التظاهرات في غزة.. نضال سياسي لكسر الحصار
هآرتس - عميره هاس

قمع نضال من اجل حقوق وطنية ومساواة ليس علم دقيق. فبعد سبعين سنة من المحاولات لا يمكن معرفة هل قتل متظاهرين غير مسلحين لم يشكلوا خطرا على أي جندي اسرائيلي، سيردع أو يقلص عدد المتظاهرين في الاسابيع المقبلة، أو سيعمل العكس بالضبط. حتى سبعين أو خمسين سنة من محاولات القمع لا تكفي من اجل تنازل الجيش والمستوى السياسي عن عرض الفلسطينيين كدمى لحماس اليوم. عشرات آلاف الناس غير المسلحين (حتى لو أن عددا منهم محسوب على اجهزة امنية ما) لا يختارون المشاركة في تظاهرة جماهيرية، رغم تهديدات اسرائيل، لأنهم يخضعون لخدعة محكمة لحماس. اذا كانت القيادة العسكرية والسياسية في اسرائيل تفضل عرض هذا في الساحة الداخلية لاسباب خاصة بها، فهي تظهر بذلك استخفافها بالجمهور الاسرائيلي. واذا كانت بالفعل تعتقد ذلك فان هذا يشكل انعدام مزمن لفهم الواقع ويميز الانظمة والحكام غير المنتخبين.
كعادة المبادرات الى انشطة جماهيرية، تصعب معرفة كيف تم التفكير بمسيرة العودة: عدد من المبادرين اليها هم من ابناء الجيل الشاب المحسوبين على المنظمات السياسية المعادية، لكنهم غاضبون من عدم التقدم بسبب النزاعات الداخلية. عدد منهم راكم التجربة في تنظيم نشاطات ضد الانقسام الداخلي الفلسطيني في 2011، واكتشفوا أن هذا لا يكفي من اجل احداث الزخم. المنظمات السياسية – حماس وفتح والمنظمات الاصغر ايضا – تبنت المبادرة، هذه ليست مناورة، بل هي فهم سياسي. الموعيد التي تم اختيارها ليست نتيجة ألاعيب ساخرة. يوم الارض الذي يحيي ذكرى قتل مواطنين فلسطينيين من عرب اسرائيل الذين احتجوا على مصادرة اراضيهم، تحول الى يوم وطني يوحد الفلسطينيين دون صلة بالاسلاك الشائكة التي تفصلهم أو جوازات السفر التي تميز بينهم. الألم على فقدان الوطن في 1948 ليس تظاهرا. اختيار نشاط يستمر ستة اسابيع قرب الجدار الامني هو محاولة سياسية لاختراق الحصار الخارجي الذي فرضته اسرائيل واختراق الحصار الداخلي ايضا.
الوطنية الفلسطينية ليست هي التي ماتت (كما كتب في اسرائيل). المجتمع الفلسطيني الذي كره الانقسام السياسي مليء بالمبادرات والنشاطات. هذه المبادرات تتلمس وتبحث عن شيء ما جديد يكسر الاسوار المادية والعقلية التي تفصل بين اجزائه المختلفة من خلال الاستناد الى مكونات الهوية الوطنية المقبولة على الجميع. هكذا يجب علينا رؤية مسيرة العودة ايضا في هذه السنة. سواء استمر قمعها القاتل ونجح أو لم ينجح.
الاختيار الاسرائيلي للوسائل القاتلة لقمع نشاط شعبي مدني هو أمر سياسي وليس عسكريا – لوجستيا، رغم اصالة رسالة العودة فإن حكومة اسرائيل والجيش الاسرائيلي لا يخشون من أن تحقيق حق العودة هو الذي يقف الآن على جدول الاعمال. ليس بسبب ذلك أمروا الجنود باطلاق النار من اجل القتل – الاسلوب الذي في المدى القصير والمتوسط هو الاكثر ضمانة في قمع الاحتجاج. مبادرة المسيرة تضعضع استقرار العمود الاساسي في سياسة اسرائيل وخططها لاحباط المشروع الوطني الفلسطيني: فصل قطاع غزة عن باقي اجزاء المجتمع الفلسطيني (في الضفة الغربية وفي اسرائيل). هذا الفصل الذي نفذ تدريجيا على مدى 27 سنة لم يعمل فقط بصورة مباشرة على التدهور الاقتصادي والبيئي الفظيع، بل ايضا عمل على تسهيل خلق واقع حكومتين فلسطينيتين، الذي يخدم بصورة جيدة السياسة الاسرائيلية. المسيرة هي مبادرة اجتماعية – سياسية تحاول تجاوز عائق الحكومتين.
يجب على الجيش الاسرائيلي والمتحدثين باسمه أن يعرفوا كيفية الرد على كل تطور: اذا توقفت تظاهرات مسيرة العودة فهذا الامر سيسجل لصالح اليد الصلبة التي استخدمت في اليوم الاول. واذا استمرت التظاهرات سيقال للاسرائيليين إن اليد التي تم استخدامها كانت كما يبدو لينة جدا. في البداية قيل إن التظاهرة لم تكن هادئة تماما كما صورها المنظمون. حسب الجيش، في عدد من الحالات تم القاء الزجاجات الحارقة وتم وضع عبوات ناسفة واشعال الاطارات وجرت محاولات للاضرار بالجدار واختراقه. هل كل واحد من الـ 15 قتيلا كان مشاركا في هذه النشاطات المتخيلة التي لو أنها نفذت لما شكلت خطرا فوريا على حياة الجنود أو على حياة اسرائيليين آخرين؟ هل كل واحد من الـ 758 مصابا بالنار الحية كان مشاركا في هذه النشاطات المخيلة؟ عندما ستأتي شهادات مفصلة، وربما صور، عن اطلاق النار على ظهور عدد من القتلى والجرحى، وعن اجواء السمو الاحتفالي المدني، الذي ساد في اوساط المشاركين في المسيرة قبل عمليات القتل – ستكون هذه أنباء الأمس.
الجيش يسمح لنفسه بخرق القانون الدولي واطلاق النار على المدنيين غير المسلحين، حتى من اجل قتلهم، لأن المجتمع الاسرائيلي يستقبل ذلك على أنه عملية دفاعية وبديهية، دون البحث عن التفاصيل. ايضا حكومات العالم لا تشكل عائقا رادعا لاسرائيل رغم بعض التنديدات البسيطة. مسيرة العودة اذا استمرت أم لا، جاءت لتقول لاسرائيل والعالم بأن سكان القطاع لا يحتاجون الى المساعدة للمساكين، بل هم جمهور لديه وعي سياسي.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد