غزة ..بداية العد العكسي لتلاشي مهنة صيانة "بوابير الكاز"
*المتبقي من ممتهني صيانة البوابير بغزة الى 10 فقط

* يزيد الاقبال على شراء البوابير وتصليحها وقت الازمات
حياة وسوق - هاني ابو رزق - يجلس الحاج فايق الغندور داخل محله القديم بسوق فراس أحد أقدم الاسواق بقطاع غزة، متشبثا أحد البوابير ذات اللون النحاسي، بينما يقوم ابنه أحمد بمساعدته في صيانة بعض الأواني التي قدم بها الزبائن الى محله بغرض تصليحها.
الغندور في الستينيات من عمره، يقطن بحي الرمال بمدينة غزة، إمتهن العديد من المهن داخل الخط الاخضر، ويعمل داخل محله على بيع العديد من الاواني البيتية وأدوات خاصة بإصحاب الصناعات وبعض المقتنيات القديمة وقطع غيار البوابير،
يسرد الغندور حيث حفظت يداه الخشنتان المهنة عن ظهر قلب تفاصيل صناعة البوابير قديما، ليقول :" ما قبل عام 1948 كان لا يوجد بيت الا ونجد فيه بابورا والذي كان يتم تصنيعه داخل المصنع الوحيد الذي كان يختص بتصنيع البوابير وتصديرها الى المدن الفلسطينية في تلك الفترة، لكن المصنع تم إغلاقه أبان قدوم الاحتلال الاسرائيلي على فلسطين، لم يتبقى من أثار المصنع سوى ثلاثة بوابير فقط مازالت موجودة من بقايا المصنع القديم.
وتابع الغندور والذي ورث المهنة من والده، قائلا :" بعد إغلاق المصنع اعتمد الفلسطينيون على استيراد البوابير من دول الخارج كالسويد والمانيا والبرتغال، اما في الفترة الحالية اقتصر الامر فقط على صيانة البوابير التي يتم استيرادها من مصر .
وأضاف الغندور :" إن أسباب تراجع استخدام الناس للبوابير يرجع الى وجود بدائل أخرى، كتوفر الغاز والكهرباء على عكس أيام زمان والذي كان يعتبر فيها البابور شيئا ثمينا داخل المنزل حتى انه كان مستلزما أساسيا لعفش المنزل، ويصل سعر تصليح البابور من 5ـــ 20 شيقلا، أما سعره 50 شيقلا، مشيرا الى أن البابور يتكون من الرأس والابرة والقاعدة إضافة الى المكان الذي يتم وضع الكاز به .
وبين الغندور الى أن الاشخاص الذين يمارسون مهنة صيانة البوابير قليلون جدا نتيجة كبر بعضهم بالسن وموت البعض الاخر وعدم توراث هذه المهنة من الاباء الى الابناء، فبلغ عدد الذي يمتهنون صيانة البوابير في الفترة الحالية حوالي 12 توفي اثنان منهم قبل شهرين.
واشار الغندور الى أن مهنة صيانة البوابير واقتناء الناس لها من الممكن أن تعود الى الواجهة مثلما حصل خلال حربي 2008 و 2014، فقطاع غزة يعيش حالة من التقلبات الاقتصادية والسياسية.
بالانتقال الى سوق الزاوية حيث يقع محل سليم الريس الذي امتزجت مقتنياته بالحاضر والماضي على مدخل المحل تحديدا مجموعة من البوابير المعلقة من أجل أن تكون ملفتة للمارة، يقول :" استيراد البوابير قديما من دول الخارج وتصليحها من المهن الرائجة بشكل كبير، لكن خلال السنوات الماضية تراجعت هذه المهنة وعزف العديد من الناس في غزة عن استخدامها في امورهم الحياتية .
وتابع قائلا :" وجود الغاز أثر بشكل كبير على اقتناء الناس للبوابير، إضافة الى أنه يعتبر غير صحي خطر لمن لا يعرف استخدامه خاصة الاشخاص الذين لم يعاصروا البوابير قديما، مشيرا الى أن زيادة الاقبال على شراء البوابير وتصلحيها يكون في وقت الازمات كنقص الغاز وعدم توفر بدائل أخرى .
للحديث عن المهنة التي تكاد أن تندثر، يقول الخبير الاقتصادي أمين ابو عيشة :" من ابرز الاسباب التي أدت الى إندثار مهنة صيانة البوابير هو التقدم التقني والعلمي واختراع بدائل أفضل من البابور خاصة مع ظهور الغاز والذي يوفر جهد ووقت وتكلفة على مستخدميه .
وتابع قائلا:" اي مهنة يمكن أن تزدهر، لكن في حال اختراع او ابتكار او ابداع بديل قريب وجيد واقل تكلفة وذو جودة عالية تبدأ هذه المهنة بالضعف والتعثر والانقراض وهذا ما حصل فعلا.
وبين أن من الممكن أن تعود مهنة صيانة البوابير الى سابق عهدها في حال حدوث أزمات وعدم توفر البديل كالغاز والحطب وتوفر الكاز الذي سيعمل على إنتعاش وظهور المهنة من جديدة وتصبح هي المهنة السائدة، منوها الى أن العمل بهذه المهنة اصبح غير مجدى ماليا للكثير من اصحابها الذين لم يعلموا على توريثها لابنائهم.
ومن جانبه، يقول الدكتور ناصر اليافاوي خبير التراث والتاريخ الفلسطيني لـ "حياة وسوق ":" إن فكرة البابور كانت ثمار الثورة الصناعية في اوروبا، وبدأ عمليا لحيز الوجود حوالى سنة 1890 في مدينة بريموس في السويد ثم انتقلت الفكرة الى المانيا وبريطانيا وروسيا والهند والصين.
وتابع قائلا :" فى بداية الاربعينات من القرن الماضي انتقل البابور الى فلسطين عبر ميناء يافا، واستخدمه أصحاب المقاهي والمحامص، ثم انتقل الى الأسر الميسورة، ومن يافا انتقل الى باقي مدن فلسطين، الاردن ومصر، ومع وجود الانجليز والفرنسيين في المنطقة انتقلت فكرة صناعته محليا في مصر وسوريا .
وأشار الدكتور اليافاوي الى أن البابور يعتبر نقله حضارية لدى الفلسطينيين والذي دخل كجزء أصيل من التراث الفلسطيني انطلاقا من المدخلات التالية وجود المحلات الخاصة في القرى والمدن الفلسطينية التي تخصصت ببيعه إضافة الى وجود ورش خاصة متخصصة في تصليح البابور وفنونه، وتلحيمه وقطع غياره.
وبين أنه في القديم كانت مشاهدة اصطفاف الناس انتظارا لدورهم في تصليح البابور موجودة بكثرة، منوها الى ان بروز مصطلح "البوابرجي" في التراث الفلسطيني وما نسجت حوله من قصص مثل الف ليلة وليلة ودخول البابور في مهر العروس وعفش بيتها ودخوله في الأغاني والقصص الشعبية والأهاجيز الفلسطينية .
وفي نهاية حديثه، أوضح الخبير التراثي أنه لاتزال بعض الأسر الفلسطينية حتى يومنا هذا وخاصة كبار السن يحتفظوا بالبابور غير راغبين بالتخلي عنه كونه يعتبر صديقهم وقت الأزمات وكاسر الحصار عند شح الغاز إضافة الى إنهم يعتبرونه البديل الأقوى والدائم، وجزء يضعه في زاوية الصالون كتراث عريق يحاكي الماضي الجميل.
واخيرا، فإن مهنة صيانة بوابير الكاز في غزة تعاني جراء التقدم الصناعي والتكنولوجي المستمر من نقص للأشخاص الذين يقومون بصيانة البوابير، إضافة الى موت الاشخاص القدماء الذين كانوا يمتهنون تلك المهنة القديمة ونقص المعدات اللازمة للصيانة جراء اغلاق المعابر وعدم السماح بإدخال بعض القطع التي تلزم للصيانة .
مواضيع ذات صلة
الاعتداءات الجنسية تتسلل إلى زنازين الأسر وتلاحق الأسرى بصمت
الاحتلال يقتحم مخيم الجلزون
"الصحة العالمية": خطر تفشّي فيروس هانتا محدود جدا
مستعمرون يهاجمون منازل المواطنين جنوب نابلس
مستعمرون يقيمون بؤرة جديدة على أراضي ديراستيا شمال غرب سلفيت