"المباهاة" وراء زيادة قروض السيارات
نصف مليون رخصة قيادة في الضفة وربع مليون مركبة

حياة وسوق - سحر حنني - في العام الماضي شهدت القروض البنكية الممنوحة لشراء السيارات ارتفاعا ملحوظا بنسبة 21% وارتفعت من 132 مليون دولار في عام 2013 إلى 165 مليون دولار في عام 2014. وتدعو هذه الارقام للتوقف عندها طويلا ودراستها لتحديد الأسباب التي تدفع المواطنين للاقتراض وشراء السيارات.
يعتقد البعض أن السبب الرئيسي يعود إلى "المحاكاة"، أي تقليد الآخرين، بغض النظر عن مدى الاحتياج الفعلي للسلعة، وأصحاب هذا التوجه قد يقعون فريسة لانعدام السيولة بين أيديهم في فترة مبكرة من السداد، وقد يدفعهم الأمر إلى بيع السيارة بثمن بخس والاستمرار بتسديد قمية القرض، وهو ما يتسبب بالكثير من المعاناة والأزمات.
لكن آخرين يدرسون دخولهم جيدا ويلجأون إلى البنوك للحصول على قرض سيارة، وفقا لامكانياتهم المادية ودخولهم الشهرية. وثمة فريق ثالث يلجأ أصحابه الى البنك للحصول على قرض سيارة ومن ثم يقومون ببيعها فورا من أجل الحصول على ثمنها "كاش"، لحل ازمة راهنة لديهم ومن ثم يستمرون بتسديد القرض.
زيادة في رخص القيادة
يرى مدير مديرية النقل والمواصلات في محافظة نابلس يحيى عكوبة، ان هناك مبالغة كبيرة في اقبال المواطنين على تقديم معاملات رخص القيادة، "خاصة النساء اللواتي يحضرن للحصول على رخصة كنوع من الغيرة فبعضهن يعلن بكل بساطة انهن لا يردن قيادة سيارات انما فقط الحصول على رخصة كون الجارة او الأخت أو السلفة حصلت عليها".
ويتابع: يستطيع المواطن في أي وقت اراد امتلاك سيارة أو أكثر، فلا يوجد لدينا في قوانين السير أي قيود تحدد عدد السيارات التي يمتلكها الشخص أو المواطن".
ويبلغ عدد الرخص الشخصية في الضفة حسب وزارة النقل والمواصلات لبداية العام الجاري نحو 464779 في حين بلغ عدد المركبات نحو 249852.
وحسب وزارة النقل والمواصلات ايضا، فإن ارتفاعاً في عدد السيارات المستعملة المستوردة، خلال العام الماضي، مقارنة مع العام 2013، بعدد سيارات وصل إلى 10 آلاف سيارة تقريباً، مقارنة مع 8600 سيارة في 2013.
بينما ارتفع عدد السيارات الجديدة المستوردة، خلال العام الماضي 2014، إلى نحو 5 آلاف سيارة جديدة، وهذا الرقم يعد أعلى من الرقم الذي تم تحقيقه في 2013 (4550 سيارة).
وفي تعقيبه على هذه الأرقام يقول عكوبة: "هناك مشكلة بالشوارع غير المؤهلة والمعبدة مقارنة بأعداد المركابت المتزايدة".
ويضيف: "ان التزايد في اعداد المركبات قد يكون نموا طبيعيا، ولكن الاستيطان وتصنيفات المناطق والاراضي من قبل الاحتلال، جعلنا نكون في بؤرة جغرافية محددة وهو ما خلق اشكالية في زيادة عدد المركبات التي تسير في شوارع المدن المحصورة".
ويتابع: "هناك من بدّل سيارته المستعملة بأخرى حديثة وهناك من يستعمل السيارات القديمة كبداية عند حصوله على الرخصة حتى يتمرن عليها، وبعد فترة يمتلك سيارتين لأنه لا يستطيع ان يبيع القديمة، فيحصل على سيارة جديدة، واصبح في البيت الواحد عدة سيارات لكل من الزوج والزوجة والأبناء كنوع من (البريستيج) أو التخفيف عنهم فكل شريحة في المجتمع تفكر بطريقة مختلفة عن الأخرى بحيث يعتبرها البعض حاجة في حين كثير منهم تكون نوعا من (البريستيج) والمباهاة".
