عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 05 شباط 2018

من أين هذه الوحشية؟

هآرتس-بقلم: عميره هاس

بعد اشهر كثيرة من النضال البطولي لزيادة الوعي العام سيحصل المعاقون على زيادة مضحكة ومهينة. الموظفون يتقدمون بخطة طرد اللاجئين الافارقة الى مصير الحياة والموت المؤلم. يجب علينا أن نعرف وأن ننفجر: من أين نمت هذه الوحشية اليهودية؟ هي تناقض بشكل كبير ما اعتقدناه بأنفسنا على مر الاجيال. ما تكرهه لنفسك لا تفعله لصديقك (هيلل العجوز)، و"أحب لصديقك ما تحبه لنفسك، كل من أنقذ نفس وكأنه انقذ العالم جميعا" (الصيغة الشعبية للقضاء الاصلي في السنهدرين بصيغته العالمية: "كل من أحيا نفس واحدة وكأنه أحيا العالم جميعا".

في الخطاب العام الصورة الذاتية التي راكمناها لانفسنا، كانت ذخرنا وتراثنا، وقد تفاخر معلمونا أمامنا أن تلك هي توراتنا باختصار، ونحن هكذا، اخلاقيون جيدون يعنيهم الآخرون وانسانيون. باختصار، يهود.

التعاطف مع المعاقين ونضالهم موجود. وفي نهاية المطاف هؤلاء المناضلون الذين نشاهدهم في التلفاز هم يهود، لكن اذا كان موظفو المالية وحكومتنا الوطنية يشعرون بالراحة من مواصلة التنكيل بهم واهانتهم فذلك لأنهم يعرفون أنه في نهاية المطاف هذه الكتلة الانسانية التي تسمى جمهور هي كتلة لامبالية. أو أنها تبنت الشعارات الجمهورية لتقليص دور الدولة (خلافا لتوسيع دور الدولة في الماضي للخط الاخضر)، أو انها تأمل بعدم حدوث ذلك. استطلاعات الرأي العام تشير الى أن معظم اليهود الاسرائيليين يؤيدون طرد اللاجئين الافارقة، وهذا يعني أنهم يتبنون بارادتهم الادعاءات الرسمية أن الامر يتعلق فقط بباحثين عن عمل، وكل التقارير عن الفظائع المتوقعة لهم لدى هبوطهم في رواندا هي اكاذيب يطلقها من يعارضون الطرد الذين لهم "أجندة" خلافا للموظفين الذين يمثلون الواقع العلماني".

الصحافي غرشوم غورنبرغ نشر في "واشنطن بوست" مقال بعنوان "بطرد طالبي اللجوء الافارقة تخون اسرائيل تاريخها". غورنبرغ تحدث مع ييماني وهو مهاجر من اريتيريا، الذي حسب اقواله فان هناك موظفا اسرائيليا قال له "قريبا سنعيدهم جميعا، وستجلس تحت شجرة وتفتح فمك بانتظار الموزة التي ستسقط مثل القرد". وعندما ذكره ييماني أنه انسان، قال له الموظف "أنتم لا ترون انفسكم بأنكم تشبهون القرود؟". المتحدثة بلسان مكتب الهجرة والسكان لم تجب على سؤال الصحافي بهذا الشأن. غورنبرغ المندهش قال إن كل اسرائيلي يهودي يعرف ما معنى لاجئين: افراد عائلة هربوا من اوروبا في حينه أو طردوا من دول عربية، الذين نجوا من الكارثة والمكان الوحيد الذي استطاعوا الوصول اليه هو اسرائيل. "كل يهودي اسرائيلي يعرف أن هناك عددا اكبر كان يمكنهم النجاة لو لم يغلق الغرب ابوابه امامهم"، قال.

ايضا كل فلسطيني يعرف ما معنى اللجوء، وما هو معروف أكثر أنه هو نفسه مبعد، لاجئ، إبن عائلة لاجئين أو أحد الرعايا الوضيعين في وطنه. اسرائيليون بلكنة روسية أو امريكية أو روسية ولكنة اصلية تماما ينظرون اليه كمن يعيش هنا بالاحسان. أي بصورة مؤقتة.

صدمة وذهول غورنبرغ هي حقيقية، لكنها ليست في محلها. الحقيقة المرة هي أنه خلافا لعنوان مقاله فان اسرائيل لا تخون تاريخها، بل تسير بأمانة في أعقابه: نحن عملنا ونعمل طوال الوقت عكس "ما تكرهه لنفسك لا تفعله لصديقك". الطرد الجماعي للفلسطينيين في 1948 وهدم منازلهم يكشف مخطط وتفكير مسبق، وليس فقط في الحرب. التاريخ هو ايضا الحاضر: في كل يوم موظفونا وجنودنا ينفذون عملية طرد معينة. ما تكتبه "هآرتس" بالعبرية عن ذلك يمر مرور الكرام، وهذا فقط يمثل 1 في الـ 1000 مما يقوم به طوال الوقت الاحفاد المباشرين للاجئين يهود من اوروبا ومن الدول العربية.

الوحشية لا توجد فقط في التعاون على التنكيل وفي عملية الطرد نفسها. بل ايضا في الوقوف جانبا، وفي الصمت والتجاهل ايضا. الوحشية لا تولد، بل هي نوع من التمرين لتصل الى درجة الاعتياد. وليس من الاسهل الاعتياد على واقعنا كطاردين – الى درجة النفي التام له – من خلال تغليفنا لها بغلاف "الامن" وبعد ذلك بالاحياء والفيلات والوعد الالهي لأبونا ابراهيم.

الطرد ليس فقط التحميل على الشاحنات، بل هو ايضا تدهور للوضع الى درجة التوق للهرب منه. مليونا  فلسطيني حبسناهم في غزة، اعتدنا على ذلك. وطلبنا الاموال من اوروبا لتحسين ما في ظروف السجن. فلسطينيون مقدسيون يتم رميهم من بيوتهم التي عاشوا فيها سبعين سنة لصالح المستوطنين، بأوامر من المحكمة، اعتدنا على ذلك وسررنا. حكمنا على عشرات آلاف الاشخاص في الضفة الغربية بالعيش دون التزود بالمياه، الكهرباء والحق في البناء. اصدرنا احكامنا بسعادة، وباجتهاد نحكم. صادرنا من الفلسطينيين مواطني اسرائيل اراضيهم ونحن لا نخصص لهم مناطق اخرى للبناء عليها. بعطف مميز قمنا ونقوم بذلك.

الحقيقة هي أن اغلبية الاسرائيليين اليهود لا تعنيهم الوحشية تجاه المعاقين اليهود واللاجئين الافارقة، ايضا لا يعنيهم تغليفها بورق السلوفان للاقتباسات من مصادرنا الأولية. لقد نفذنا على الفلسطينيين العكس. لا يوجد إله أو دولة اوروبية لم تعاقبنا، وهكذا اعتدنا على السهولة التي يمكن احتمالها جدا للتسبب بالمعاناة الجماهيرية.