عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 19 تشرين الثاني 2017

ركان يقاوم الحياة بقدم واحدة وعكاز

إصابة في مصنع تسببت ببتر ساقه لم تمنعه من الاستمرار في عمله وإكمال تعليمه

*"الصراخ لن يعيد لي قدمي ولن يحقق أحلامي"

* يحلم بإنشاء مشروع لدمج ذوي الإعاقة في المجتمع عن طريق مؤسسة داعمة

نابلس - الحياة الجديدة- محمود ناصر - أربعة أعوام مرت على الشاب ركان داود (27 عاما) من بلدة بيتا جنوب نابلس وهو يسير على قدم واحدة بسبب حادث تعرض له خلال عمله في احدى مصانع البلاستيك في مدينة رام الله ما أدى لبتر ساقه اليمنى.

حادثة شكلت له مفصلا في حياته، خلفت لديه اصابة بدلت كل طموحاته وآماله وجعلته عاجزا عن ممارسة حياته كما كانت في السابق، لكنها لم تزرع فيه اليأس، بل دفعته إلى أن يقوي إرادته وحبه للحياة بدأ يرسم لنا صورة تعكس كل التوقعات، فركان أكمل تعليمه وتخرج من جامعته ولم ييأس وبقي يقاوم الحياة بقدم واحدة وعكاز ليثبت لنا المقولة: "لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس".

سار كالسهم وبخطوات ثابتة، قشع الظلام بنفسه وخط طريق النور وتحدى كل العقبات ورفض أن يكون ضحية في مجتمع يعامل ذوي الاحتياجات الخاصة على أنهم عبء ثقيل وعالة على المجتمع، فها هو ركان يعود لممارسة حياته الطبيعية كأن شيئا لم يكن؛ فتجده يذهب صباحا لعمله في المصنع نفسه الذي أصيب به ومن ثم يعود مساء لبيته مفتخرا بنفسه وهو يزيل عرق الكرامة عن وجنتيه.

كثيرة مثل هذه القصص وقليلون هم من تعايشوا مع إصاباتهم وتقبلوها بسبب وجود أشخاص دعموهم وكثيرون من لم ينجوا بسبب مجتمعهم وبقوا منكسرين.

يسرد ركان قصته لـ"حياة وسوق" قائلا: قبل تعرضي للأصابة كان أكبر أحلامي هو السفر لمدينة أخرى  عربية أو أجنبية، حيث أطور نفسي هناك وأتنقل من مكان لآخر، وكان أيضا من أهم أحلامي إنشاء مشروع خاص بي من خلال تخصصي وهو التصميم، لكن الفكرة لم تكن واضحة حينها ولم أطبقها لحد اللحظة، وبعد اصابتي لم أضعف ولم أستسلم، تعاملت مع الموضوع بكل حب وإرادة وانه قضاء وقدر وكل شيء بيد الله، وبدلا من النظر للجانب السلبي للاصابة اعتمدت الجوانب الإيجابية لها، فلم أجلس في البيت ألعن حظي وأشتم حياتي وأقضي وقتي في البكاء والصراخ، وأعتزل الناس وملازمة غرفتي  لأن هذه التصرفات لن تعيد لي قدمي ولن تعيد أحلامي.

ويضيف ركان: "أنا شاب محبوب في بلدتي وأحب الخير والتطوع ومساعدة من يحتاج المساعدة، فما كان لي إلا أن اصبر كثيرا وأن أحفز نفسي وأهلي ومن هم حولي حتى لا يتمكن الحزن مني وألا أتأثر بمن هم حولي، كي لا يكونوا مصدر نحس ونذير شؤم لي".

ويستذكر ركان وقت وقوع الحادث وما حدث له وكيف كان قويا ومتينا الأمر الذي مكنه من التحكم بنفسه، قائلا: "هذه القوة دعمتتي وبثت في روح الحب للحياة فلم أيأس ولم أخف، بعد مدة من الزمن لا أذكر عدد الساعات تقريبا، خرجت من العملية فرحا متبسما وأحمد ربي أنني ما زلت بين أصدقائي ومن يحبوني وأني لم أفارق الحياة".

ويضيف: "بعد ذلك تمكنت من العودة لبلدتي والتطوع في عدة مجالات ومؤسسات، وكل من لمس معنوياتي وروحي القتالية كان يسارع لجلبي متطوعا في مؤسسته مسهلا لي كل الظروف والاحتياجات، أما بالنسبة لتعليمي الجامعي فتمكنت من إنهاء شهادة الدبلوم في تخصص (جرافيك ديزاين).. وبعد تخرجي لم أتخل يوما عن التطوع"، منوها إلى أنه يشعر بالسعادة حاليا كونه ما زال يمارس عمله الذي كان قبل الإصابة، قائلا: "أصحاب المصنع دعموني ووفروا لي كل احتياجاتي وأبقوني معهم إلى اليوم، وجعلوني اقتنع بأن الخير ما زال موجودا في مجتمعنا".

ودعا ركان أمثاله من ذوي الإعاقة إلى تقبل مشيئة الله بكل حب وان يتعايشوا مع إعاقاتهم، وأن يعلموا جيدا بأن الطاقة لا تخمدها إعاقة جسدية، بل تكمن الإعاقة في العقول العاجزة.

ودعا أفراد المجتمع الأصحاء أن يقفوا مع ذوي الإعاقة من خلال تحفيزهم وتوفير كل ما يحتاجونه لتفجير طاقاتهم وليس النظر إليهم بعين الشفقة فحسب، قائلا: إن ذلك من شأنه أن يساعدهم لمواصلة الحياة.

ما زال ركان يحلم بأن يجوب العالم كله ولو بقدم واحدة، وان يزرع البسمة أينما يخطو، ويأمل ان يتم إنشاء مشروع لدمج ذوي الإعاقة مع المجتمع المحلي عن طريق مؤسسة داعمة لمثل هذه المشاريع في الضفة الغربية التي من شأنها أن تدعم المصابين نفسيا ومعنويا وتعطيهم دورات وتدريبات على الوظائف المهنية وان يتم التشبيك مع الحكومة ومؤسسات المجتمع المحلي وتنمية الرياضات لهم ودمجهم مع باقي شرائح المجتمع.

من يستمع لكلامه يغوص في كل حروفه فيحبها ويحب الحياة ويتذوق طعمها، يراها من منظور مختلف يقاتل من أجل أحلامه وأهدافه يتشبث بها ولا يساوم، يطرد كل يأس ويشرع بإخراج مواهبه وقدراته، يخجل من استهتاره بهؤلاء الذين يفكرون خارج الصندوق ويبحث عن نفسه التي لن تختلف عن ركان ويقتدي به ليكون قصة ومرجعا يرجع له كل شخص عجز يوما من الحياة ولم يقاتل من أجل لقمة عيشه  وفتات من الكرامة.

ركان ما زال  يقاوم الحياة ويعطيها كل الحب والأمل، وينهي كل شعور بالضعف والخوف ويساعد كل من يشعر انه بحاجة للمساعدة، هذه قصة إنسانية جديدة تحمل لنا معنى الإرادة وحب الحياة  والعمل، ومعنى ان تكون للإنسان قيمة وعزة نفس، حالة تثبت لنا ما قاله ركان وتأكد لنا أن الإعاقة تكون في العقل لا في الجسد، وأن الإرادة تصنع المستحيل مهما كان صعبا وأن الضعف يذهب السهل ولو كان متوفرا.