وحسب رأي عكوبة فإن السبب المباشر وراء التزايد في عدد المركبات "يعود للتسهيلات التي تقدمها البنوك لقروض السيارات فأغلب الموظفين حصلوا على سيارات عن طريق البنوك وعليه اصبحت السيارة حاجة اساسية".
وتقدم البنوك العاملة في فلسطين تسهيلات بنسب تمويل تبلغ 100٪ من سعر السيارة الجديدة أو المستعملة، ولسنوات تتجاوز الخمسة أعوام، مقابل الحصول على ضمانات.
وفي السنوات الأربع الماضية، ارتفعت قروض السيارات من 40 مليون دولار في 2008، إلى 165.1 مليون دولار، نهاية العام الماضي 2014.
ويقول المحلل الاقتصادي الدكتور هيثم دراغمة: "إن شعبنا يمتاز بعادات المحاكاة والتقليد وليس لديه القدرة على تنظيم مصروفاته اي انه يتعاطى بما يعرف بـ (الاسراف والتبذير) وهو ما يسمى الاسراف بغير وجه حق، اي شراء حاجة ليسوا بحاجة لها".
وقال: "إن تسارع التقنية والحضارات ونقلها بالسرعة الفائقة التي انتقلت لنا جعلت الناس يقبلون على شراء سيارات وشراء حاجات هم ليسوا بحاجة لها".
ويتابع: "الاقبال على شراء سيارة بضمان رهن السيارة هو ليس بحاجة الى كفلاء لدى البنوك حتى تضمن حقوقها لأن البنوك لا تعطي قروضا الا لكفلاء أو بضمانات فيشتري من البنوك ومن ثم يعود لبيعها بغرض تشغيل اموالها هذا القسم قليل جدا لكن الغالبية العظمى هو تقليد للآخرين".
وقال: "سيارتي تسد الحاجة واذا ما رأيت جاري أو قريبي يمتلك سيارة من نوع معين وتحت أي ظرف من الظروف أبيع سيارتي وأحاول أن اقتني سيارة بقيود أكثر، وهذا يحد من القدرة على ايجاد أفق لدى المواطن الذي يحاول ان يقترض من البنوك لغرض شراء سيارات وعليه يحد من امكانية استثمار امواله ان وجدت في أي مشروع آخر فيصبح رهن البنوك وضغوطاتها التي تؤثر على مسيرة حياته الاقتصادية بشكل عام وسير حياته الاجتماعية، وقد تذهب الى أبعد ما هو اقتصادي الى اشكالات اخرى كاصدار شيكات ان وجدت ومن ثم عدم سدادها (النصب والاحتيال)، وعليه تدخل في مجالات لا أخلاقية"، والحديث للمحلل الاقتصادي هيثم دراغمة.
ويضيف: "الضغوطات التي تمارس على المقترض من البنوك بحكم انه اقترض بغير حاجة تجعله عرضة لآفات اجتماعية قد تؤدي الى الذهاب الى أبعد مما هو متعلق بموضوع النصب والاحتيال؛ لأن القسم الاكبر يحاول ان (يكيّش) سعر السيارة حتى يعمل فيها، ويكون البنك أصلا مقيده بفوائد اكثر مما هو متوقع".
ويلفت إلى أن عملية شراء السيارات غير منتظمة، الأمر الذي يزيد من الأزمات في الشوارع، وكذلك يزيد في ارتفاع أسعار الوقود والزيوت والصيانة فهي عملية عرض وطلب وامتلاك السيارات بكثرة ستزيد من نفقاتها، "هذا بالاضافة إلى أن نسبة فتح شوارع جديدة نسبة متدنية مقارنة بأعداد السيارات وهو ما يزيد من الأزمة المرورية، فضلا عن التلوث البيئي؛ لأننا لا نمتلك نوعيات معينة من السيارات التي تسهم في الحد من ظاهرة التلوث كالاعتماد على الكهرباء والغاز، والتوجه لدى المواطن للمركبات التي تعتمد على السولار وهذا كله سينعكس سلبا على الاقتصاد الفلسطيني وموازنة الدولة".
