الكابوس الاسرائيلي
هآرتس - حيمي شليف

للمرة الاولى منذ فترة طويلة عاد النزاع الاسرائيلي الفلسطيني ليحتل مكانا مركزيا في تقارير وسائل الاعلام الدولية. متحدثون اسرائيليون عرضوا بينات لمحاولات تخريبية بغطاء احتجاج مدني. وحماس نفسها اعترفت بأن نشطاء ذراعها العسكري كانوا مشاركين، لكن من يشكلون الرأي العام في الغرب فضلوا الفيلم القصير للشاب الفلسطيني الذي أطلقت النار على ظهره، وتبني رواية سكان غزة المتظاهرين ضد قمعهم وعزلهم. 15 فلسطينيا قتلوا، المئات اصيبوا، والجدار لم يتم اقتحامه، لكن في الحروب الاعلامية حماس خرجت منتصرة.
الاستمرار يرتبط اساسا بالتنظيم. طالما أن حماس تستطيع مواصلة مسيرة المليون، كما سمتها، وطالما أنها تستطيع التمييز بينها وبين اعمال العنف. اذا لم يجد الجيش الاسرائيلي السبيل لصد الانقضاض على الجدار دون التسبب بخسائر كبيرة جدا، فإن وضع اسرائيل سيسوء وبمتوالية هندسية. احداث يوم الجمعة صحيح أنها ستنسى بسرعة اذا بقيت حالة منعزلة، لكن عودتها في الاسابيع الستة المتبقية حتى احياء يوم النكبة ستفرض على المجتمع الدولي اعادة الاهتمام بالنزاع – حتى لو لم يكن معنيا بذلك في هذه الاثناء. الانتقاد والضغط على حكومة بنيامين نتنياهو التي اختفت مؤخرا ستتجدد بكامل القوة.
الافتراض الاساسي في الجانب الاسرائيلي هو أن حماس لاسبابها الخاصة غير قادرة على التنازل عن الكفاح المسلح ولو بصورة مؤقتة وتكتيكية. اذا كان الامر كذلك فان الضائقة الاسرائيلية ستنقضي والمنظمة ستفقد بسرعة افضليتها التي حققتها في نهاية الاسبوع. اذا تبين أن هذا المفهوم هو مفهوم خاطئ، وفي المقابل ظهرت حماس كمنظمة لديها انضباط تكتيكي وقدرة على ضبط النفس فذلك من شأنه أن يجسد الكابوس الاكبر للدعاية الاسرائيلية منذ الأزل: احتجاج فلسطيني جماهيري غير عنيف يفرض على الجيش الاسرائيلي قتل وجرح مدنيين غير مسلحين. إن الشبه بمهاتما غاندي وجنوب افريقيا وحتى نضال السود من اجل المساواة في الولايات المتحدة، مهما كان مدحوضا وسطحيا، سيؤطر في النهاية المرحلة الجديدة في النضال الفلسطيني.
إن الوقوف السريع للادارة الاميركية الى جانب اسرائيل، مثلما وجد تعبيره في تغريدة المبعوث غرينبلاط عشية العيد ضد "المسيرة المعادية" التي كلها نتيجة لتحريض حماس، يشير كما يبدو الى تغيير ايجابي من ناحية اسرائيل في تناسب علاقات القوى الدولي. خلافا لادارة دونالد ترامب فإن باراك اوباما كان بالتأكيد سيتستخدم لغة انتقادية اكثر ازاء الاحداث، حتى أنه كان سيجري مشاورات مع الدول الاوروبية حول رد سياسي مناسب. في اسرائيل يباركون الانقلاب السياسي ونتنياهو يكثر من التفاخر به، لكن من شأنه أن يتكشف ايضا كسلاح ذو حدين، فقط سيزيد من خطورة الوضع.
ترامب هو احد الرؤساء الاميركيين المكروهين في التاريخ الحديث، اذا لم يكن الاكثر كرها، على الرأي العام الغربي بشكل عام وفي اوساط الليبراليين في الولايات المتحدة بشكل خاص. وبكونه اعترف بالقدس عاصمة لاسرائيل وينوي في شهر ايار المقبل نقل السفارة الاميركية اليها، فانه يعتبر نفسه كمن يساهم في ازمة الفلسطينيين. طالما أن اسرائيل لا تثير أي ضجة ولا تحتل العناوين السلبية، فان الصداقة الرائعة والحميمية لها مع ادارة ترامب تسبب لها ضرر هامشي فقط. لكن في وقت الازمة ربما ستتكشف كأنها معانقة الانتقاد الذي كان موجها نحو اسرائيل على كل الاحوال، ستتم تغذيته عن طريق العداء الكبير لترامب والرغبة في معاقبة العزيزين عليه. كلما دافعت ادارة ترامب بتحمس عن نشاطات اسرائيل غير الشعبية فسيزداد ميل الكثيرين، ومنهم ديمقراطيون، لرؤيته هو ونتنياهو نفس الشيء، مرفوض وجدير بالادانة. الدعم الاميركي بالتأكيد يعزز تصميم نتنياهو ووزراءه على عدم الانحراف عن سياسة "اجلس ولا تفعل شيئًا" التي توجهها، سواء بالنسبة للعملية السلمية أو بالنسبة لحصار غزة. معظم الاسرائيليين يعتبرون حماس منظمة ارهابية من كل النواحي، الرد البديهي سيكون أن اسرائيل لا يجب عليها أو أنها لا تستطيع التنازل أو النظر اليها كمن تغير سياستها ردا على العنف والارهاب. في الفترة التي فيها تبدو انتخابات مبكرة، لا تظهر في الافق، الدافع للائتلاف اليميني لنتنياهو للانحراف عن طريقه، وبهذا الاعتراف بالخطأ، هو صغير باضعاف. دعوات اليسار للتحقيق في احداث الجدار ستعيد النزاع بعد الغياب الطويل الى مركز النقاش العام، لكنها ايضا ستمنح نتنياهو ذريعة – ليس لأنه يحتاج اليها – لأن يصرف الانتباه عن التحدي في غزة والمواجهة مع حماس نحو خيانة من يغرسون السكين في الظهر من الداخل.
لكن من يزرع الريح يحصد العاصفة، الشلل الاسرائيلي بخصوص المسألة الفلسطينية والاعتقاد بأنه يمكن الحفاظ على الوضع الراهن الى الابد هو الذي يمهد الطريق للانتصار الدعائي لحماس وهو الذي يمنح المنظمة الفرصة لاخذ المبادرة ورؤية الضوء في نهاية الانفاق التي دمرها الجيش الاسرائيلي.
حقيقة ان اسرائيل استعدت لوضع فيه منظمة "ارهابية" معروفة تسعى الى تدمير اسرائيل قادرة على هزيمتها في الساحة الاعلامية وعرضها كأمة محتلة يدها خفيفة على الزناد تشكل فشل ذريع، ستزداد تداعياته طالما أن نتنياهو وحكومته فضلوا التمترس خلف أحقيتها.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد