الاعتراف بالقدس رمزي بالأساس.. لكنه يقسم المدينة ما بين النشوى واليأس
هآرتس- بقلم: نير حسون

بعد أقل من ساعة من الاعلان الدراماتيكي للرئيس ترامب أمس (الاول) حدث أمران في البلدة القديمة في القدس: البلدية اضاءت كشافات واضاءت اعلام الولايات المتحدة واسرائيل على سور المدينة، والكشافات التي تضيء بصورة دائمة قبة الصخرة انطفأت. في البداية كان هنالك من ظن أن هذه عملية مقصودة ولكن بعد وقت قصير قيل أن الامر يتعلق بانقطاع التيار الكهربائي. كما يبدو ليس هنالك علاقة بين الكشافات التي اضاءت الاسوار وبين تلك التي انطفأت على الحرم، ولكنها عبرت جيدا عن المشاعر امس (الاول) في القدس. نشوى في جانب ويأس واهانة في الجانب الآخر.
في الدقائق التي اعقبت الاعلان كانت مجموعات الواتس اب في شرق القدس ما زالت صامتة. لكن سرعان ما تجمعت في سلوان مجموعة من النشطاء من أجل القيام باحتجاج ما لم تحدد طبيعته بعد، وبعد ساعة من الخطاب تم نشر بيان عن اضراب شامل في المدينة، وهو صيغة تقريبا مؤكدة للمصادمات العنيفة مع الشرطة. بعد تسعين دقيقة من الخطاب ابتدأت شائعات عن وجود مجموعات من الفلسطينيين يتوجهون نحو الحرم. معظم النشطاء الفلسطينيين الذين تحدثوا مع "هآرتس" قدروا ان الشارع الفلسطيني في القدس سيرد، ولكن حسب اقوالهم هذا الرد يبدو انه سيكون محدودا في حجمه.
اذا كان بالإمكان ان نحكم من خلال المحادثات، يبدو أن توقعات الفلسطينيين في المدينة من المجتمع الدولي والعالم العربي ومن السلطة الفلسطينية منخفضة الى درجة أنها من الصعب أن تزعزعهم. مع ذلك، وكما أشارت الاضواء المنطفئة في الاقصى، فإن هنالك خوفًا من ان الاهانة السياسية ستترجم الى اهانة دينية – الامر الذي من الممكن ان يشعل نارا كبيرة. ان اقوال ترامب بما يخص بالحاجة الى الحفاظ على الوضع الراهن في الاماكن المقدسة لن تهديء من السنة اللهب.
في الجانب الاسرائيلي من المدينة على الاقل في اوساط متخذي القرارات والنشطاء الجماهيريين، كان هنالك شعور من النشوى. صحيح أن الحدث الاحتفالي الذي نظم في ميدان سفرا ألغي بسبب الاحوال الجوية، لكن رئيس البلدية نير بركات أعلن "لقد عشنا وشهدنا هذا الزمن". عساف فريد المتحدث باسم هيئة منظمات الهيكل قال ان "اعتراف أمم العالم بسلطة اسرائيل في القدس هو خطوة تاريخية يقرب بناء الهيكل في القدس".
صوتان
ساحة باب العمود في القدس هي "محنيه يهودا" لشرق القدس. الى هنا يصل الصحافيون من كل العالم من أجل سماع صوت الشارع الفلسطيني. أمس (الاول) تجمع هناك العشرات من الصحافيين الذين انتظروا توقف المطر من أجل اجراء مقابلات مع السكان حول تصريح رئيس الولايات المتحدة. لكن صوت الشارع في شرق المدينة كما في غربها دائما مضلل. خلافا للموقف المصمم للقيادة الفلسطينية والعربية فإن الشارع في شرق القدس يتحدث بعدة أصوات "لم يتغير شيء، الناس لا يهمهم ذلك، هم يريدون ان يعيشوا. لماذا يقوم الناس بعمل فوضى، لماذا نقوم بانتفاضة هل من أجل ان يموت اولادنا؟"، قال زياد فوزي ابن الستين عاما وهو تاجر من البلدة القديمة. "ما الفرق بين أن يقيم السفارة هنا أو في تل أبيب أو في الخليل؟" بالمقابل قال علي جدة وهو نشيط فلسطيني معروف في البلدة القديمة وفي السابق كان من نشطاء الجبهة الشعبية: "الانفجار قريب جدا. اذا لم يكن اليوم فسيكون غدا وان لم يكن غدا سيكون بعد غد، تصريح ترامب لا يقف وحيدا. هنالك تراكم لامور عديدة، تصرفات الجنود، الاهانات، في النهاية سيكون هنالك انفجار. ورأس الحربة ستكون القدس".
