عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 25 نيسان 2018

في الحقيقة.. الاعلان عن الدولة لم يهمني

هآرتس – أوري افنيري

قبل بضعة ايام احتفلت اسرائيل بعيد ميلادها السبعين، خلال ايام متواصلة لم اسمع عن أي شيء آخر، فقط خطابات لا تعد ولا تحصى، مليئة بالاقوال الفارغة واحتفال كبير من الفن الهابط الذي وصل الى الذروة بعرض ميري ريغف الطفولي.

الجميع يوافقون على أن تلك كانت لحظة تاريخية، مثلما قام بن غوريون في قاعة صغيرة في تل ابيب واعلن عن اقامة الدولة. كل من عاش في ذلك الوقت سئل أين كنت في تلك اللحظة؟ ما الذي شعرت به عندما طرق التاريخ بابك؟.

اجل، أنا كنت هناك، أنا اشهد بأنني لم أشعر بأي شيء.

كنت جنديا في الجيش الجديد، الذي لم تتم تسميته بعد جيش الدفاع الاسرائيلي. وحدتي اقامت معسكر صغير للخيام في خلدا. كان علينا ان نهاجم في الليل القباب، قرية قرب الرملة. لقد توقعوا معارضة شديدة، وكنا مشغولين بالاستعداد للمعركة، عندما جاء شخص يركض الينا وقال "بسرعة! بن غوريون يعلن في غرفة الطعام عن اقامة الدولة!". في غرفة الطعام في الكيبوتس كان يوجد جهاز راديو، الوحيد في المنطقة، الجميع ركضوا الى هناك وكذلك أنا.

للحقيقة، فان الاعلان عن الدولة لم يهمني. فقد كنا في وسط حرب قاسية – قاسية للطرفين – وعرفنا أن الحرب هي التي ستحسم في نهاية المطاف اذا كانت ستكون دولة أم لا. اذا انتصرنا ستكون دولة واذا هزمنا فلن تكون دولة، وحتى نحن لن نكون موجودين. أي خطاب سياسي في تل ابيب لن يغير شيئا. لكن كان لدي حب استطلاع بشأن موضوع واحد: ماذا سيكون اسم الدولة الجديدة؟ كان هناك اقتراحات كثيرة وأنا اردت معرفة أي اسم تم اختياره في نهاية المطاف. عندما سمعت اسم "اسرائيل" خرجت من غرفة الطعام وعدت لتنظيف بندقيتي.

بالمناسبة، المعركة القاسية لم تحدث. عندما هاجمنا القرية من جهتين، هرب السكان. دخلنا الى بيوت فارغة، الطعام كان موجود على الطاولات وكان لا يزال ساخنا. لم يسمح للسكان بالعودة في أي يوم من الايام. في ذلك المكان اقيمت مستوطنة باسم مشمار ايلون. في صباح اليوم التالي تم نقل سريتي (سرية ب، لواء 54، جفعاتي) الى الجنوب، الجيش المصري قام بغزو البلاد والقيت علينا مهمة وقفه قبل وصوله الى تل ابيب، لكن هذه قصة اخرى.

بن غوريون الذي سمعته في ذلك اليوم في راديو الكيبوتس، تحول منذ ذلك الوقت الى البطل القومي لكل الاوقات، الرجل الذي اقام دولة اسرائيل.

في الاسبوع الماضي بث في التلفاز فيلم وثائقي عنه. المخرج هو رفيف دروكر، الصحفي الممتاز. وقد اظهر في فيلمه بن غوريون كما كان حقا، بسلبياته وايجابياته. بالمقارنة معه فان من جاء بعده في مكتب رئيس الحكومة كانوا من الدرجة الثانية، ولا نريد ذكر الساكن الحالي.

كان ذاك بن غوريون الذي اتخذ قرار اقامة الدولة في لحظة، فيها آخر الحكام البريطانيين خرج من البلاد، واربعة جيوش عربية كانت مستعدة للدخول اليها. اصدقاء بن غوريون خافوا، وكانت حاجة لدفعهم. في الحقيقة، لا اظن أن القرار كان مهما جدا. لو تم تأخيره لبضعة اشهر لما كان ذلك سيغير في الامر شيئا. بعد انتصارنا في الحرب كان يمكننا الاعلان عن اقامة الدولة في أي وقت نشاء.

