عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 02 كانون الأول 2017

سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.. الحاجة الى استراتيجية عليا

نشرة خاصة/معهد بحوث الأمن القومي – موشيه بوغي يعلون

تميزت السنة الأولى لولاية ادارة ترامب بسلوك أميركي عديم خط التوجيه المستقر بالنسبة للشرق الأوسط. والامال الكبرى التي علقتها الكثير من دول المنطقة على تغير الادارة ودخول رئيس فاعل الى البيت الابيض تتبدل ببطء الى احساس بالتشويش والحرج، في ضوء غياب الثبات من جانب الولايات المتحدة والسلوك بلا اهداف استراتيجية واضحة. ومع نهاية السنة الأولى على بداية ولاية ترامب، تبرز الحاجة الى بلورة استراتيجية اميركية عليا بالنسبة للشرق الأوسط.

الرئيس اوباما، باستثناء سعيه الى الاتفاق مع ايران، قلص تدخله في الشرق الأوسط، ولكنه اضطر الى العودة للتدخل في المنطقة بسبب التحدي الذي مثلته "داعش". كما أن الرئيس ترامب تحدث هو الاخر في حملة الانتخابات في صالح تقليص تدخل الولايات المتحدة في ساحات مختلفة في العالم، ولكنه كان مطالبا بان يتصدى لاتساع الهيمنة الايرانية، لمواصلة القتال ضد "داعش" وكذا محاولة استقرار سوريا، العراق، لبنان، اليمن وليبيا.

يتضح من ذلك ان ليس للادارة الأميركية مفر، غير ان تواصل أداء مهامة "الشرطي العالمي" في صالح مصالح الولايات المتحدة. وذلك لانه لا يوجد فراغ وفي اماكن عديدة في العالم بشكل عام، وفي الشرق الأوسط بشكل خاص، تملأ الفراغ جهات تعمل ضد المصالح الأميركية. والدليل هو أنه في فترة الادارة الأميركية السابقة، استغلت الفراغ ايران، "داعش"، تركيا وروسيا.

من أجل بلورة استراتيجية اميركية عليا في المنطقة يجب أولا الاتفاق على تحليل الوضع. فالميزة الاساس للشرق الأوسط في الحاضر هي الصراع على الهيمنة الذي يديره ثلاثة معسكرات اسلامية متطرفة:

* المعسكر الايراني – الشيعي، الذي يسعى دوما الى توسيع نفوذه، لتثبيت أنظمة اسلامية في المنطقة وشق العالم العربي السني.

* المعسكر السلفي – الجهادي السني، بريادة "داعش" والقاعدة، والذي يسعى الى اقامة الخلافة.

* معسكر الاخوان المسلمين برعاية الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، والذي يسعى الى امبراطورية عثمانية عديدة على اساس ايديولوجيا الاخوان المسلمين.

يعرض هذا المقال عددا من خطوط التوجيه، يجدر أن توجه الولايات المتحدة عند بلورة استراتيجيتها حيال المنطقة ولاعبيها المختلفين.

 

حيال النظام الايراني

يعمل النظام الايراني بنشاط على توسيع نفوذه في المنطقة. وقد حظي بانجازات عديدة بسبب ضعف الادارة الأميركية السابقة، مثلما وجد تعبيره ايضا في الاتفاق النووي. هكذا، فان النظام الايراني بعد الاتفاق النووي، بينما هو محرر من العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية وبلا تحديات عسكرية أو داخلية، نجح في توسيع نفوذه الى العراق واليمن، يسيطر في لبنان، يتطلع الى السيطرة في سوريا، يتآمر على الانظمة السُنية في المنطقة مثلما في البحرين والسعودية، ويدعم حماس وتنظيم الجهاد الاسلامي في حربهما ضد اسرائيل.

ان الخطاب الذي القاه الرئيس ترامب في ايلول الماضي في موضوع الاتفاق النووي بين القوى العظمى الستة وايران هام للغاية. واشارت اقواله الى تغيير في السياسة واستيعاب خطورة التهديد الذي يمثله النظام الايراني على استقرار الشرق الأوسط والعالم. فالادارة الأميركية، مثل الانظمة العربية السُنية واسرائيل، تصنف النظام الايراني كالتهديد رقم "1" في الشرق الأوسط وليس كجهة تساهم في استقرار المنطقة. وعليه، فانها جزء من الحل، مثلما رأته إدارة اوباما. ومع ذلك فمن أجل التصدي للتحدي الايراني وتحقيق الهدف الذي حدده الرئيس ترامب في خطابه، على الادارة ان تمتنع عن الانشغال بفتح الاتفاق النووي الان، وبدلا من ذلك ان تتخذ سياسة تندرج فيها الضغوط على النظام، بحيث تنشأ لديه مرة اخرى معضلة بين استمرار نشاطه العاق والتآمري، وبين بقائه. اما فتح الاتفاق فسيخلق انشقاقا بين الولايات المتحدة والدول الخمسة المشاركة في الاتفاق النووي، بدلا من رص الصفوف وممارسة الضغط على النظام الايراني.

ان فتح الاتفاق زائد اساسا لانه يمكن ممارسة الضغط على النظام الايراني منذ اليوم دون فتح الاتفاق النووي، بسبب خروقاته لقرار مجلس الأمن في موضوع نشر السلاح، الارهاب، مشروع الصواريخ وكذا خرق حقوق الانسان، بما في ذلك الاعتقال والاعدام لمعارضي النظام. وبالتوازي على الادارة الأميركية ان تقود نحو رقابة اكثر تشددا على المشروع النووي الايراني، والاستثمار في الاستخبارات والتعاون مع الحلفاء، للايفاء بالهدف الذي حدده الرئيس ترامب – منع القدرة النووية العسكرية عن ايران.

 

حيال المعسكر السلفي الجهادي

يسعى الجهاديون السُنة الى اقامة الخلافة – وسواء عاجلا، بطريقة "داعش" الذي اعلن عن اقامة الخلافة واقامت المنظومة المدنية لادارة المناطق التي احتلها بالتوازي مع الكفاح العسكري للحفاظ على هذه المناطق وتوسيعها، أم آجلا بطريقة منظمة القاعدة التي تسعى أولا لالغاء تدخل الغرب في الشرق الأوسط واسقاط أنظمة المنطقة "الكافرة" كي تقيم الخلافة بعد خرابها. هذه الجهات يجب أن تتكبد الهزيمة.

ركزت ادارة اوباما على القتال ضد "داعش"، وعادت لتركز على الشرق الأوسط برئاسة تحالف ركز على مهاجمة التنظيم، ولا سيما ذخائره الاقليمية. وتواصل ادارة ترامب الهجوم، وبالفعل، فان "داعش"، التي فقدت معظم الاراضي الاقليمية التي سيطرت عليها في العراق وفي سوريا، قريبة من الهزيمة. ورغم الهزيمة المرتقبة لهم على الارض، فان "داعش"، القاعدة وايديولوجيتهما، سيواصلون تحدي الدول التي تقاتلهم. وذلك، سواء من خلال القتال من داخل المعاقل الاقليمية التي لا تزال لهم في شبه جزيرة سيناء، في ليبيا واليمن أم عبر عمليات الارهاب التي مصدرها في المناطق هذه وفي شبكات الارهاب السرية التي تبقت لهم اساس في العراق، في سوريا وفي شمال افريقيا. هذا الارهاب سيركز ليس فقط على الدول العربية بل وعلى الغرب.

بفضل حجمها العالمي، فان الحرب ضد عناصر الجهاد السلفي تستدعي حشدا للجهود الدولية بقيادة الولايات المتحدة، في ظل التعاون الاستخباري، العملياتي، الاقتصادي والسياسي، بين كل العناصر ذات الصلة في العالم بشكل عام وفي الشرق الأوسط بشكل خاص، لالحاق الهزيمة بهم في المناطق التي تحت سيطرتهم ومن أجل احباط الارهاب الذي يعتزمون تفعيله في كل مكان في العالم.

