الحساب الاخير لـ "صالح" هو النكبة
هآرتس - عمري بن يهودا

"صالح" هو مسلسل ملحمي، لأنه من جهة يتحدث عن "اللاقصة" – عما حاولنا ألا نعرفه. ومن جهة اخرى يتحدث عن "القصة" – اقامة المعجزة المسماة "دولة اسرائيل". في نفس الوقت، مثلما هي الحال في كل ملحمة، هي تغطي صدمة اخرى موازية: النكبة الفلسطينية.
"صالح" يواجه الضحايا مع من تسببوا بوضعهم. المخرج دافيد درعي نجح في تجميع شهادات من الضحايا المسنين وحتى من أحد المسؤولين عن ذلك، البروفيسور اليشع افرات. بقرار اخراج لامع آخر احضر درعي محاضر لجان التخطيط والتفكير لبلدات التطوير من يارون لندن، الذي يستحق جائزة على قراءاته. هذا عناق من العناقات الهامة في تاريخ السينما الاسرائيلية، وكذلك بسبب شخصية يارون لندن المتماثلة مع مؤسسة النخبة – موضوع الانتقاد للمسلسل.
في "صالح" التجربة هي قبل كل شيء مدوية: الصوت العميق والبري للبروفيسور المسن الذي نجا من الكارثة، يتواجه مع الاصوات العالية اللطيفة لدرعي ووالده. اصوات المهاجرين الغرباء، ذوي اللغة الفرنسية أو العربية تتم مواجهتها مع الصوت الرسمي ليارون لندن، الذي ينجح في أن يبعث الروح في المحاضر، على الطموحات العظيمة الكامنة فيها، للرجال الذين اقاموا الدولة وقرروا مصيرها. البروفيسور افرات ودرعي هما مثالين للأبوة والبطولة من ذلك الجيل: الاول، حسب المحاضر، يعبر عن زخم العمل للانسان النتشوي، بكلام قاطع وبصورة حاسمة غير محتملة. الثاني يعبر عن يهودية الشتات بعبرية انيقة ومتحفظة.
"صالح" هو مثال مفيد للاستشراق حسب مقاربة ادوارد سعيد: طريقة تعلم الغرب للشرق، هي في الاساس تخلقه منذ البداية. الطريقة التي يتم فيها احضار المحاضر الى اولاد المهاجرين هي نموذج للحديث النظري: "ليس لديهم قدرة على التجريد"، "التعليم غير متجذر في روحهم"، وجواهر اخرى مثل هذه تدلل قبل كل شيء على من كتبوها. في كل مقولة كهذه فان الشرقي يعتبر موضوع تعليم مختلف وأقل ممن يصفه، الذي بنفسه يتحول الى خبير.
لكن اللحظة العظيمة في المسلسل هي التي فيها شهادات الضحايا تتم مواجهتها مع المحاضر. في صور مقربة نحن نشاهد مسنين ومسنات يشاهدون يارون لندن. هذه المشاهدة المزدوجة صادمة لأنها تحتوي على موقف اخلاقي مزدوج من الشهادات: الشهود انفسهم ومقابلهم نحن المشاهدون. هذا المشهد يظهر في نهاية فيلم "صالح"، والذروة هي رد احدى الحفيدات، هيلا شلومي، التي تفهم أن حياتها تغيرت في هذه اللحظة. هذا الفهم واضح: قصة اقامة اسرائيل ليس فقط نقية وبطولية، بل ايضا ساخرة وظالمة، واذا كان الصهاينة قد استطاعوا أن يتعاملوا بهذا الشكل مع اليهود، فانهم بالاحرى استطاعوا التعامل بهذا الشكل ايضا مع من اعتبروا أعداء لدودين – العرب.
