محمد الريماوي.. شهيد وشاهد على ظلم الاحتلال

رام الله- الحياة الجديدة- لينا الخطيب- على غير عادتها التي عهدناها، غابت الابتسامة عن وجه والدة الشهيد محمد الريماوي، أم بشير من بلدة بيت ريما شمال غرب رام الله والبيرة.
كان المشهد مختلفا هذه المرة، إذ حاولت أم بشير أن تبدو متماسكة، بإظهار البشاشة وهي تصطحبني الى الغرفة التي استشهد داخلها نجلها الشهيد في الطابق الأرضي من البيت المكون من طابقين.
داخل الغرفة التي لا تتعدى مساحتها الأمتار الأربعة، جلست الوالدة المكسورة على طرف سرير ابنها الشهيد.
تغيرت ملامحها وهي تروي حادثة اغتياله، ولم تستطع حبس عبرات سالت على وجنتيها، مرددة بصوت مخنوق، ممزوج بشيء من الحسرة: "محمد استشهد يما.. محمد راح".
ازدادت دموعها غزارة، وأخذت تكفكفها وهي تشتم قطعة من ملابسه، سارعت الى الزاوية الأخرى من الغرفة، تحسست بعض مقتياته، استذكرت ذاك الماضي الجميل الذي كان بصحبته.
هربت بنظراتها، وهي ترتدي ثوبها الأسود الذي لم يفارقها منذ ان استشهد ولدها، سواد طغى على `وجهها يعبر عن حزن شديد يسكن قلبها، لحظات صمت مصحوبة ببكاء مر.
جالت والدة الشهيد بنظرها خلال الغرفة، التي انتصبت على أحد جدرانها صورة للشهيد وتحديداً في الزاوية العلوية منها، منتصبا إلى جانبها بشموخ علم فلسطين الذي زرعه الشهيد قبل أيام من رحيله، نظرات مجبولة بالألم والحب للإبن الذي رحل مسرعا كما كان يتمنى.
تحدثت عما دار بينهما من حوار، وكأنه كان يستشعر ساعات رحيله، عندما طلب منها الا تحزن، وأن يؤلف له اغنية تحمل اسمه وان تفرح كلما سمعتها، وهو ما كان .
وواصلت الحديث بألم وهي تصف ما حصل في تلك الليلة المظلمة شديدة السواد، قائلة: "الساعة الخامسة فجرا دخل محمد الى غرفته وبعد لحظات قليلة أفاقت العائلة على صراخ الجنود الذي ملأ المكان، وهم يقتحمون الغرفة بكل وحشية، عدد منهم أشهروا أسلحتهم وانهالوا بالضرب على جسد محمد بلا هوادة ولا رحمة، لحقتها ضربات أخرى أشد قوة في حائط المكان وهو مكبل اليدين، حاولت أن أدخل الغرفة فدفعني الجنود خارجا بأعقاب البنادق .
استرقت بعض النظرات فرأيت محمد مطروحا على الأرض يرتجف من شدة الضرب .
ولم تكن تدري انها لحظات الوداع الاخيرة، صرخت وحاولت مرارا ان تنقذه من بين ايديهم، لكن ظلم الاحتلال كان اقوى، لحظات صعبة عاشتها العائلة التي كانت حبيسة غرفة مجاورة، قبل ان ترى نجلها محمولا على اكتاف الجنود. مجرد الملابس من وراء النوافذ .
لحظات واذا بشقيق الشهيد الأكبر بشير يدخل علينا وقد بدت علامات الحزن تخيم عليه وهو يردد "الله يرحمو راح شهيد زي ما كان يتمنى" جلس بجوار أمه، عانقها طويلا وأخذ يحدثها عن الصبر وفضل الشهادة محاولا تخفيف لوعة الفراق.
روى بشير قصة شقيقه الشهيد ووحشية الاحتلال في ليلة الثامن عشر من أيلول 2018 ، حين تلقى اتصالا من احد ضباط الاحتلال ليسأله عن وضع محمد الصحي "تلقيت بعد ساعة اتصالا آخر من الارتباط الفلسطيني أخبرني باستشهاد أخي "شعرت وقتها أن ألمه زاد وانفعل قائلا: قتلوه قتلوه، كان سليما ما فيه اشي".
بينما كنا نستمع الى كلمات شقيق الشهيد الأكبر، تسللت الى اسماعنا بعض اصوات البكاء والتمتمة من الغرفة المجاورة، استأذنا لرؤية صاحب الصوت، وجدنا شقيقة الشهيد خالدة تضع كفها اليمين على وجهها، تحاول مسح دموعها .
عبرت بصوت مرتجف عن حزنها الشديد على فراق شقيقها قائلة: "والله ما بفارقني لا في الليل ولا في النهار، الله يرحمه وان شاء الله بنلتقي في الجنة".
سكتت قليلا وعادت تهذي بكلمات لم نفهم بعضها لكنها لم تخرج عن دائرة الحزن، التي تسيطر على العائلة منذ فراق محمد الشاب الذي ترك أثرا بالغا في نفوس جل من عرفوه.
واصلت خالدة : "عمري ما رح انسى صورته ولا حركاته ولا طيبة قلبه، مش قادرة اصدق محمد راح، محمد عند الله في الجنة".
انتظرت العائلة مصير نجلها المحتجز لنحو أسبوعين قبل أن يسلمه الاحتلال من خلال الارتباط الفلسطيني، فاستقبل الشهيد بحفاوة فرشت بالورود في مجمع فلسطين الطبي ،وأدى والده التحية العسكرية على جثمانه، قبل أن ينطلق موكب جنائزي عسكري متوجها الى مسقط رأسه .
القيت نظرة الوداع الأخيرة عليه وسط زغاريد الشهادة والتكبيرات، امتزجت دموع الوداع بعبسات الغضب، ودعته شوارع بلدته التي أحبها. مشهد ذكرنا بشهداء بيت ريما وشهداء فلسطين الذين رحلوا تلبيه لنداء الوطن.
غادرنا المنزل بعد الوداع والدعاء لهم بأن يلهمهم الله الصبر والسلوان، فهذا حال الكثير من أمهات الشهداء اللواتي يعانين ألم الفراق، وهو أشد الآلام وأصعبها.
----
*هذه المادة تنشر ضمن مساق تدريبي في ماجستير العلاقات العامة المعاصرة في الجامعة العربية الأمريكية.
مواضيع ذات صلة
الاعتداءات الجنسية تتسلل إلى زنازين الأسر وتلاحق الأسرى بصمت
الاحتلال يقتحم مخيم الجلزون
"الصحة العالمية": خطر تفشّي فيروس هانتا محدود جدا
مستعمرون يهاجمون منازل المواطنين جنوب نابلس
مستعمرون يقيمون بؤرة جديدة على أراضي ديراستيا شمال غرب سلفيت