وقال: "عدد المركبات يفوق الحاجة فأصبح في البيت الواحد من 3-4 سيارات في الوقت الذي يحتاجون فيه الى سيارة واحدة، وهذا يدخل من باب المحاكاة والتشبه بالآخرين".
ويؤكد د. دراغمة "ضرورة العودة الى ديننا الذي حثّ على الأكل والشرب وتجنب الإسراف".

سلطة النقد ترفع فائدة قروض السيارات
وكانت سلطة النقد الفلسطينية أعلنت مؤخرا عن رفع نسبة فائدة القروض الموجهة لشراء السيارات، بغرض الحد من الاقبال المتزايد على شرائها بغير حاجة بحيث وصلت هذه النسبة إلى أكثر من 20%.
وفي تعليقه على القرار قال المحلل الاقتصادي د. هيثم دراغمة: "المواطن عندما يريد ان ينفذ ما برأسه بخصوص شراء سيارة لن ينظر الى الفائدة، فبالتالي سيكون هناك قيود اضافية عليه، والان هناك امكانية للالتفاف على القروض بحيث اذا ما أراد المواطن شراء سيارة تكون من خلال اشخاص آخرين، وهذا يزيد الارباكات في الشارع الفلسطيني بحيث يتوجه الى أصدقاء أو أقارب حتى يحصلوا له على قرض شخصي، وبالتالي ندخل في اشكالية عدم سداد القرض ما سيولد اشكالات اضافية للاشكالات الاقتصادية".
أما مدير مديرية النقل بنابلس يحيى عكوبة فيقول، إن الشخص الذي يريد السيارة كنوع من البريستيج لن يفرق معه القرار، لكن من يريد السيارة لحاجة سيبحث عن طرق بديلة لا يحتكم فيها الى البنوك فقد يلجأ الى وكالات أو أشخاص عبر شيكات شخصية.
وحسب بيانات وأرقام صادرة عن سلطة النقد فإن إجمالي القروض الموجهة لشراء السيارات في الأراضي الفلسطينية، بلغت 165.1 مليون دولار نهاية الربع الأخير من 2014، مقارنة مع 130.5 خلال نفس الفترة من العام 2013، في حين بلغت قيمة الارتفاع في قطاع قروض شراء السيارات خلال العام الماضي، نحو 34.6 مليون دولار، مقارنة مع ارتفاع في العام الذي سبقه 2013، بلغ قرابة 16.7 مليون دولار.
يذكر أن إجمالي القروض المصرفية المقدمة للقطاع الخاص الفلسطيني (أفراد وشركات)، بلغ حتى نهاية العام الماضي 3.656 مليار دولار، بينما بلغ إجمالي قيمة القروض، بما فيها الحكومية، نحو 4.895 مليار دولار، حتى نهاية 2014.

165 مليون ليست رقما كبيرا
ويرى الدكتور نائل موسى الخبير الاقتصادي ان مبلغ 165 مليون دولار المخصصة للقروض "ليس رقما كبيرا خاصة ان هذه السيارات سلع استهلاكية تشتريها الأسرة لتقوم فقط بالخدمة الشخصية، ومعظمها سيارات خاصة، وهذه السيارات غير مدرة للدخل وبالتالي نسدد ثمنها من خلال الراتب الذي كان سيذهب هذا الجزء من الراتب الى شراء السلع الأخرى التي كانت ستنعش الاقتصاد المحلي أو ادخاره وتحويله الى استثمار مدر للدخل".
ويتابع: "هذه المبالغ الكبيرة في الانفاق على السيارات جاءت لتخرج مبلغا كبيرا من الاقتصاد الفلسطيني لشراء سلعة غير مدرة للدخل وغير قادرة على تحقيق النمو الاقتصادي الذي نحن في أمس الحاجة له خاصة في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة".
ويبين أن اعطاء البنوك هذه التسهيلات فيما يتعلق بشراء السيارات الخاصة جاء باتجاه معاكس للتنمية الاقتصادية المستدامة التي كان يجب أن تخوضها البنوك بتوجيهات سلطة النقد حتى تكون هذه القروض موجهة للمشاريع الاستثمارية التي تدر دخلا وتشغل ايدي عاملة خاصة في ظل النمو الاقتصادي الضعيف ونسبة البطالة العالية.
ويعتقد ان البنوك وسلطة النقد مجتمعة غير موفقة بهذا الاجراء الذي ساهم في زيادة التوجه للاقتراض من أجل اقتناء سيارات.
وقال: "نحن في بيئة استثمارية غير مستقرة، وبالتالي عملية الاقتراض من أجل المشاريع يشوبها كثير من المخاطرة على المقرض والمقترض معا، والبنك يحتاج الى ضمان قرضه، وجاءت قروض السيارات ذات مخاطر متدنية بمعنى ان السيارة يتم التأمين عليها وتبقى مرهونة للبنك لحين سداد القرض في حال حصل أي مخاطرة على السيارة، والتأمين يغطي هذه المخاطرة، والبنك يحصل على الأموال من خلال الرواتب التي تحول من الكفيل او صاحب السيارة وخصم الفوائد عليها، وهذا زاد من توجه الناس للاقتراض من البنوك خاصة ان كثيرا من معارض وشركات السيارات تعاونت مع البنوك ووفرت مجموعة كبيرة من السيارات على مختلف أذواق المستهلكين، فضلا عن القروض الميسرة ذات المخاطر المتدنية".
مواقف المواطنين
يؤكد المواطن نضال اشتية ويعمل مصورا صحفيا، انه لن يشتري سيارة بقرض بنكي لأن القروض من ناحية دينية "تكون في حالة الحاجه الشديدة، بالاضافة الى نسبة الفائدة الكبيرة التي تحصل عليها البنوك".
ويقول: "أنا لست من اولئك الأشخاص الذين يشترون السيارات فقط لان فلانا اشترى من قبله فالمواصلات متوفرة واذا ما اضطررت باخد تكسي طلب، ولا أشتري سيارة بالقرض أو على البنك".
كثير هو حال من يندمون لتوجههم للقروض بغية شراء سيارات خاصة، فالمواطن زاهي زلموط من مدينة نابلس ويعمل في المقاولات أحد هؤلاء، يرى ان القرض الذي أخذه على اسم زوجته (الموظفة) لشراء سيارة اصبح عبئا كبيرا عليه بعد ان تعرض للاعتقال الاداري من قبل الاحتلال لستة شهور ادت الى تدهور اوضاعه المالية.
"كنت امتلك سيارة (سكودا) لا بأس بها، لكن طبيعة عملي في المقاولات تحتاج الى سيارة أفخم (جيب) من باب البرستيج، اذ ان مجتمعنا مع كل أسف مبني على المظاهر، حتى لو على حساب حياتنا".
ويقول: "حين اقدمت على خطوة اللجوء للقرض كانت أموري المالية جيدة في ظل انتظام العمل، لكن حصل فجاة اعتقالي من قبل الاسرائيليين لمدة ستة شهور وهذا أثر سلبا على حياة أسرتي حيث شكلت لهم عبئا ماليا فوق ظروفهم الخاصة".
مواضيع ذات صلة
الذهب يتجاوز عتبة الـ5 آلاف دولار للأونصة والنفط يواصل الارتفاع
الشائعات تشعل أزمة غاز مصطنعة في الضفة
أزمة الغاز .."التخزين الزائد يساوي الحرمان لغيرك"
أسعار الذهب تقترب من 5 آلاف دولار للأونصة
"الإحصاء": عجز الميزان التجاري ارتفع بنسبة 43% خلال تشرين ثاني الماضي
انخفاض أسعار الذهب في المعاملات الفورية
الذهب يرتفع إلى مستوى قياسي