شيء واحد بقي في الظلمة في رواية "صالح"، وهو الدافعية في اساس اقامة بلدات التطوير: توطين المناطق الحدودية الحساسة لاسرائيل. رغم وجود تطرق في المسلسل لهذا، وكذلك ايضا لازمة اللاجئين الفلسطينيين، فان العلاقة بين الشرقيين وفلسطين تقريبا غير موجودة. الفدائيون – كلمة ذكرت بضع مرات – نفس هؤلاء اللاجئين الذين حاولوا اجتياز الحدود والتسلل الى داخل حدود اسرائيل من اجل العودة الى بيوتهم التي تركوها، كانوا يشكلون نقطة احتكاك صادمة للمهاجرين الذين جاءوا للتو وتم استخدامهم كحاجز بينهم وبين الداخل الاسرائيلي. الفدائيون الذين يسمون متسللين، نجحوا في التملص احيانا من القوات الامنية وتنفيذ عمليات ارهابية واحيانا ايضا مجرد زاروا وطنهم وبيوتهم المهجورة وعادوا مرة اخرى من حيث جاءوا.
كما يظهر في الفصل الرابع من "صالح" فان بلدات التطوير هي المسؤولة عن تحويل اسرائيل الى دولة صناعية بفضل المصانع التي انشئت فيها وقوة العمل الرخيصة التي وفرتها. احدى هذه البلدات هي ديمونة، المسؤولة عن قوة اسرائيل النووية (حسب مصادر اجنبية) والتي ضمنت التفوق العسكري. البلدات بالتالي اكملت قيام الدولة وتسببت في أن تصبح أزمة اللاجئين الفلسطينيين أزمة دائمة وتامة.
لكن بالطبع هنا توجد علاقة مهمة بين صدمة الشرقيين والنكبة: خلافا للصدمة التأسيسية للكارثة، التي سبق أن انتهت (الجرح بالتأكيد ما زال نازفا، لكن لا يمكن الادعاء بأن الالمان يضطهدون اليهود اليوم)، بل ازمتان ولدتا قبل سبعين سنة، لكنهما مستمرتان حتى اليوم، سواء بحرمان اشخاص من بيوتهم (فلسطينيون وشرقيون) أو الحفاظ على الوضع الراهن.
اللاجئون ظلوا لاجئين، والأسرى – نفس القوة الفاصلة التي تحافظ على اسرائيل – ظلوا أسرى، العملية متوازية بالضبط مثل صورة مرآة: اسرائيل اخرجت من داخلها العرب من اجل أن تدخل اليها عرب جدد، يهود، وحينها حرصت على اخراج من اوساطهم عروبتهم. إن استشراق المؤسسة السياسية هو جزء اساسي في صدمة الشرقيين الذين اضطروا الى فقدان لغتهم الأم وأن يلفظوا من داخلهم انفسهم. هذا الامر تقريبا لا يتم الحديث عنه في المسلسل.
الشاعر افوت يشورون صاغ بصورة موجزة موقف الشاهد على الصدمة، عندما ربط الكارثة والنكبة معا: "مباشرة ينظران الى وجه بعضهما". هذه الصيغة القوية تحتوي على الامر الاخلاقي في الوجه والنظرة، اللذان يحولان الآخر الى من لا يمكن تجاهله (هكذا ايضا في فلسفة عمانويل لويس).
في مقال حول الردود على المسلسل نسيت نيراف الوش لبرون رد واحد: "لمن سيظهر التماثل مع الضحايا" ("هآرتس"، 5/4)، رد يرفعهم ويحولهم الى فلوكلور (كما تميل أن تفعل ميري ريغف، التي خطأ تنسب اليهم سذاجة وسلبية). رد كهذا من جانب الاشكناز أو الشرقيين من شأنه أن يؤدي الى تماثل أو وطنية، ويضيع اللحظة الصادمة التي توجد في اللقاء مع صدمة الآخر مع نقيضه.
ايضا في كلمة "اصلاح" هناك استخفاف بالضحايا ومحاولة لحرمانهم من أن يكونوا جزء من رواية الانبعاث القومي. في المفهوم الذي صكه مؤرخ الكارثة دومنيك لا كابرا، "صدمة عاطفية" أو عاطفة غير مريحة، هو يعبر عما فهمته هيلا شلومي عبر تاريخ عائلتها: لقاءها مع الآخر – كل واحد يختلف عني، لهذا لا يمكن من التماثل معه – ايضا الذاتي واجه صدمة ولا يستطيع التحصن بوقوفه كـ أنا، وكذلك ليس كشرقي.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد