رسالة لاصدقائي العرب
هآرتس-بقلم: غبريئيل موكيد

في الايام الاخيرة وضع كل الحوار الممكن بين الكتاب والمثقفين العبريين والعرب في البلاد وفي المنطقة في ظل الضجة الاعلامية التي ثارت حول تصريح الرئيس الاميركي الذي اعترف بالقدس عاصمة لاسرائيل.
اجل، سأشير قبل كل شيء الى أنني أنا وعدد لا بأس به مثلي في اوساط الجمهور الاسرائيلي في البلاد نعرف الحساسية الفلسطينية والعربية والاسلامية بخصوص ما لم يقل في تصريح ترامب. فلم يرد فيه أي شيء عن حقوق الفلسطينيين في انشاء عاصمة لهم في القدس، رغم أنه يوجد في هذا التصريح اضافة مهمة وواضحة تنص على أن تقسيم مستقبلي للحدود في المدينة نفسها سيكون خاضع لاتفاق الطرفين في المستقبل. التصريح ايضا يذكر بصورة صريحة امكانية قيام دولتين.
مع ذلك، في الخطاب الانتقادي الذي ثار حول التصريح فان الجمهور الفلسطيني وقيادته، والحكومات في الدول العربية وشعوبها، لم يطرحوا اقتراحا مضادا، عقلاني ومنطقي ومرغوب فيه – وهو الاقتراح الذي من شأنه أن يؤدي الى المصالحة والسلام مستقبلا – اقتراح يشير بشكل واضح الى أن البديل المطلوب لتصريح ترامب هو النص بصورة واضحة أن للطرفين توجد حقوق متساوية في اقامة عاصمتيهما في حدود اورشليم – القدس، من خلال الحفاظ عليها كمدينة كبيرة واحدة، مفتوحة أمام كل السكان دون أي "سور برلين" يفصل بين اجزائها. من المفهوم ايضا أن هذا الحل المتمثل بعاصمتين في المجال البلدي المذكور، المرتبط كجزء لا يتجزأ من رؤية الدولتين اللتين تعيشان بسلام وأمن ومن خلال التعاون بينهما.
للاسف، ليس فقط تصريحات اليمين الاسرائيلي المتطرف، الذي يحاول "سحب بطانية التصريح" لجهته وتغطية الجزء الغربي من القدس في نطاقها، هي التي تضر باحتمالات الحوار بين الطرفين، بل ايضا معظم الدعاية الفلسطينية والعربية والاسلامية ضد تصريح ترامب، التي لها طابع وطني متطرف واحيانا طابع ديني متشدد، تضر بهذه الاحتمالات.
مثلا، "انقضت" على الاحتجاج الفلسطيني ضد تصريح ترامب، جهات اسلامية متشددة ومختلفة ومتنوعة، من حزب الله وايران وحتى حماس والجهاد الاسلامي. هؤلاء يعارضون الحل العادل والواقعي الوحيد للنزاع، ويشنون دعاية ضد كل الحقوق التاريخية والسياسية للشعب اليهودي في البلاد. فعليا، الدعاية هي ايضا ضد الواقع الديمغرافي في القدس وفي البلاد بشكل عام، الذي يتشكل من وجود شعبين.
هذه الدعاية تدار ايضا تحت غطاء كاذب من اقوال بشأن الخطر الوهمي للمس بالمسجد الاقصى. هذا جزء من نفس الخط الوطني البائس، الذي احيانا ايضا عدد من المتحدثين بلسان السلطة الفلسطينية في رام الله، ينجرون خلفه. جزء من خطاب كاذب يرتكز، ضمن امور اخرى، على نفي الوقائع التاريخية بشأن علاقة الشعب اليهودي بالبلاد. هذا الخطاب يضر بالسلام ليس أقل من نفي يميننا المتطرف الذي يقول بعدم وجود أي معنى لـ 1400 سنة من الوجود الاسلامي والعربي بين نهر الاردن والبحر.
هنا ربما هي الفرصة للاشارة الى أنه من المهم جدا حسب رأيي أن يدرك اصدقائي الفلسطينيون بشكل خاص والعرب والمسلمين بشكل عام أن حل الدولتين، وعمليا ايضا تحقيق السلام الاقليمي، تحتاج الى حوار حقيقي في مجالات التاريخ والثقافة. أنا لا أقصد، كما هو معروف، القبول الآلي للعالم الروحي للآخر، بل هدفي قبل كل شيء هو الاعتراف المتبادل بالحقائق التاريخية بشأن ماضي الشعبين في البلاد، والاعتراف بالغنى الثقافي والروحي لكل شعوب المنطقة، بما في ذلك التراث اللغوي، الأدبي، الثقافي والديني.
أخيرا، الى أي حوار وأي مصالحة حقيقية يمكن أن يتطلع اليها اصدقائي الفلسطينيين اذا كان الطرف الاسرائيلي (اليهودي، العبري) في الحوار سيكفر بحقيقة أنه على مدى السنين كانت هذه البلاد عربية واسلامية في اساسها؟ وبنفس الدرجة الى أي فهم وأي حوار يمكن أن يتطلع اصدقائي الفلسطينيين اذا رددوا الادعاءات غير المعقولة التي تقول إنه لم يكن هنا في يوم ما وجود ديمغرافي وديني ورسمي وعبري (يهودي – اسرائيلي) من خلال نفي حوالي ألفي سنة تاريخية من الحكم اليهودي (عبري – اسرائيلي) في هذه البلاد؟
يبدو أن الاجابة على ذلك واضحة. لن يكون هناك أي حوار ولن تكون أي مصالحة سياسية اذا استمر الطرفان في نفي الوجود التاريخي والثقافي الواحد للآخر في البلاد. على كل الاحوال، الحوار بين الشعبين – وبين الديانتين أو الثلاث ديانات – يحتاج الى الاعتراف والتقدير المتبادل بتاريخ وثقافة الآخر.
بناء على ذلك، مهم ايضا أنه اثناء الجدال على وضع سياسي كهذا أو ذاك، الذي يحدث بين الفينة والاخرى مثلما حدث في اعقاب تصريح ترامب، أن يتم الحفاظ منا جميعا (على الاقل عندما يدور الحديث عن الحوار بين أدباء ومثقفين الذين لا ينوون القيام بخدع سياسية وغير مرتبطين بها) على خطوط اساسية ضرورية للحوار بيننا. في سياق حوار كهذا من المهم أن نعرف أن الاحترام والتقدير لتاريخ وثقافة الشعب الآخر في البلاد لا يعني الموافقة على حقوق ملكية له على البلاد كلها. مثلا، لن يحدث ما يسيء للسلطة الفلسطينية اذا اسمعوها عن وجود مملكة السامرة الاسرائيلية التي كانت رام الله في حدودها قبل 2800 سنة.
هل من وجود مملكة سامرة كهذه في المنطقة التي تقع فيها اليوم حكومة السلطة، يتم الاستنتاج أنه لا وجود للشعب الفلسطيني وقيادته ولا ملكيتهم على معظم مناطق "الضفة الغربية" اليوم. وأن كل المنطقة بين النهر والبحر يجب أن تكون تحت سيادة اسرائيل، كما ادعى في مرات كثيرة ادعاءات كاذبة متحدثون من اليمين المتطرف في اسرائيل؟
من الواضح، يا اصدقائي الفلسطينيين، أن الاجابة ستكون سلبية بالتأكيد. وبناء على ذلك سنحاول مواصلة بلورة أسس لحوار مشترك بيننا، على الاقل بين الادباء والمثقفين في الطرفين، كما بدأنا في طرحه وقوله في مقال لي ومقال لصديقي محمد علي طه في صحيفة "هآرتس".
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد