عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 30 نيسان 2018

أزمة هوية

معاريف – ران أدليست

ببطء ولكن بثبات تدخل دولة اسرائيل في سنتها السبعين الى الواقع في المسألتين الاساسيتين للهوية، الديمغرافيا والاراضي (او الحدود). فالوجود المادي مضمون، رغم أحداث ايار القريب (النكبة، نقل السفارة والاتفاق النووي) ورغم صافرات التخويف التي يطلقها نتنياهو وشركاؤه. هكذا بحيث يمكن أن نفحص بشكل بارد وبالحقائق المسألتين الاساسيتين اللتين تشككان بالوجود الوطني. فلنفهم: الوجود المادي لا يضمن دولة يهودية، بل يضمن فقط حماية لليهود وطقوسهم في الدولة التي ستنشـأ هنا. وعليه فان المسألتين الاساسيتين، الاراضي والديمغرافيا، تستوجبان حسما عاجلا للغاية. بين دولتين، يهودية وفلسطينية غدا، او دولة واحدة ثنائية القومية بعد غد.

دولة واحدة بين النهر والبحر موجودة منذ اليوم، غير أنها ليست ثنائية القومية. هي دولة أبرتهايد. فالاحتجاز بالتهديد وبالعنف لملايين بني البشر دون الحق في تقرير المصير بينما تدعمهم الاغلبية الساحقة من العالم، هو مسألة مؤقتة. فلا خلاف على أنه لا يمكن تسويف زمن الابرتهايد دون أن يغير تماما وبعنف وجه اسرائيل، من دولة يهودية في الطريق الى دولة كل مواطنيها. وآمل ألا يفكر اي شخص نصف سوي العقل وربما اخلاقي او يريد أن يواصل في ذلك الى أن تأكلنا نحن ايضا الحراب الى الابد.

كلما كان الزمن في الطريق الى التسوية هو سنة، 10 أو 20، فان النسيج الديمقراطي لاسرائيل يتآكل عقب طالبانية متسارعة واحتياجات امن تستوجب أجواء ووسائل دولة في حصار. هكذا الى أن يكون عدد الضحايا في حدث عنيف على نحو خاص، ضغط دولي وتنكر الاسرائيليين ممن لم يتم اصطيادهم في شبكة التحريض القومية – الدينية، تتسبب بالتحول.

حتى ذلك الحين، فان ما يعمل بنجاعة ضد سياسة الحكومة هو الديمغرافيا. في اسرائيل يعيش اليوم نحو 6.5 مليون يهودي. فقد عرض مندوب الادارة المدنية قبل نحو شهر في لجنة الخارجية والامن معطيات يفهم منها بانه بين النهر والبحر يوجد عرب أكثر مما يوجد يهود. في الضفة وفي غزة يعيش اليوم 5 مليون فلسطيني. في اسرائيل يوجد 1.8 مليون عربي. وحسب معطيات السلطة الفلسطينية، في العام 2020 سيكون بين النهر والبحر نحو 6.06 مليون يهود و 7.12 مليون عربي في اسرائيل، في الضفة وفي قطاع غزة. اي اغلبية فلسطينية بين النهر والبحر. اما البروفيسور سيرجيو دي لا فروغلا من الجامعة العبرية فقد ادعى منذ قبل سنتين بان الاغلبية اليهودية بين النهر والبحر تبلغ 52 في المئة. وكيفما تلعب بالاعداد، سيصل الفلسطينيون الى اغلبية بين البحر والنهر. وكيفما تسليت في ترسيم خطوط الحدود بين المستوطنات والبلدات الفلسطينية، فان الواقع سيفرض على الناس الذين يعيشون في محيط واحد ان يكونوا ملزمين بذات قوانين الحركة وباقي القوانين من اجل البقاء والتسهيل على الحياة.

