عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 17 أيار 2018

اليوم التالي للتظاهرات في غزة

هآرتس – عاموس هرئيل

مثل كبسة زر وبالتأكيد حسب توجيهات من الاعلى، اوقفت أمس (الأول)  تقريبا بصورة نهائية النيران على حدود قطاع غزة، فقط قبل يوم من ذلك قتل 60 فلسطينيا واصيب الآلاف بنيران جنود الجيش الاسرائيلي، اليوم الاصعب للمواجهات في القطاع منذ انتهاء عملية الجرف الصامد قبل اربع سنوات تقريبا. أمس (الأول) ورغم أنه حتى ساعات المساء تم احصاء قتيلين فلسطينيين باطلاق النار، فقد تقلصت جدا اعمال العنف.

عند السفر على طول جزء كبير من القطاع في ساعات بعد الظهر لم تتم رؤية أي شيء يذكر بالمشاهد من يوم السبت. بدل عشرات آلاف المتظاهرين الفلسطينيين، تجمع قرب الجدار فقط مئات قليلة، الذين وصلوا بعد انتهاء جنازات "القتلى" في القطاع. عدد بؤر التظاهر كان اقل بكثير وعلى الحدود بصعوبة ظهرت اعمدة الدخان التي صعبت التنفس والرؤية قبل يوم. الجنود والشرطة كانوا مستعدين حقا في الطرف الاسرائيلي من الحدود، لكن معظمهم لم يطلب منهم العمل أبدا.

المتظاهرون لم يحاولوا اختراق الحدود والجيش الاسرائيلي وفقا لذلك امتنع بشكل عام عن استخدام النار الحية. ايضا مستوى المصادقات المطلوبة على اطلاق النار تغير. بدل ابقاء القرار باطلاق نيران القناصة في أيدي القائد الميداني، وهو ضابط برتبة مقدم، تمت اعادته الى أيدي قائدي اللواءين في المنطقة، برتبة عقيد. في ساعات المساء المتأخرة أبعد الجيش عدة آلاف من المتظاهرين، لكن كان ما زال واضحا وجود ضبط كبير للنفس في تصرف الطرفين.

ما الذي حدث بالضبط بين اسرائيل وحماس، بين ليلة يوم الاثنين ويوم الثلاثاء في الصباح، ما زال لم يوضح بصورة كاملة. من المعروف أنه في ساعات المساء نقلت حماس عددا من الرسائل لاسرائيل بواسطة المخابرات المصرية، وكما يبدو ايضا بوساطة قطرية، بشأن رغبتها في ضبط مستوى العنف.

اسرائيل ردت بخطوات من جانبها. وزير الدفاع افيغدور ليبرمان صادق على توصية للجيش باعادة فتح معبر البضائع في كرم أبو سالم، رغم الاضرار الكبيرة التي اصابته في الطرف الفلسطيني خلال التظاهرات في نهاية الاسبوعين الاخيرين والتي خلالها تضرر الأنبوب الذي ينقل الغاز الى القطاع. في نفس الوقت سمحت مصر باخراج الجرحى ذوي الاصابات الشديدة الذين اصيبوا في التظاهرات في القطاع عبر معبر رفح لتلقي العلاج في مستشفياتها. تلك بدت خطوات منسقة، في جهود مشتركة لتهدئة النفوس.

الخطوة الاخيرة لحماس اظهرت ما كان مكشوفا خلال الاسابيع السبعة الاخيرة. قيادة حماس برئاسة يحيى السنوار واسماعيل هنية تسيطر بشكل كامل على الاحداث في القطاع. فهي التي تشجع الجمهور للوصول الى الجدار، وهي التي تشرف على قوة "العنف" الذي يجري في التظاهرات، وهي التي تقرر الامتناع عن اطلاق الصواريخ رغم عدد "القتلى" الكبير في الاسابيع السابقة، وهي القادرة على فرض ضبط النفس كذلك اليوم رغم سفك الدماء الكبير أول أمس.

عندما ستهدأ النفوس مستقبلا، لن يعود بالامكان قبول التفسير الاستخباري الذي قدمه الجيش الاسرائيلي والشاباك خلال السنوات الثلاثة الاخيرة في كل مرة اطلقت فيها الصواريخ الذي يقول إن حماس تجد صعوبة في ضبط التنظيمات السلفية الاصغر. لقد اوضح بصورة واضحة جدا أنه عندما تريد حماس فان القطاع يهدأ، وعندما تكون لها مصلحة يزداد "العنف".

بالنسبة لأسباب التغيير يبدو انها مرتبطة بشكل خاص بعدد "القتلى" الكبير: 60 قتيلا أول امس (الاثنين) بعد اكثر من 50 شخصا في التظاهرات في الاسابيع السابقة، منذ بدأت الموجة الحالية في 30 آذار والى جانبهم آلاف المصابين. هذه ارقام تلقي عبئا كبيرا على الجهاز الصحي في القطاع، الذي يوجد في وضع تشغيل صعب.

ربما انه ستكون هنا اعتبارات اخرى. في الايام الاخيرة هددت اسرائيل بواسطة المخابرات المصرية من أن استمرار التصعيد يمكن أن يقودها الى اتخاذ قرار للمس بزعماء حماس. كذلك أمس (الأول) كان حقا يوم النكبة، لكن ربما أن رؤساء حماس يأخذون في الحسبان حلول شهر رمضان، الامر الذي يبدو كفترة لتهدئة تكتيكية واعادة فحص سياسة المنظمة في اعقاب التطورات الى حين التظاهرة القادمة المخطط لها في يوم الجمعة.

لا توجد سياسة: في المخابرات الاسرائيلية يقدرون الآن أن حماس لا تتطلع نحو الحرب. الافتراض المعقول هو أن رؤساء المنظمة ارادوا تحقيق هدفين بواسطة موجة الاحتجاجات العنيفة – اعادة رواية المقاومة الشعبية الفلسطينية ضد اسرائيل، واجبارها بواسطة القتل على الحدود على الموافقة على تقديم تسهيلات اقتصادية وفي حرية الحركة التي ربما توقف تدهور ظروف الحياة في القطاع. حماس تجد صعوبة في مواصلة ادارة القطاع في الظروف الحالية القائمة ازاء العزلة السياسية الموجودة فيها وتقليص المساعدات المالية من السلطة الفلسطينية ومن دول الخليج.

حتى لو خفت "العنف" الآن فقد بقيت مسألة اليوم التالي للتظاهرات. لا توجد لاسرائيل سياسة حقيقية في القطاع عدا الرفض الشديد لطلبات حماس. كما ليس لديها خطة يمكنها المساعدة في انقاذ غزة من الشرك الذي سقطت فيه. الجهات المختصة في جهاز الأمن ومنها بصورة استثنائية ايضا الشاباك، يتفقون مع التشخيصات الشديدة للوضع المرعب للاقتصاد في القطاع والبنى التحتية فيه. المستوى السياسي في اسرائيل لا يؤمن بتغيير الوضع وربما ايضا لا يستطيع أن يقود تغير كهذا.

على رئيس الحكومة ووزير الدفاع هناك عاملان ضاغطان، الاول هو النضال العنيد الذي تقوده عائلات الجنود هدار غولدن واورون شاؤول التي تطلب عدم التخفيف عن القطاع طالما لم يتم التوصل الى اتفاق حول اعادة جثامين أبنائها (اعادة المواطنين الاسرائيليين ايضا). الثاني هو التهديد السياسي. كل حزب من الاحزاب التي تشكل الائتلاف لحكومة نتنياهو منشغل بشكل دائم بالنظر من فوق كتف الائتلاف للتأكد من أن شركاءها لا يقومون بالالتفاف عليها وتبدو كأكثر صقرية.

حتى ضمن سلسلة النجاحات المؤثرة له مؤخرا، يبدو أن نتنياهو لا يستطيع أن يسمح لنفسه بأن يبدو مرنا جدا ازاء حماس. قيادة الجيش التي تفهم الوضع السياسي ترسل في كل مرة اشارات ضائقة. عمليا، الشرك مستمر. هذا مهم ومقلق اكثر من أي نقاش تكتيكي حول المكان الذي وضع فيه القناصة.

المشاعر تبلدت: الصدامات العنيفة على حدود القطاع اعادت حقا أول أمس (الاثنيين) الاهتمام الدولي بالفلسطينيين حيث في الخلفية جرى في نفس الساعة حفل افتتاح السفارة الاميركية في القدس. في اعقاب القتل اعلنت تركيا وجنوب افريقيا عن خطوات احتجاجية دبلوماسية ضد اسرائيل، في السلطة الفلسطينية في الضفة اعلن عن ايام حداد وحكومات عربية نشرت بيانات تضامن مع سكان القطاع. حكومات عربية ومعها وسائل اعلام كثيرة عبرت عن الاسف والتفاجؤ من عدد "القتلى". اسرائيل وجدت صعوبة كبيرة في تفسير ادعائها بأنه كان هناك عملية مبررة لمنع اقتحام الجمهور لحدودها.

مع ذلك، ورغم الادانات، يبدو أن المشاعر تبلدت، لا سيما في العالم العربي. مشاهدو محطات التلفاز العربية يتم اغراقهم طوال سبع سنوات ونصف السنة بتوثيق يومي، واحيانا ببث مباشر، لقتل جماهيري ومعاناة فظيعة في كثير من الدول التي انجرت في الهزة التي في بدايتها سميت الربيع العربي. المشاهد من غزة ليست استثنائية مقارنة مع الصور اليومية من سوريا واليمين، والتضامن مع الفلسطينيين ظهر الآن كضريبة كلامية فقط. تأثير الاحداث في هذا الاسبوع سيتم اختبارها في خطب يوم الجمعة في المساجد وفي التظاهرات في دول مثل الاردن وتركيا – وهي مرتبطة باستعداد حماس لمواصلة دفع الجمهور نحو الجدار الحدودي بثمن موتهم.