فيلم دروكر دقيق في معظمه، لكن ليس عندما يظهر جمهور تل ابيب وهو يهتف في الميادين والشوارع لصالح الاعلان عن الدولة. هذا التزييف تم عرضه مرات كثيرة، الى درجة أنه يمكن العفو عن دروكر على أنه صدقه. الحقيقة هي أن الجمهور المصور هتف لقرار الامم المتحدة في تشرين الثاني 1947 عندما قررت الامم المتحدة تقسيم البلاد بين دولة عربية ودولة يهودية (مع القدس وحدة منفردة). عندما اعلن بن غوريون عن اقامة الدولة في 14 ايار الشوارع كانت فارغة، الشباب كانوا في الجيش وكبار السن كانوا اكثر قلقا من اجل الخروج للهتاف في الشوارع.

في تلك الحرب قتل حوالي 6300 شخص، من بين السكان اليهود الذين كان عددهم حوالي 630 ألف. هذا يشبه وكأنه قتل اليوم 3 ملايين امريكي، كثيرون آخرون اصيبوا، "وأنا المسكين من بينهم". الخسائر في الجانب العربي كانت اكبر بالارقام المطلقة.

بن غوريون تدخل اكثر من مرة خلال الحرب، بعض قراراته كانت خاطئة وكلفت ضحايا كثيرة، مثل الهجوم الزائد اللطرون، كما أنه غير طابع الجيش بصورة اغضبت الكثيرين عندما غير النظام الجيد للبلماخ الى النظام القديم للجيش البريطاني، لكن كل تلك القرارات الجيدة والسيئة كانت هامشية مقابل قراره تحويل الدولة الجديدة الى جزء من الجبهة الغربية ضد العالم العربي. وحسب برخا حباس، كاتبة سيرته الذاتية الاولى، فقد كان يشمئز من العرب ومن الثقافة العربية منذ اللحظة التي وطأت اقدامه ارض يافا. وكرئيس للحكومة قمع الاقلية العربية في الدولة ورفض ترسيم حدودها.

السبب العميق لمقاربته تلك كان في حينه والان ايضا هو الطموح الاساسي للصهيونية باخذ من العرب اراضيهم من اجل ان يقيموا عليها الامة اليهودية الجديدة. الصهاينة لم يعترفوا بذلك في أي يوم، لكن ذلك كان واضحا منذ البداية. كل ورثة بن غوريون (ربما باستثناء اسحق رابين خلال فترة قصيرة، عملوا ويعملون حسب هذا الخط.

ايضا في يوم ميلادها السبعين اسرائيل لا تعترف بحدود رسمية رغم أن لها اتفاقي سلام رسميين مع مصر والاردن، وعلاقات غير رسمية مع دول اخرى. نحن نكره مئات ملايين العرب ومليار ونصف مليار مسلم في العالم، واضافة الى ذلك نحن نوجد في حرب مع كل الشعب الفلسطيني. هذا هو الارث الحقيقي لبن غوريون.

يجب الاعتراف أن بن غوريون كان قائد شجاع رغم انه كان مناهضا صلبا للشيوعية، فانه طلب من ستالين ان يرسل له كميات كبيرة من السلاح الذي ساعدنا في الصمود في حرب الاستقلال. بعد 8 سنوات على الكارثة اخذ الاموال من المانيا لأن الدولة كانت في ازمة شديدة. لقد دخل في مؤامرة سيئة مع فرنسا وبريطانيا لاسقاط اكثر شخص يكرهه وهو جمال عبد الناصر. في النهاية احاط نفسه بشباب طموحين مثل موشيه ديان وتيدي كوليك وبيرس واهود غبرئيل وغيرهم. شركاءه العجائز بدأوا يخافون منه، وبجهد مشترك قاموا بعزله. جهوده لاقامة حزب جديد والعودة الى السلطة لم تنجح. في النهاية صنعنا نوع من السلام ايضا بيننا.

اذا نظرنا اليوم الى كل تاريخه علينا الاعتراف ان تاثيره على دولة اسرائيل الحالية كبير، خيرها وشرها، بن غوريون وضع الخطوط التي تسير عليها الدولة حتى في سنتها الواحد وسبعين.