عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 31 آذار 2018

خطوة كبيرة للانسانية.. الانتصار للمحق وليس للقوي

هآرتس– كارولينا ليندسمان

 

ليس "العنف" الفلسطيني، بل غيابه بالذات، هو التهديد الحقيقي على استمرار الاحتلال. ليس عبثا، منذ اتخذ خطواته الاولى في السياسة أن عظم رافض السلام بنيامين نتنياهو "الارهاب" الفلسطيني– حليفه الخالد لمواصلة الوضع الراهن، وضخمه الى أحجام "وحشية". فكلما تعزز "الارهاب"، تعزز في الجمهور الخوف والايمان بأنه لا يوجد مع من يمكن الحديث. وكلما تعاظم "العنف" ووجه نحو المدنيين، هكذا تعززت الصورة التي الصقها نتنياهو بالفلسطينيين كـ "حيوانات مفترسة"، لا يمكن الاقتسام معهم بوجبة حول طاولة مفاوضات سياسية، فما بالك تقاسم البلاد.

وعليه، على خلفية فشل الكفاح المسلح والمصاعب في المسار الدبلوماسي، فان مسيرة العودة التي تبدأ اليوم (أمس) هي خطوة كبرى في الكفاح الفلسطيني. كل من يخاف على مستقبل الدولة ومصير الشعبين ملزم بان يفرح بها. ولا ينبغي الاستنتاج من ذلك بانه لا يلوح من فوق المسيرة خطر فقدان السيطرة، التصعيد والتدهور الى "العنف". يكفي سماع الامر الذي صدر لقوات الجيش الاسرائيلي المرابطة على طول الحدود مع قطاع غزة. باطلاق النار الحي والدقيق على من يحاول الدخول الى اسرائيل– بمعنى اطلاق النار لغرض القتل– كي يتخيل المصيبة التي قد تقع.

غير أنه مثلما هو الحال دوما، المشكلة هي ان هناك من هم كفيلون بان يخرجوا كاسبين من "العنف" وليس فقط من أجل حرف النقاش الجماهيري عن تحقيقات رئيس الوزراء. لا شك في أنه اذا خرجت المسيرات عن سيطرة المنظمين، الذين وعدوا بان تكون آمنة وان تجرى على مسافة 700 متر عن الجدار منعا للصدامات– فان الجيش الاسرائيلي واسرائيل سيخرجان على شكل بشع في الصور. ولكن في المدى البعيد، فان "العنف" الفلسطيني الذي يبرر ردا عنيفا من جانب الجيش الاسرائيلي سيسمح لليمين بالتمسك بمواقفه وبسياسة نتنياهو الرافضة. فقدان السيطرة سيكون مثابة دليل آخر على قول أن الفلسطينيين "عنيفون" بطبعهم، والى "الجحيم بغزة".

في الوقت الذي سنشهد المسيرات التي تبدأ اليوم (أمس)، التي يفترض أن تتواصل حتى "يوم النكبة" في منتصف أيار، واجب ان نتذكر لمن توجد مصلحة في أن تتدهور الامور الى "العنف"، ومن يخدم التصعيد. ملزمون بان نتذكر هذا قبل أن تطلق الرصاصة الاولى، قبل أن يقع القتيل الأول. مع كل قنبلة دخان يلقيها الجيش الاسرائيلي، مع كل رشة غاز مسيل للدموع او استخدام لوسائل اخرى لـ "تفريق المظاهرات". إذ ان الامر الاخير الذي تريده الحكومة وكذا الفصائل الفلسطينية "المتطرفة" المعارضة للمسيرة، هو أن تتفرق المظاهرة دون أن يتصرف الفلسطينيون كـ "حيوانات مفترسة" امام الكاميرات.

يفهم منظمو المسيرات ذلك جيدا، وعليه فقد وزعوا على المشاركين تعليمات لكيفية التصرف في حالة القاء قنابل الدخان والغاز المسيل للدموع. "استخدموا البصل والخل البيتي، لشطف الوجه، غيروا ملابسكم، سيروا بعكس اتجاه الريح وانقلوا من اصيب الى الطاقم الطبي الأقرب. وعليه فقد حرص المنظمون على أن ترابط عشرات الطواقم الطبية في نقاط الاحتكاك، وان تكون المستشفيات في حالة تأهب. وكل ذلك كي لا يخدموا "المتطرفين" التواقين الى التدهور العنيف. يتبقى فقط ان نتخيل ماذا سيحصل اذا نجح الفلسطينيون في التغلب على الغضب والاحباط اللذين توقظهما الحياة في غزة وتمسكوا باللاعنف؟ حتى أمام العدوان الاسرائيلي؛ ان نتخيل مئات الاف الفلسطينيين يسيرون نحو الجدار مسلحين بعدالة طريقهم؛ ان نتخيل الشيوخ، النساء والاطفال يسيرون باحتجاج شعبي، يحمون الانسانية، دون أن يكون ممكنا اجراء تخفيض المستوى لهم، كالمعتاد، الى "الدرع البشري" لحماس.

ليس لدى الجيش الاسرائيلي الادوات للوقوف في وجه مقاومة مدنية شعبية غير مسلحة، وبالتأكيد في العهد الذي يكون فيه لدى كل انسان كاميرا وارتباط بالشبكة في جيبه، وينفد لاسرائيل الائتمان الاخلاقي. كلما نجح الفلسطينيون في التمسك بالكفاح غير العنيف بروح المهاتما غاندي ونلسون مانديلا ومارتين لوثر كينغ، سينكشف ميزان القوى الحقيقي بين الاسرائيليين والفلسطينيين وينكشف ايضا عجز السلاح– مهما كان متطورا. في الكفاح غير المسلح التفوق العسكري لاسرائيل سيكون في صالحها، إذ ليس القوي بل المحق هو الذي ينتصر.