عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 19 تشرين الثاني 2017

الثورة الاجتماعية باتت هنا.. 40 في المئة من الوظائف ستزول من الوجود

هآرتس/ ذي ماركر - روبي نتنزون

أحدثت الثورات التكنولوجية تغييرات غير مسبوقة في تاريخ الجنس البشري. الحروب، صعود وسقوط القوى العظمى، الهزات الاجتماعية، حركات الاستعمار والتحرر – كل هذه تعزى بقدر كبير لاختراعات كالطباعة، السكة الحديدية، خط الانتاج أو التلغراف. ونحن نشهد ثورة كهذه اليوم ايضا، وهي تجري بقوة وبسرعة كفيلتين بأن تغطي على كل ما شهدناه في الماضي.

الحوسبة، الانترنت، الاتمتة والقدرة على معالجة المعطيات (بيغ داتا) تهز المجتمع والاقتصاد العالمي، تسقط مؤسسات قديمة وترفع الى العظمة مؤسسات جديدة. وسوق العمل هي الأخرى تجتاز تحولا لم يشهد له مثيل منذ الثورة الصناعية. فحسب بحث أجري في 2013، فان ما لا يقل عن 47 في المئة من الوظائف في الولايات المتحدة توجد في خطر عقب الأتمتة التي ستقع في مدى 10 – 20 سنة؛ بحث اسرائيلي يستند الى منهاجية مشابهة يضع عدد الوظائف التي في خطر في اسرائيل عند معدل نحو 40 في المئة. واذا كانت حراكات واحد أو اثنين في المئة في معطيات التشغيل تعد هزة ارضية، فيمكن فقط أن نخمن آثار ضياع نصف الوظائف في الاقتصاد.

بخلاف الرأي السائد، فان معظم الوظائف التي في خطر ليست قليلة الكفاءات، بل توجد في المجال المتوسط: فهي لا تتطلب ذات الخبرة، التعليم والابداعية لرأس الهرم، ولكن كلفتها ليست قليلة مثل الوظائف عديمة الكفاءات التي ليس مجديا دائما استبدالها بآلة. بمعنى، أن الكثير من اولئك الذين يوجدون في خطر هم العاملون في المصانع وفي الشركات الكبرى، ممن تمتعوا في الماضي بحماية الاتحادات القوية وشكلوا العمود الفقري للطبقة الوسطى. وقد بات احساس الخوف لدى هذه الطبقة يعطي مؤشراته في السياسة الاوروبية والامريكية، وآثاره كفيلة بأن تزداد فقط.

في مواجهة هذا التحدي، تتمتع اسرائيل بشروط بدء طيبة بسبب صناعة التكنولوجيا القوية واقتصادها المتين. اضافة الى ذلك، تواجه اسرائيل مزايا خاصة، وعلى رأسها قطاعين كبيرين جدا هما قطاع الاصوليين وقطاع العرب ممن يشاركون في الاقتصاد مشاركة جزئية ومحدودة، وكذا انعدام اليقين البنيوي، السياسي والأمني. كل هذه تجعل الاستعداد للتغييرات في سوق العمل مهامة لا تقل في أهميتها عن مسائل الأمن القومي.

أجرى مركز "ماكرو" وصندوق "هنس بوكلر" مؤخرا بحثا شاملا ضم مئات اصحاب الوظائف والخبراء في الاقتصاد، يرسم سيناريوهات مستقبلية لسوق العمل الاسرائيلية في 2040. فالسيناريوهات ليست توقعات. وهي لا تقول ما سيحصل، بل ترسم التطورات المستقبلية المحتملة وتضعها الواحدة تجاه الاخرى كي تثري عملية اتخاذ القرارات في الحاضر.

السيناريو الأكثر تشاؤما للاقتصاد الاسرائيلي هو سيناريو حرب الاستنزاف: وضع يتمترس فيه ارباب العمل والعاملين في مواقفهم ويبقى عرض العمل صلبا لحماية حقوق العاملين، ولكن انهيار الفروع والتغييرات في نوع الكفاءات اللازمة في السوق تؤدي الى البطالة والركود، وهرب العقول ومغادرة الشركات لاسرائيل. ومقابل هذا، فان السيناريو الأكثر تفاؤلا الذي ينبغي لاسرائيل أن تتطلع اليه وتستعد له، هو سيناريو توزيع السعادة – الذي الهدف منه هو خلق سوق عمل مرنة، تسمح بتأهيل دائم للسكان لاغراض الاقتصاد المتحققة. وبالتوازي، ينبغي توسيع شبكة الأمان الاجتماعية والخدمات التي تقدمها الدولة لكل المواطنين، وعلى رأسهم من لا ينجحون في الانتقال الى المهن الجديدة.

من أجل الوصول الى سيناريو توزيع السعادة مطلوب تجند من الدولة، أرباب العمل والعاملين أنفسهم، ويجب منح مكان هام للغاية لسياقات تأهيل العاملين. علينا أن نخلق آليات تنقل المعلومات عن احتياجات السوق من الشركات الخاصة الى الدولة، وتؤدي الى التكييف السريع لدورات التأهيل المهني. فالتأهيل سيصبح مسيرة اشفاء دائمة لا توجد فقط عند الدخول الى سوق العمل، بل يمكن الوصول اليها حتى من العاملين في العشرية الخامسة، السادسة والسابعة لحياتهم. ولكن أكثر من كل شيء، مطلوب تغيير في التفكير، كون الخطوات اللازمة توجد خارج النماذج الفكرية الاقتصادية والايديولوجيا القائمة. وسيتعين على مؤسسات قديمة – من لجان العاملين وحتى الجامعات – أن تكيف نفسها مع العالم الجديد.

لا تتميز اسرائيل بالتفكير للمدى البعيد، ولكن علينا أن نفهم بأن الثورة انطلقت منذ الآن على الدرب. وللقرارات التي سنتخذها في السنوات القادمة بشأن مواجهة التغييرات المستقبلية في سوق العمل، ستكون آثار بعيدة المدى على الاقتصاد الاسرائيلي في الجيل القادم، بل وربما على حصانة وبقاء الدولة نفسها.