من يفهم بان هذا هو اتجاه التاريخ هم اولئك الذين يعرفون بان هذا الواقع سيصفي مشروعهم وقتهم ونفوذهم: المستوطنون والمتعاونون معهم. فعلى مدى السنين يديرون لعبة ضغط على كل ملعب كي يدفعوا الفلسطينيين الى الهجرة. هذا لم ينجح بمستوى يغير الديمغرافيا. ومن هنا لاحقا تلقى الى الهواء انواع من المبادرات، كل واحدة منفلتة العقال وخيالية اكثر من رفيقتها. وزير الشتات نفتالي بينيت شكل لجنة قررت بانه يوجد نحو 60 مليون شخص في العالم ذوو صلة باليهودية او باسرائيل، وانه توجد طوائف في اوساطهم يمكن فحص هجرتهم الى البلاد وتهويدهم. "رفعت اللجنة الى الحكومة تقريرا اجماليا تدعو فيه الى وضع خريطة للطوائف ذات الصلة باسرائيل، وغرس مضامين فيها ترتبط بالدولة وباليهودية وتأطير صيغة وصول الى اسرائيل لغرض تهويد الافراد، الجماعات والجاليات التي توجد ملائمة لذلك". وحسب اللجنة فان هذه "فرصة استراتيجية غير مسبوقة". وفي واقع الامر ما الضير؟ فان الجميع هنا سيخرجون رابحين.

في هذه الاثناء الى أن ينتصر كل اليهود من الهند وحتى كوش على الديمغرافيا، ينبغي تنفيذ عدة نشاطات على المستوى المحلي. بعضها، من ناحية الرجال على الاقل، ممتعة جدا مثل فريضة تكاثروا، ولكن يتبين بان الواقع المسمى تقدم يتجاهل الفريضة ايضا. فحتى في الوسط الاصولي، الذي كان يفترض به أن يتصدر الاحصاءات، يوجد ميل هبوط.

ما يجلبنا الى المفتاح الثاني الذي تقف اسرائيل امامه في النزاع، وهو الاراضي والحدود. فبعد أن ضاقت عليهم السبل، وفهموا بان الضم معناه الهزيمة الديمغرافية، لا يزالون يحاولون هناك احداث المعجزات مثل مشروع قانون كيش وسموتريتش. ليس ضم كل المناطق، بل فقط ضم المستوطنات: "القانون، الحكم، الادارة والسيادة لدولة اسرائيل تنطبق على كل مجالات الاستيطان في يهودا والسامرة"، كما يقترح القانون الذي رفع الى القراءة الاولى. ولا يوجد هناك بالطبع تفصيل لمناطق المستوطنات.

بالاساس هذا شيء ما باسلوب تأخير المخططات الهيكلية للدولة بالنسبة للوسط العربي نفسه. حين تفيض القرى والمدن لعرب اسرائيل على ضفافها وتسلل الى البلدات اليهودية. في المدن المختلطة هذا يمر بصمت. العرب واليهود يسكنون في حيفا وفي الناصرة. العرب يسكنون في بلدات منعزلة هم سبب للاحتفال الذي ترقص فيه الوطنية المتطرفة، العنصرية والمخاوف. سيون يحيئيلي، رئيس المجلس المحلي في كفار فرديم، الغى عطاءات لبيع الاراضي لوحدات السكن. فقد تبين بان نصف الفائزين هم عرب. قد كتب لسكانه يقول، محقا "مسألة تحويل بلدات اقيمت كيهودية الى بلدات مع سكان مختلطين بهذا المستوى والحجم هذا او ذاك، ليست مسألة خاصة بكفار فرديم". ما يذكرنا جميعا بالحقيقة المريرة: كلما هربنا من واقع حياتنا، هكذا يعود الينا كالسهم المرتد.

ولعلم كل يعيش في فقاعة (كلنا تقريبا): مساحة الحكم لعموم السلطات المحلية العربية هل بالكاد 2.5 في المئة من مساحة الدولة، ومواطنو اسرائيل العرب هم نحو 20 الف. فالاكتظ السكاني في البلدات العربية اكبر بـ 11 ضعف منه في البلدات اليهودية. ومنذ اقامة الدولة فم تنشأ اي بلدة عربية (باستثناء للبدو، في النقب)، مقابل نحو 800 بلدة يهودية. تمييز؟ ام التمييزات. والاسوأ: الوعود العابثة. مثل اقامة مدينة عربية خطط لها في العام 2000، تقررت في جلسة حكومية في 2008، واعلن عنها بصخب في 2014. "اقامة البلدة"، كما كتب في التقرير الذي رفع الى الحكومة، هي رسالة للسكان العرب بانه لا تقام بلدات جديدة فقط لليهود بل وللعرب ايضا. اما اسم المدينة بالعربية فهو خرطة. وبالعبرية برطة (خرطة برطة هو اصطلاح يستخدم للتعبير عما هو خدعة وزيف.