الثمن الباهظ للهوية الإسرائيلية
بقلم: يورم غبيزون

انهيار تيفع واقالة ربع عامليها أثار ادعاءات مبررة تقول ان العاملين يضطرون لان يدفعوا ثمن الاخطاء الجسيمة التي ارتكبها مدراء الشركة الكبار في السنوات الاخيرة. دعاوى رفعت وسترفع ضد الشركة قد تنجح في أن تعيد الى تيفع جزءا من الدفعات المبالغ فيها التي تلقاها كبار مسؤوليها وعلى رأسهم مدير عام تيفع في 2015 – 2017، ايرز فيغودمان، الذي وقع على الصفقة التي صفت الشركة، على الاقل مثلما كانت معروفة حتى آب 2016: شركة الادوية الاكبر في العالم، التي تشغل 57 الف شخص وتنشط في اكثر من مئة دولة.
سيحمل فيغودمان وصمة العار هذه حتى آخر يوم في حياته، ولكن الانهيار الاقتصادي الاكبر في تاريخ الدولة ليس نتيجة فقط لاعتبارات تجارية مغلوطة لشخص واحد، بل وأيضا نتيجة ثقافة تنظيمية مريضة، تعود جذورها الى القرارات التي اتخذها مؤسس الشركة، ايلي هورفيتس– الذي حول تيفع من شركة اسرائيلية صغيرة الى شركة دولية كبرى، وشغل منصب مدير عام ورئيس الشركة من 1976 الى حتى وفاته في 2011.
لقد كان هورفيتس رجلا كاريزماتيا وذا رؤيا، ولكنه كان أيضا رجلا ذا نزعة قوة، كرس وقتا وفكرا كثيرين كي يضمن سيطرته العملية على الشركة، رغم أنه كان يحتفظ بنسبة صغيرة جدا منها. فقد دس الى نظام تيفع انظمة تجعل من الصعب السيطرة المعادية على الشركة، مثل المادة التي تقضي بان يكون مركزها الاداري في اسرائيل الا اذا قرر مجلس ادارتها نقله من اسرائيل باغلبية 75 في المئة من المشاركين في التصويت.
مادة اخرى تقول ان معظم اعضاء مجلس الادارة هم من سكان اسرائيل، الا اذا كان المركز الاداري للشركة خارج اسرائيل. كما توجد مواد تقول ان على المدير العام للشركة أن يكون من سكان اسرائيل على مدى كل فترة ولايته، وان جلسات مجلس الادارة تعقد في اسرائيل. وحافظ نظام الشركة على هويتها الاسرائيلية حتى الان، ولكن واضح جدا اليوم بان الحفاظ على الهوية الاسرائيلية لتيفع كان له ثمن باهظ، دفع قبل كل شيء من اصحاب الاسهم في الشركة واكثر من 85 في المئة منهم اميركيون، والان يقدم الحساب الى عامليها ايضا.
تيفع تضطر للاكتفاء بالموجود
لقد أدى الالزام في النظام بتعيين مدير عام من سكان اسرائيل بالشركة الطبية الاكبر في العالم للاكتفاء بمدراء عامين من الصف الثاني، بعضهم– مثل فيغودمان وشلومو يناي– لم يديروا ابدا شركات أدوية، او في حالة جيرمي لفين شركة بحجم تيفع.
كما أن واجب الحفاظ على اغلبية اعضاء مجلس الادارة من سكان اسرائيل ادى الى ان يكون في مجلس ادارة الشركة حتى اليوم مدراء ليسوا خبراء في مجال الادوية، مثل أمير الشتاين، يوسي نيتساني وغاليا ميئور. الشتاين، ابن لعائلة مؤسسي الشركة لم ينجح في منصبه كمدير الموارد البشرية العالمية. فقد ادى الى شراء شركة كوغنيسس مقابل 400 مليون دولار نقدا في كانون الثاني 2008. ومنذئذ اختفت آثار الشركة، مثلما هي ايضا مساهمتها في سلة منتجات تيفع. ويعمل هؤلاء المدراء في مجلس ادارة الشركة منذ عشرات السنين وقد وقعوا على مشتريات فاشلة نفذتها الشركة– مثل شراء اكتفس جنريكس بـ 39.3 مليار دولار، الذي ادى الى تصفية الشركة، ومهزلة شراء شركة ريمسا المكسيكية في اذار 2016 مقابل 2.3 مليار دولار.
مدير آخر موقع على صفقة آكتفيس هو اسحق بتربورغ، الذي شغل منصب رئيس تيفع حين جيء بالصفقة الهدامة لاقرار مجلس الادارة، وفر منها الاسبوع الماضي "لأسباب شخصية" قبل لحظة من اعلان الشركة عن اقامة اكثر من 25 في المئة من عامليها. هكذا وفر على نفسه الحاجة الى التعرض للضغط العام الهائل الذي مورس على ادارة الشركة في اعقاب حملة الاقالات فيها، وهي الاكبر في تاريخ الاقتصاد الاسرائيلي.
حقل الغام سياسي
أقراص السم هذه التي دست في نظام الشركة، ضمن امور اخرى باسم الهوية الاسرائيلية، جعلت تيفع هدفا أقل جذبا للصناديق النشطة– التي كان بوسعها أن تنفض مجلس الادارة التعب، الشبع والمثاب جدا في تيفع. المبدأ اياه للحفاظ على الهوية الاسرائيلية مسؤول على ما يبدو عن قرارات سياسية ظاهرا اتخذها مجلس الادارة على مدى السنين.
بمراعاة أن مدير عام تيفع الجديد كارل شولتس مستعد لان يكتفي بـ 8 مصانع بدلا من 80 تحتفظ بها تيفع اليوم، وان المصانع التي تسارع تيفع الى اغلاقها هي في القدس – واضح أن مجلس ادارة تيفع اختار حتى الان مواصلة تفعيل منشآت انتاج اذابت أرباح الشركة، أو ارباحها حدودية، كي يدخل الى حقل الالغام السياسي والعام الذي ينطوي عليه اقالة 1.100 عامل في المدينة الاكثر فقرا في اسرائيل، والتي اقامت فيها تيفع المصنع التجاري الصغير للادوية في 1901.
ليس صدفة أن المدير العام الاول لتيفع تصدى جبهويا للثمن الباهظ للهوية المقدسية والاسرائيلية للشركة ليس يهوديا وليس اسرائيليا. فالاغلاق السريع للمصانع في القدس يشكك قليلا بالحجة السائدة التي تقول ان تيفع تلقت امتيازات ضريبية هائلة من الدولة دون أن تعطي شيئا بالمقابل. يبدو أن اصحاب الاسهم في الشركة دعموا القدس ورفاه سكانها ماليا، من خلال استخدام الارباح لدعم مصانع في المدينة الفاشلة والمتدهور.
امور مشابهة يمكن ادعاؤها عن مصنع المواد الخام النشطة في ناؤوت حوفيف. شك كبير في أن يكون الاعتبار لابقاء قسم مهم من انتاج المواد الخام النشطة في اسرائيل، وعدم توسيع انتاجها في الهند مثلما فعلت مثلا شركة "مايلن" المنافسة، كان اقتصاديا صرفا. فمنذ بداية العقد ادعى محللون، بمن فيهم د.روني غال من برنستاين ريسيرتش، بان مصانع تيفع في اسرائيل تخسر، لان كلفة انتاج الف قرص في اسرائيل اعلى من 10 دولارات، مقابل 5 دولارات في الهند وفي شرق اوروبا. تيفع، على الاقل في بداية عهد فيغودمان، اعلنت عن نيتها نقل 60 في المئة من الانتاج الى دول كلفة الانتاج فيها هي 6 – 7 دولار للالف قرص حتى 2019.
اما حقيقة أن تيفع مطالبة الان باتخذ خطوات دراماتيكية جدا فتثبت ان مجلس الادارة لم يصر حقا على تطبيق خطط النجاعة التي تقدم بها لفين (5 الاف عامل) وفيغودمان بكاملها- ربما لان اعضاءه لم يكونوا نظيفين من الاعتبارات السياسية. فاسرائيل لا تزال المركز الاداري للشركة. والمدير العام لا يزال ملزما بالاقامة في اسرائيل، بل واشترى شقة من يافا واقسم الولاء للثقافة الاسرائيلية للشركة، ومجلس ادارة تيفع لا يزال اسرائيليا بقدر كبير. ولكن ثمن التمسك بالهوية الاسرائيلية الذي دفعه حتى الان اصحاب الاسهم في الشركة– سيدفعها الان عاملوها ايضا.
---------
عن "هآرتس"
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد