عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 21 نيسان 2018

الحريديون.. مفتاح مستقبل اسرائيل الديمغرافي

هآرتس – سيرجيو دي لا فرغولا

المكتب المركزي للاحصاء – الجسم رسمي له سمعة واستقلالية لا تشوبها شائبة – نشر مؤخرا عددا جديدا من التوقعات الديمغرافية عن سكان اسرائيل حتى العام 2065. في بداية 2018 يبلغ عدد سكان اسرائيل 8.8 مليون نسمة تقريبا، منهم 6.6 مليون يهودي، 400 ألف أبناء عائلات غير يهودية يسري عليها قانون العودة (أي سكان يهود يبلغ عددهم 7 مليون) و1.8 مليون عربي – بما في ذلك سكان شرقي القدس وهضبة الجولان، والاسرائيليون الذين يعيشون في المستوطنات في الضفة الغربية. العرب سكان الضفة وقطاع غزة غير مشمولين في هذا العدد.

التوقع، بالطبع، ليس نبوءة: هو قراءة للاحداث المعروفة في المجتمع، وهو قراءة لاتجاهات التغيير التي بدأت في الحدوث في نمط العائلة، في مستويات الصحة والهجرة. من اجل دمج تغييرات هامة، التي ما زال لا يمكن توقعها بسهولة، من المعتاد التفكير بعدد من السيناريوهات التي تتضمن هوامش من التغييرات نحو الاعلى أو الاسفل حول الاتجاه المركزي المنطقي. هكذا يكون لدينا مدى من البدائل – مرتفع، متوسط ومنخفض – التي تشير الى مجال معقول لا يمكن أن يحدث في العقود القريبة القادمة. التوقعات الديمغرافية لا تعرض عناصر كارثية أو تدريجية مثل حرب عالمية، أوبئة قاتلة، تصادم مع كواكب اخرى وما اشبه. مثال قريب جدا للاحداث غير المتوقعة كان انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كانت له تداعيات بارزة على العالم اليهودي وعلى كل العالم، لكن هذه الاحداث تملأ بالاساس خيال الكتاب، وفي الواقع هي تحدث بين الفينة والاخرى.

داخل هذه الحدود ووفقا لخيار التطور المتوسط، التوقعات الجديدة حتى العام 2065 تبين أن سكان اسرائيل سيصلون الى علامة فارقة تمثل 10 مليون نسمة في بداية العشرينيات من هذا القرن، أي خلال سنوات قليلة. وستصل الى 15 مليون نسمة في نهاية اربعينيات هذا القرن، والى 20 مليون في الستينيات. هذه المعطيات تهز خبراء البيئة وعلى رأسهم ألون طال من جامعة تل ابيب، الذي في كتابه الاخير "الارض مليئة، مواجهة مع الانفجار السكاني في اسرائيل"، يسأل كيف سيكون بالامكان ايجاد مكان لأشخاص بهذا العدد ويوصي بتقليص دراماتيكي في معدل تكاثر السكان في اسرائيل.

المشكلة معقدة لأن سكان اسرائيل ليسوا متجانسين، هم خليط من مجموعات مختلفة لها صفات ثقافية وديمغرافية مختلفة ومعدلات تكاثر مختلفة. المسارات الديمغرافية اكثر تعقيدا من تدفق المياه في الصنبور، الذي يمكن فتحه واغلاقه. التوقعات الجديدة تبين ان عدد متزايد من السكان اليهود يعبر عن النمو الاسرع للمكون الحريدي. عدد من الحريديين من اجمالي السكان اليهود سيزداد من 14 في المئة في 2015 الى 28 في المئة في 2045، وسيصل الى 40 في المئة في 2065. السكان العرب في اسرائيل سيحافطون على نصيبهم الحالي، حوالي 21 في المئة من اجمالي السكان مع زيادة أقل على المدى البعيد.