ان تصريح ترامب اعتبر من قبل الكثيرين كأمر ليس له علاقة بحياتهم. من ناحية الفلسطينيين في القدس فإن التصريح لم يسبب لهم خسارة كبيرة حيث لا يوجد لديهم ما يخسرونه اساسا. ليس أنه الى ما قبل تصريح ترامب كان هنالك سيناريو معقول لإنشاء دولة فلسطينية عاصمتها القدس. كما أن اليأس من العملية السياسية والعالم العربي ومن السلطة الفلسطينية ومن المجتمع الدولي هو جزء اساسي في تصورهم هذا منذ سنوات عديدة. من هذه الناحية فإن تصريح ترامب بالرغم من رمزيته لا يقدم ولا يؤخر. المشكلة مع اليأس الذي يمكن أن يوجد في كلا الاتجاهين، كما يقول عدنان غيث أحد نشطاء فتح المركزيين في المدينة، "ان هذا لن يمر بهدوء لان الشعب الفلسطيني انتظر فترة طويلة للسلام، يوجد هنا اليوم جيل كامل انتظر فترة طويلة من الزمن والآن دمروا له الامل وليس للناس ما يخسرونه. الاحتلال تواصل، الاستيطان يتواصل، هدم البيوت متواصل، ممَ سيخاف الناس اليوم؟". "لقد أعطى هدية كبيرة لكل العالم الراديكالي"، اضاف جواد صيام، وهو نشيط اجتماعي وسياسي من سلوان. "هو شخص غريب ومن الغريب ان اسرائيل تحتفل الان".
من أجل فهم خلفية التصريح يجب أن نفهم أن المكانة الدولية للقدس هي "حي متحجر"، آخر بقايا خطة التقسيم سنة 1947. القدس هي المكان الوحيد الذي لا يعترف به المجتمع الدولي لا بضم حزيران 1967 ولا بضم حرب الاستقلال 1948. حسب خارطة التقسيم القدس عليها أن تكون تحت ادارة دولية واسرائيل والاردن خرقتا الخطة عندما احتلتا كلا شطري المدينة في 1948. العالم يرفض حتى اليوم الاعتراف بهذا الاحتلال، وليس هنالك شك ان القرار الاسرائيلي بضم الجزء الشرقي في 1967 ساهم في الموقف العالمي بعدم الاعتراف حتى بغرب القدس.
ورغم ذلك، فإن اعتراف رئيس الولايات المتحدة بالقدس كعاصمة لاسرائيل هو رمزي بالاساس. القدس تقوم فعليا بدور العاصمة السياسية منذ 1949. ايضا السفراء والزعماء الاجانب الذين امتنعوا في السنوات الاولى من الوصول اليها لاجراء لقاءات رسمية تخلوا منذ زمن عن هذه المقاطعة ويحرصون فقط على ان تجرى تلك اللقاءات في القسم الغربي منه. ولكن عنصر مهم آخر في السياسة الدولية تجاه القدس هو التبادلية والذي بمقتضاه اعتراف بغرب المدينة كعاصمة لاسرائيل يقتضي الاعتراف بالقدس الشرقية كعاصمة لفلسطين. فعليا التيار المركزي في السياسة الفلسطينية ذلك الذي يقف على رأس السلطة الفلسطينية يستند الى هذا الفهم. "لا يمكن لعباس أن يبيع شعبه دولة فلسطينية بدون عاصمة في القدس"، قال محلل منظمة "مجموعة الازمة الدولية"، عوفر زلتسبرغ.
من شأن هذا التصريح ان يكون له تداعيات جوهرية على اليأس الفلسطيني من الدولة العتيدة. هذا الشعور من الممكن أن يقود الى مسارين كما يبدو متناقضين: من الجانب الاول لتقوية المناداة بحرب مقدسة لانقاذ الاقصى وللقيام بأعمال عنف. ومن الجانب الثاني لمشاركة متزايدة للمجتمع الاسرائيلي حيث أنه لم يعد هنالك معنى لانتظار المسيح في هيئة دولة مستقلة. هكذا من المتوقع ان نرى في المدى الطويل زيادة الضغوط لدراسة البجروت الاسرائيلي، القبول للعمل في غرب القدس وفي النهاية ايضا تقديم للحصول على جنسية اسرائيلة كاملة. هذه العملية في نهاية الامر سترجع الكرة الى الملعب الاسرائيلي والى السؤال فيما اذا كانت اسرائيل حقا مستعدة لدفع ثمن القدس الموحدة والذي يتضمن منح المواطنة لـ 320 الف فلسطيني يعيشون في المدينة.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد