عام وخاص"، منوها الى انه يجب التنبه الى مصدر النمو، واستدامة النمو، وتوزيعه.
وقال:"ان مصدر النمو في الحالة الفلسطينية تاريخيا هو الانفاق الحكومي المعتمد على المساعدات الدولية، وبالتالي:"لدينا مساعدات تقدر بثلث الموازنة تقريبا، وهناك سخاء بعد 2007 ولكن اليوم يوجد شح، ولكن الانفاق ولد النمو وليس ناجما لا عن استثمارات خاصة ولا ادارة رشيدة للموارد وحكمة في السياسات".واكد عبد الكريم انعدام وجود استدامة في النمو، لانه مرتبط بالسبب فعندما يتراجع الانفاق الحكومي بتراجع المساعدات فان الانفاق يتوقف، وهذا ما حدث في آخر سنتين.
واشار عبد الكريم، الى نمو الاقتصاد الفلسطيني منذ النصف الثاني من عام 2007 حتى 2013، حوالي 40%، وبعد ذلك توقف، ولكن في الوقت نفسه فان أجر العامل الحقيقي لم يزد، وبالنتيجة فان هذا النمو كان من نصيب الاغنياء واصحاب الثروات، وهو ما تسبب في تباين الطبقات في الحالة الفلسطينية.
وقال :"بملاحظة التباين الطبقي، فان اجر العامل الفلسطيني بالمتوسط في القطاعين العام والخاص يبلغ 68 شيقلا، ولكن ان اراد ارتياد مقهى لاحتساء عصير وتدخين نرجيلة، فانه بحاجة الى 68 شيقلا، لذلك فان توزيع الثروة في الحالة الفلسطينية والنمو هو من أسوأ ما يكون"، منوها الى "مؤشر جني البريطاني" الصادر مؤخرا والذي يقيس التباينات الاقتصادية في المجتمعات نفسها، فكانت فلسطين محظوظة بانها سبقت الصومال على هذا الصعيد. مبينا ان هذا التباين قاس فقط رواتب الموظفين في القطاع العام، ولو قاس رواتب القطاع الخاص فان الاوضاع تصبح كارثية اكثر.
مواضيع ذات صلة