اذا نظرنا الى مساحة ارض اسرائيل بين البحر والنهر فإن بحثا اجري في الجامعة العبرية في القدس يشير الى أن عدد السكان سيزداد بسرعة، سواء في جميع المنطقة أو داخل كل واحدة من مكونيها – منطقة دولة اسرائيل ومنطقة السلطة الفلسطينية. في منتصف القرن الواحد والعشرين ربما يتضاعف عدد السكان الحالي، الذي يضم اكثر من 13 مليون نسمة. بنظرة الى الوراء يتبين أن اغلبية يهودية تحققت في كل المنطقة في بداية الخمسينيات من القرن الماضي؛ حتى السبعينيات فان الزيادة في عدد السكان كان اسرع في اوساط اليهود؛ وبعد ذلك الزيادة كانت اكبر في اوساط السكان العرب. هذا الميل يتوقع أن يستمر حتى ثلاثينيات القرن الحالي. بعد ذلك يتوقع نمو بسرعة أقل في اوساط السكان اليهود. هذه العملية الاخيرة تمثل الدور المتوقع للحريديين في اوساط اجمالي يهود اسرائيل.

في العام 2065 اجمالي عدد السكان اليهود في كل المنطقة التي تقع بين البحر والنهر يمكن أن يبلغ 16 مليون نسمة، وعدد السكان العرب 13 مليون. وبالاجمال، يكون في كل المنطقة حوالي 30 مليون نسمة. التوقعات ترتكز الى المعدل المتوسط. ولكن على فرض أن نمو الحريديين يقل تدريجيا نتيجة ازدياد دمجهم في المجتمع وفي سوق العمل فان السكان اليهود جميعهم سينمون بوتيرة ابطأ، والنصيب النسبي للسكان العرب سيزداد وفقا لذلك.

سيكون لهذه الميول تداعيات عميقة على ميزان المجموعات العرقية – الدينية الاساسية داخل اجمالي السكان. على اساس تعريف سكان يهود موسع في حدود دولة اسرائيل مثلما جاء آنفا، حتى النصف الثاني من القرن الواحد والعشرين يتوقع أن تكون اغلبية يهودية تبلغ 80 في المئة، لكن الصورة ستتغير اذا تم دمج المناطق الفلسطينية وسكانها. اذا اضفنا الى دولة اسرائيل كل المنطقة وكل سكان الضفة الغربية، الاغلبية اليهودي ستتقلص الى 60 في المئة، الامر الذي سيحول مفهوم "دولة يهودية وديمقراطية" الى امر فارغ من المضمون عمليا، واذا اضفنا سكان قطاع غزة فان الاغلبية اليهودية ستتقلص الى 50 في المئة، ومشروع الدولة اليهودية سيصل الى نهايته.

كل هذه التوقعات تعكس البديل المتوسط لمكتب الاحصاء المركزي. مع ذلك، اذا فرضنا أن هناك احتمال لتحقق البديل المنخفض في اوساط اليهود الحريديين، فان السكان اليهود يتوقع أن يزداد عددهم بصورة اقل، ولهذا ايضا الاغلبية ستقل وفقا لذلك. الميول الديمغرافية الحالية والمتوقعة سيكون لها تأثير حاسم بالطبع على الطابع الثقافي والاقتصادي والسياسي المستقبلي، لا سيما على التوازن المتبادل بين اسرائيل وفلسطين. التأثيرات المتوقعة للديمغرافيا تقتضي اهتمام رؤساء اسرائيل والمسؤولين عن التخطيط الاستراتيجي.

الحقيقة الجديدة التي تبرز من هذه التوقعات هي الارتباط بين نمو السكان اليهود بشكل عام ونمو السكان الحريديين. اذا زاد عدد الحريديون بصورة أقل فسيقل معدل النمو في السكان اليهود بالاجمال، ونسبة معدل السكان العرب سيزداد وفقا لذلك. في المقابل، الوزن المتزايد للحريديين سيمكن من الحفاظ على التوازن الديمغرافي الحالي، لكنه يثير تساؤلات اخرى: هل يستطيعون الاندماج بصورة افضل في المجتمع وفي اقتصاده وأن يحسنوا مستوى حياتهم عن طريق تحقيق استقلال اكبر وفقر اقل واعتماد على الدعم المجتمعي؟ هل سيقود هذا الى تقليص العائلات الحريدية؟ الامر المؤكد هو أن المفتاح للمستقبل الديمغرافي لاسرائيل موجود في أيدي الحريديين. في ديمغرافيا دولة اسرائيل هناك نوع من التحالف المقدس بين الاجزاء المختلفة من المجتمع اليهودي، والنتيجة في كل الاحوال ستكون مجتمع اسرائيلي مختلف تماما في منتصف القرن الواحد والعشرين.