 

حيال معسكر الاخوان المسلمين

وكما اسلفنا فان الرئيس التركي اردوغان يؤيد الاخوان المسلمين في الشرق الأوسط ويتطلع لاعادة تموضع تركيا كامبراطورية عثمانية جديدة على اساس ايديولوجيتهم. وفي عهد ادارة اوباما لم يمارس اي ضغط اميركي أو دولي ذي مغزى على اردوغان رغم أنه عمل بخلاف المصالح الأميركية والاوروبية وذلك من خلال تقديم المساعدة الاقتصادية لـ "داعش" من خلال شراء النفط من التنظيم، اعطاء امكانية (وبالتأكيد عدم منع) عبور مسلحين من كل العالم عبر تركيا، سواء في طريقهم الى الانضمام الى "داعش" في سوريا وفي العراق، أم في طريق عودتهم الى دولهم ولا سيما الى اوروبا، كمخربين مدربين ومجربين. وكانت النتيجة عمليات قاسية، نفذت في اوروبا في السنوات الاخيرة من هؤلاء النشطاء؛ اعطاء امكانية بل وتشجيع الهجرة غير القانونية للمسلمين الى اوروبا (لاجئون ومهاجرو عمل) عبر تركيا، وبالاساس عبر الجزر اليونانية في بحر ايجا من خلال جهاز التهريب التركي. ولا يخفي اردوغان نيته لاسلمة اوروبا من خلال تغيير ديمغرافي فيها؛ ضرب الاكراد برعاية هجماتها على "داعش" في سوريا، رغم أن الاكراد كانوا العنصر المقاتل الهام في التنظيم.

تركيا لم تدفع اي ثمن على سلوكها هذا. وبالتالي فان على الولايات المتحدة الى جانب الدول الاوروبية أن تمارس روافع الضغط المتوفرة ضد تركيا كعضو في الناتو وكدولة متعلقة اقتصاديا بالتجارة معها كي تتصرف بناء على ذلك. جدير الاشارة الى أن الضرر النابع من عدم استخدام هذه الروافع لا يتلخص فقط بمواصلة التآمر التركي بل ايضا يمس مباشرة بمكانة الناتو وقوة ردعه وردع الولايات المتحدة حيال الاكراد.

لو كانت الولايات المتحدة تتصرف كـ "شرطي عالمي" لمنعت مسعود برزاني من السير بعيدا في موضوع الاستقلال الكردي، ناهيك عن انه كانت محاولة من جانب الادارة الأميركية لحمله على عدم اجراء الاستفتاء، تكبدت الولايات المتحدة فشلا في منع الازمة. واليوم، واضح ان ليس الاكراد فقط بقيادة مسعود البرزاني دفعوا ثمنا على سياسته، بل وكنتيجة لهذه المهزلة تضررت مكانة الولايات المتحدة أيضا وتعزز المعسكر الايراني الشيعي.

 

حيال روسيا

واضح أن أحد اهداف الرئيس فلاديمير بوتين في تدخله ونشاطه في الشرق الأوسط بشكل عام، وفي سوريا بشكل خاص وتعزيز مكانة روسيا كقوة عظمى عالمية. رغم ذلك، يمكن الوصول الى تفاهمات بين ترامب وبوتين بشأن تقسيم مناطق النفوذ. في سوريا مثلا، المصالح الروسية تتركز في علويستان الاصلية وليس في الاجزاء الاخرى التي سيطر عليها بشار الأسد، أو في القسم الكردي او ذاك الذي في شرق سوريا – المناطق المتماثلة أكثر مع المصالح الأميركية. وتقسيم مناطق النفوذ هذا يمكنه ان يكون أساس لتوافقات وتفاهمات انطلاقا من فرضية عمل واقعية بانه لا يمكن توحيد سوريا من جديد. وبدلا من ذلك، ينبغي الاعتياد على فكرة الانطواء في جيوب تكون منسجمة نسبيا من ناحية ديمغرافية، مثل علويستان السورية، كردستان السورية وسنستان السورية. على الولايات المتحدة أن تمتنع عن هجر الساحة السورية بشكل يجعلها منطقة نفوذ روسية /ايرانية صرفة.

 

حيال المعسكر السُني البراغماتي

لقد جعلت ادارة اوباما المعسكر العربي السني يشعر بأنه متروك لمصيره بل ومخون. فدحر الرئيس حسني مبارك، عدم دعم الرئيس عبد الفتاح السيسي في مواجهة الاخوان المسلمين في مصر، وكذا السير مع المعسكر الشيعي بقيادة ايران انطلاقا من رؤيتها كجزء من الحل في الحرب ضد "داعش"، كل هذه أدت الى أزمة ثقة بين الولايات المتحدة ومن كانوا حتى ذلك الحين حلفاءها الطبيعيين في المنطقة. يعبر الرئيس ترامب عن سياسة مختلفة، وجدت تعبيرها في زيارته الهامة الى الرياض في ايار 2017 وبالمحاولة لدعم (سياسي، اقتصادي وعسكري) للعناصر السنية غير الجهادية في سوريا مثل "القوات السورية الديمقراطية". ليس واضحا اذا كانت سياسة الدعم للسُنة غير الجهاديين مستمرة. وبالفعل منذ بداية المعركة في الرقة توجد مؤشرات على تعاظم المساعدة الأميركية، ولكن مع خبو المعارك الكبرى، وربما في اعقاب تفاهمات ترامب – بوتين في الموضوع السوري، توجد مؤشرات على أن الدعم والمساعدة يتقلصان. هذا خطأ جسيم. اذا كان الأمر صحيحا فان الولايات المتحدة تتخذ مرة اخرى في نظر السنة في الشرق الأوسط كسند متهالك، مقابل بوتين الذي ينجح في أن يبدو كمن هو ملخص لحلفائه.

على الولايات المتحدة أن تتخذ موقفا واضحا مع السنة وضد المعسكر الشيعي بقيادة ايران. والتجربة الايجابية في دعم الاكراد في حربهم ضد "داعش" يجب ان تشكل مثالا لدعم مشابه للسُنة غير الجهاديين. في هذا السياق، كان بوسع الولايات المتحدة أن تستعين بالدول العربية السُنية، التي تعمل انطلاقا من مصلحتها لمنع انتشار النفوذ الشيعي، السلفي الجهاد او نفوذ الاخوان المسلمين.

وخلاصة القول فان الشرق الأوسط كمنطقة توجد فيها مصالح اميركية صرفة من جهة وكمنطقة مركبة وقابلة للتفجر جدا من جهة اخرى، يستدعي للولايات المتحدة تحديات عظيمة يتداخل الواحد بالاخر. وبناء على ذلك، فان الولايات المتحدة لا يمكنها أن تسمح لنفسها بفك ارتباطها عن المنطقة. على ادارة ترامب ان تصيغ بشكل واضح اهدافها في المنطقة وان تتخذ في ضوئها استراتيجية تسمح بان تتصدى بالشكل الافضل للعناصر المتطرفة والهازة للاستقرار فيه، في ظل تعزيز حلفائها في المنطقة كي يشكلوا مضاعف قوة ضد هذه العناصر.

بعد ثماني سنوات من سياسة خارجية وأمن اضعفت مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى عالمية، فان عدم اصرار ادارة ترامب على مصالحها ومصالح حلفائها في الشرق الأوسط سيؤثر بشكل سلبي على مكانة الولايات المتحدة في العالم بشكل عام وحيال كوريا الشمالية وايران بشكل خاص. فالفجوة بين الأقوال والأفعال – ما يعكس عدم رغبة، عدم تصميم وعدم جدية – من شأنها ان تضعف أكثر فأكثر مكانتها. ان التجربة التاريخية للادارات السابقة في الانطواء في الداخل وعدم تشكيل "شرطي عالمي"، او تأجيل المواجهة مع التحديات الأمنية الى الادارات التالية، تثبت أنه مع مرور الوقت يصبح هذا التصدي للتحدي اصعب أكثر فأكثر.

وعليه، فان على الادارة أن تبلور استراتيجية عليا، تقدم جوابا للمصالح الأميركية وحليفاتها، ويفضل ساعة مبكرة أكثر.