عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 12 أيار 2018

دعاية التحريض الاسرائيلية.. ذروة جديدة من النذالة والخبث

هآرتس – مايا روزنفيلد

قليلة هي السيناريوهات الاكثر اخافة لاسرائيل من استمرار الاحتجاج المدني الجماهيري في غزة، وانتشارها الى الضفة وتحولها الى انتفاضة شعبية شاملة ضد الاحتلال. من اللحظة التي يجمع فيها التمرد المدني زخما ويضع قيادة ميدانية وجدول اعمال خاصا به، سيجذب الى داخله مئات آلاف الاشخاص من كل شرائح المجتمع، من الجنسين ومن كل الاعمار ولن يعود بالامكان وقفه، لا بواسطة القناصة ولا بواسطة قذائف الدبابات ولا بواسطة القصف من الجو، وحتى لا بواسطة الفيتو الدائم للولايات المتحدة في مجلس الأمن.
انتفاضة شعبية كهذه – سواء دفعت الى الهامش القيادات الحالية للسلطة الفلسطينية وحماس أو اذا اندمج هؤلاء في قيادتها – ستضع من جديد القضية الفلسطينية على رأس اجندة المجتمع الدولي، وستقتضي ردا لا يمكن سلطات الاحتلال الاسرائيلية من المواصلة. ادوات الرد – كل قرارات الأمم المتحدة التي تعتبر بالحقوق الوطنية للفلسطينيين وتقرير المصير ودولة مستقلة في حدود 1967 وقبول فلسطين كعضو عادي في مؤسسات الأمم المتحدة – موجودة منذ سنوات كثيرة، واتسعت جدا في العقد الاخير بفضل النشاط الذي لا يكل لأبو مازن. ما هو مطلوب الآن على الصعيد الدولي هو اتخاذ خطوات تؤدي الى تنفيذ القرارات القائمة.
هذه بالضبط التطورات التي تريد اسرائيل منعها بواسطة اندماج استخدام القوة القاتلة في وجه المتظاهرين الغزيين، ودعاية تحريضية كاذبة ضدهم وضد كل جهة اسرائيلية تتجرأ على اسماع احتجاجها. استخدام القناصة من خلال اعتبار أن كل من يقترب من الحدود محكوم عليه بالموت، أدى حتى الآن الى عدد كبير من القتلى والى عدد لا يمكن تخيله من المصابين بالنار الحية، بينهم المئات الذين سيبقون مع اعاقة طوال حياتهم. الدعاية تعرض المتظاهرين الذين تم اطلاق النار عليهم "كمخربين"، ومعظم المتظاهرين كمبعوثين متحمسين من قبل التنظيمات "الارهابية" والمحتجين الاسرائيليين كخونة.
اطلاق النار القاتل استهدف زرع الرعب في اوساط الغزيين وابعادهم عن موقع التظاهرات، لكنه يجذب الى منطقة الجدار الشباب الشجعان الذين في معظمهم خالي اليدين ومنفردين ويحملون الزجاجات الحارقة أو العبوات البدائية – مستعدين للتضحية بأنفسهم. قادة الجيش والدولة في اسرائيل معنيين بأقل عدد من التظاهرات الشعبية والجماهيرية امام الجدار وبأكبر عدد من الصدامات مع الاشخاص الافراد الذين يحاولون اجتياز الجدار، لأن الاخيرين ليسوا سوى "مخربين"، وضد "المخربين" كل الوسائل مسموحة، حتى عندما لا يعرض هؤلاء حياة أحد للخطر.
ولكن القيمة الاضافية في الحقيقة لمن يعتبرون "مخربين" ليست بالنسبة لقتلهم، بل استغلالهم لاغراض الدعاية التي تحرف الانتباه بعيدا عن الواقع – بعيدا عن الاحتلال وعن الحصار الاسرائيلي وعن الخراب الذي زرعته اسرائيل في غزة في عملية "الجرف الصامد" وعن النضال الفلسطيني من اجل الحياة والحرية – وتضعه مع اعمال التخريب أو حتى بهدف تنفيذها، والتركيز على الضحية الاسرائيلية المعروضة بصورة عكسية كمدافعة في وجه من جاءوا لقتلها.
يبدو حقا أن دعاية التحريض الاسرائيلية وصلت في هذه المرة الى ذروة جديدة من النذالة والخبث (كم هو مؤسف أن وسائل الاعلام تواصل وضع نفسها في خدمة آلة الكذب العسكرية – السياسية)، لكن الاسلوب نفسه ليس جديدا. على مدى عشرات السنين كان الدمج الناجح من جهة اسرائيل هو التنكر للاحتلال والنضال الفلسطيني من اجل الاستقلال من خلال جهد مستمر لدفع الفلسطينيين نحو الكفاح المسلح والمواجهة العسكرية. في الحرب السياسية والاخلاقية اسرائيل لا تستطيع أن تنتصر طالما تستمر في الاحتلال، في حين أنها في المسار العسكري فمن المضمون أن تبقى القوة المنتصرة دائما.
الحالة الوحيدة التي استطاع فيها الفلسطينيون التغلب على الاستراتيجية الاسرائيلية التي تتمثل بالتنكر للاحتلال ودفع الفلسطينيين الى مواجهة مسلحة، كانت الانتفاضة الاولى – الانتفاضة الشعبية غير المسلحة الكبرى التي قام بها سكان الضفة وغزة ضد سلطات الاحتلال – التي تشكل علامة فارقة في التاريخ الفلسطيني وتاريخ النزاع. المستوى العالي من التنظيم والتكتل، التواصل والرسالة السياسية الحادة والواضحة للانتفاضة، هزت المجتمع الاسرائيلي  وحققت للحركة الوطنية الفلسطينية انجازات غير مسبوقة في الساحة الدولية والاقليمية. المقام هنا لا يتسع للتحدث عن المسألة المطلوبة: لماذا لم تؤد هذه الانجازات في حينه الى انهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية مستقلة، خاصة ازاء خطة السلام الشاملة التي عرضتها (م.ت.ف) في تشرين الثاني 1988، التي في اطارها اعلنت المنظمة موافقتها على حل الدولتين. الامر الواضح هو أنه منذ ازمة خطة اوسلو وفشل قمة كامب ديفيد، اذا لم يكن قبل ذلك، فان اسرائيل لم توفر أي جهد عنيف من اجل احباط تحول السلطة الفلسطينية الى دولة مستقلة في الضفة والقطاع. الى جانب الوسائل التي تهدف الى منع احتمالية سيادة ووجود – فان توسيع السيطرة على اراضي الضفة والمستوطنات فيها، فصل سكان الضفة في جيوب عديمة التواصل، حصار خانق على قطاع غزة – اسرائيل تعمل على منع، بكل ثمن، تكرار التمرد الفلسطيني المدني الشامل، لكونه الامر الوحيد (باستثناء تسوية مفروضة) الذي من شأنه أن يهدد استمرار الاحتلال.
من اجل تجسيد هذا المفهوم كرد على تظاهرات الاحتجاج الجماهيرية في الاسابيع الاولى من الانتفاضة الثانية، كانت هناك تداعيات حاسمة على العقود القادمة. في البداية كانت تلك ضربة نار لم يعرف مثلها حتى ذلك الحين – "مليون رصاصة في تشرين الاول" – تم اطلاقها على المتظاهرين، اغلبيتهم غير مسلحين، وأسقطت مئات الشهداء وآلاف الجرحى. بعد ذلك (من بداية تشرين الثاني 2000) تم استخدام سياسة "التصفيات" التي وجهت في المرحلة الاولى الى زعماء ورجال اجهزة حركة فتح، هذا التصعيد مهد الطريق للنتيجة المرجوة. التظاهرات الجماهيرية تلاشت، في المقابل سجلت عسكرة متزايدة للانتفاضة في المناطق وبعد ذلك الانتقال الى تنفيذ العمليات "الارهابية" داخل اسرائيل. على المدى البعيد هذه التطورات كانت حبلى بالكارثة بالنسبة للفلسطينيين، وخدمت بشكل جيد اسرائيل لأنها منحتها فرصة لتثبيت السيطرة السالبة والممزقة للاحتلال.
منذ اعادة احتلال مدن الضفة في 2002 واسرائيل تضطهد بصورة مستمرة وبقوة شديدة كل مظهر من مظاهر المقاومة الشعبية، حتى لو كانت محلية: لذلك الجيش يقوم باطلاق النار الحية على متظاهرين غير مسلحين موجودين في اراضيهم، ويطارد بشدة نشطاء النضال غير العنيف في القرى التي تم سلب اراضيها (انظروا حادثة عائلة التميمي) ويهاجم كل ليلة المدن والقرى ومخيمات اللاجئين، ويقوم باعتقال وسجن الكثيرين (في كل شهر يتم اعتقال 500 شخص تقريبا)، ويضع زعماء سياسيين في الاعتقال الاداري.
لا يجب الاستنتاج من ذلك بأنه لولا تصعيد استخدام القوة من قبل اسرائيل كان سيتطور تمرد مدني في المناطق. كما تعلمنا تجربة الانتفاضة الاولى، فان تطور موجة احتجاج وتحولها الى انتفاضة شعبية شاملة مشروط أولا وقبل كل شيء بقدرات الفلسطينيين. ضعف السلطة ازاء فشل عملية اوسلو، غياب (م.ت.ف) ومؤسساتها، المواجهة بين فتح وحماس والانقسام، تستمر في المس بالقدرة على بناء البنى التحتية التنظيمية الضرورية لتحريك تمرد كهذا وتوجيهه الى الهدف السياسي المأمول.
د. ناصر اللحام، المحرر الرئيس لوكالة "معا" اشار في مقال نشره في 1 نيسان الى ثلاث عقبات تقف في طريق مسيرات غزة وتمنع تحولها الى ثورة سلمية: الاولى، غياب قيادة ممثلة ذات صلاحيات للانتفاضة المدنية، التي يجب أن تكون متميزة تماما عن المقاومة المسلحة وقيادتها. الثانية، غياب هدف ورسالة سياسية واضحة وقابلة للتحقق. الثالثة، غياب التعاون بين القيادات السياسية، طالما أن التنظيمات السياسية المختلفة تحارب بعضها من اجل جني ثمار النضال الشعبي، فان الجمهور والنضال سيخرجان خاسرين.
الطريق ما زالت طويلة. يجب علينا الأمل بأن يجد الفلسطينيون لديهم الشجاعة والحكمة من اجل التغلب على هذه التحديات التي تواجههم.