محامو الضم والابارتهايد
هآرتس– ميخائيل سفراد

في الوقت الذي يتوجه فيه اهتمام الجمهور الى الرشوة والتحقيقات، فان الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ اسرائيل وازاء تسليم الجمهور الذي لا يمكن وصفه إلا بالتراجيدي، تقود التغيير النموذجي الأكبر منذ احتلال الضفة الغربية في العام 1967: الضم. الضم الحقيقي، القانوني والدائم، ضم بقوة القانون. هذا الامر يتم في الغرف التي تزين جدرانها شهادات العضوية في نقابة المحامين الاسرائيلية، وشهادات تخرج من كليات الحقوق الاسرائيلية. في اماكن العمل غير الجميلة لوزارة "العدل" المحصنة في شرقي القدس، في الغرف المكتظة لأحزاب الائتلاف واللجان البرلمانية في مبنى الكنيست، في المكاتب الفاخرة لقضاة محكمة العدل العليا– في كل هذه الأماكن يجلس افضل المحامين في دولة اسرائيل ويساعدون حكومتها على تنفيذ التغيير واستبدال عقلية الاحتلال والكولونيالية بعقلية الضم والابارتهايد.
تحت ضغط وزيرة قومية لديها رؤية مناوئة لليبرالية بصورة متطرفة، ومستشار قانوني يؤمن بأن وظيفته هي ارضاء الشهوات السياسية للحكومة بأي ثمن، فان المحامين في وزارة "العدل" ووزارة "الدفاع" والجيش يقدمون الاستشارة ويقومون بصياغة اجراءات قانونية مهمتها توسيع سريان الادارة والقضاء الاسرائيليين الى ما وراء الخط الاخضر. هذا التوسيع يتم بصورة تخدم مصالح الأقلية القوية والمحظية في اسرائيل– المستوطنين– على حساب الاغلبية في الضفة الغربية، التي حقوقها المدنية مجمدة منذ خمسة عقود وليس لها صوت وتمثيل في المكان الذي يتم فيه تقرير مستقبلها– الفلسطينيين. إن انتاج هؤلاء المحامين في الفترة الاخيرة يتضمن صياغة مشروع قانون ينقل صلاحية البحث في الاستئنافات ضد قرارات معينة للحكم العسكري في الضفة من محكمة العدل العليا الى المحكمة المركزية في القدس، وكأن الضفة الغربية اصبحت لواء في اسرائيل، وتوجيه المستشار القانوني للحكومة، د. افيحاي مندلبليت، لكل العاملين في الجهاز القضائي الحكومي أن يفحصوا في كل مرة يتم فيها تقديم مشروع قانون حكومي امكانية سريانه على المستوطنين في الضفة.
في المقابل، في "مجلس التشريع"، يوجد محامون آخرون يعملون لصالح اعضاء الائتلاف، يصوغون هم ايضا الضم، وكذلك نتائجهم مدهشة. هكذا أجازت الكنيست قانون المصادرة، الذي اضافة الى كونه قانون ينفذ السلب – عندما يأمر الجيش بمصادرة ارض موسى وتخصيصها لموشيه الذي غزاها وبنى عليها خلافا للقانون– يشكل سابقة لسريان قانون كنيست بصورة مباشرة على فلسطينيين من سكان الضفة (الذين هم غير ممثلين في الكنيست). اضافة الى ذلك تمت اجازة قانون يوسع صلاحيات مجلس التعليم العالي بحيث يكون مسؤول ايضا عن مؤسسات اكاديمية اقيمت في المستوطنات وكأنها مؤسسات اسرائيلية "عادية"، وتتم مناقشة مشاريع قوانين مختلفة لضم جزئي للضفة الغربية: أحدها يتعلق بالكتل الاستيطانية المحيطة بالقدس؛ والآخر يتعلق بمعاليه ادوميم، وثالث يتعلق بغور الأردن والرابع يتعلق بكل المناطق البلدية للمستوطنات. اضافة الى كل ذلك، المشرع المدني والمشرع العسكري يقومون كل يوم بتعزيز جهاز القضاء المنفصل، الذي طبقناه في الضفة: قانون للمستوطنين وقانون للفلسطينيين.
حتى في التلة التي تقع قبالة الكنيست، في المحكمة العليا، فقد بدأت مؤخرا تسمع نغمة جديدة، تسمح دون خجل باستغلال الاملاك الفلسطينية لصالح المستوطنين. ثلاثة قضاة فيها قرروا في تشرين الثاني بأن المستوطنين هم "سكان محليون" في الضفة، لذلك، في ظروف معينة يمكن مصادرة ارض لاحتياجاتهم (بصورة مؤقتة فقط، يؤكد القضاة، لكن سجلهم في تفسير مفهوم "مؤقتة" يعلم أن الخط الفاصل بينه وبين "دائم" بقي في مستوى الفلسفة). هكذا، تآكل المبدأ المهم الوحيد الذي دافع عن ممتلكات الفلسطينيين منذ قرار المحكمة العليا في نهاية السبعينيات في قضية ألون موريه، الذي يقضي بعدم استخدام الاراضي الخاصة الفلسطينية من اجل احتياجات المستوطنين. بسرعة قياسية بلغت بضعة ايام، انقض مندلبليت على القرار الجديد من اجل المصادقة المبدئية على مصادرة اراضي خاصة فلسطينية للاحتياجات العامة للجمهور، من اجل شق طريق الى البؤرة الاستيطانية حورشه.
هذا التغيير التاريخي يأتي بعد خمسين سنة من الاحتلال، غيرت فيها اسرائيل المشهد والديمغرافيا والقانون في الاراضي التي احتلتها، بدرجة كبيرة. حكومتها استغلت بصورة مناورة الصلاحيات الواسعة التي يغدقها القانون الدولي على المحتل من اجل سحب الثروة من المناطق بصورة لم تكن قوانين الاحتلال تنوي السماح بها في أي يوم. هذا هو الضم الفعلي الذي زحف امام ناظرينا على مدى السنين، لكن في المقابل حكومات اسرائيل حرصت على عدم ضم الضفة قانونيا (باستثناء شرقي القدس)، ووافقت على مقولة أن المكانة النهائية للمنطقة ستتقرر في المفاوضات وبالاتفاق، وصادقت على أن السيطرة العسكرية عليها هي سيطرة مؤقتة. وبما أن الافعال أهم من الاقوال، فان الكلمات ليست عديمة الاهمية. المقاربة الرسمية لاسرائيل حافظت على التمييز السياسي والقانوني بين الضفة واسرائيل، ووضعت قيود على نشاطات اسرائيل في المناطق المحتلة وعملت على ابطاء اجراءات ابتلاعها.
اسرائيل اليوم تغلق الفجوة بين الاقوال والافعال. التعامل مع الضفة على أنها لواء في اسرائيل يتم بصورة محكمة وليس من خلال عملية دراماتيكية واحدة، بل بخطوات كثيرة، كل واحدة منها لها كما يبدو تفسير خاص بها. الضم بحكم القانون يتقدم على كل الجبهات، حيث أن التشريع هو واحد منها. هكذا مثلا، يمكن فهم اعادة التقسيم الذي أمر به مندلبليت لصلاحيات نوابه، بصورة وزع فيها مسائل الضفة الغربية التي كانت مركزة عند أحد النواب، على عدد منهم، وفقا لمواضيع عملهم كما يبدو (وعلى الطريق، أخذ من دينا زلبر، المسؤولية عن المجال الحساس). يشارك في هذا الانقلاب كل اجهزة الحكم، وفي كل واحد منها يوجد محامون يعطون من قدراتهم من اجل تحقيق هذا الانقلاب.
اجل، القانون هو منتج غريب. هو خادم لسيدين. فهو يشكل درع بالنسبة للبعض، وهو يشكل سيفا بالنسبة للبعض الآخر. كل الخير الذي حققه ذات يوم محامون عملوا من اجل حقوق الانسان ضد الظلم والشر، هو الغاء الشر الذي شرعه وعدله وقضى به محامون آخرون. في النضال ضد العبودية، النضال من اجل حقوق التصويت للنساء، النضال من اجل المساواة في زواج المثليين، النضال ضد ظلم الاحتلال، على جانبي المتراس في كل هذه النضالات حارب محامون. صحيح أنهم جميعا كانوا طلاب في نفس الكليات وجلسوا الى جانب بعضهم في نفس الصفوف وربما ايضا تعلموا معا من اجل التقدم للامتحانات، لكن عندما تخرجوا اختاروا صياغة نصوص مختلفة في مضمونها من اللغة التي تعلموها معا.
إن النضال على مستقبل السيطرة الاسرائيلية على ملايين الفلسطينيين واستعمار اراضيهم يقف الآن في مفترق طرق حاسم. هل على ضوء واقع الثنائية القومية والابرتهايد سيضاف غطاء قانوني لدولة واحدة؟ هل المحامون في خدمة الدولة والجيش لن يضعوا اقلامهم ولن يوقفوا طابعاتهم ويستمرون في اعطاء قدراتهم لتوسيع الفكرة الاصيلة لسلطة القانون كوسيلة لضمان المساواة، والحرية والاحترام لكل بني البشر، هم سيخونون ليس فقط مهنتهم، بل ايضا دروس التاريخ اليهودي. نحن أبناء وبنات الأمة التي تعرف جيدا ألم التمييز والعبودية والاستغلال، والتطلع الى الحرية والاستقلال. تاريخنا علمنا بأن الخضوع للأوامر والتعليمات لا يدافع عن الذين نفذوا اعمال مرفوضة اخلاقيا. اذا كان الذين خضعوا لقوانين سيئة غير معفيين من المسؤولية فمن المؤكد أن من قاموا بصياغتها ايضا يتحملون المسؤولية.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد