إيران تتموضع في سوريا
هآرتس– تسفي برئيل

"إن من لا يؤمنون بجدوى الحل العسكري في سوريا، فليسحبوا قواتهم منها"، هذه كانت الاجابة الفظة للرئيس التركي رجب طيب اردوغان على التصريح الأميركي الروسي، الذي بحسبه يوافق الطرفان على أنه لا يوجد حل عسكري للازمة السورية، بل فقط حل سياسي ودبلوماسي. التصريح المشترك للرئيس بوتين والرئيس ترامب برهن على التوافق بين الدولتين العظميين وعلى فتح صفحة جديدة في العلاقة بينهما. وهو ايضا يقلق اسرائيل التي تخشى من أن حلا سياسيا سيبقي في سوريا قوات معادية يمكنها بعد فترة العمل ضدها.
موافقة الرئيسين ايضا على أنه يجب على كل القوات الاجنبية مغادرة سوريا – ليست مقنعة. حسب التفاهمات، روسيا ستعمل مع الرئيس الأسد من اجل أن يأمر القوات الاجنبية التي تعمل الى جانبه مثل ايران وحزب الله على ترك الدولة، والولايات المتحدة ستعمل مع الاردن من اجل ابعاد الجهاديين، ومن بينهم مقاتلو جبهة النصرة وميليشيات راديكالية سنية اخرى.
في توجيه نقله مصدر اميركي رفيع للصحفيين بعد التصريحات المشتركة جاء: "نحن (الولايات المتحدة) لا ننوي اجراء مفاوضات مع الأسد، وكما هو معروف ليس مع القوات الايرانية، بل مع روسيا". كما أكد على الرعاية الأميركية والروسية لاتفاق المبادئ الذي وقع في الاردن حول اقامة منطقة آمنة في جنوب سوريا، وهو الاتفاق الذي تعرض لانتقاد اسرائيلي كبير. في الحقيقة اسرائيل فضلت توجيه سهامها نحو روسيا، ولكن المسؤولية عن هذا الاتفاق ملقاة على الولايات المتحدة بنفس الدرجة.
التصريح المشترك كان يجب ألا يكون مفاجئا لاسرائيل، لأنه في شهر نيسان، في اللقاء السابق بين ترامب وبوتين تم الاتفاق على أن مصير الأسد لن يبحث في هذه المرحلة، أي أن ترامب عرض في حينه تنازل هام آخر للسياسة الروسية. هذا التنازل تم التعبير عنه ايضا في التوجيه الصحفي الحالي، الذي اوضح فيه ترامب أن "الأسد يجب عليه الذهاب، لكن هذا قرار للشعب السوري كله، بما في ذلك الذين طردوا من بيوتهم، من خلال الانتخابات". وأنه "في المواضيع التي يوجد للدولتين العظميين مصالح مشتركة فيها يمكن العمل معا". هذه المصالح المشتركة لا تأخذ في الحسبان مصالح اسرائيل.
في هذه الأثناء، هذا هو فقط مجرد اتفاق مبادئ لا يرسم خرائط نهائية، وربما أن صراخ اسرائيل سابق لأوانه. ولكن بعد أن صرح وزير الخارجية الروسي سيرجيه لافروف بأن "وجود القوات الايرانية في سوريا هو مشروع حيث انها استدعيت من قبل سوريا". وازاء تصريح اردوغان لا مناص من القول إن مبدأ مغادرة القوات الاجنبية لا يساوي الورقة التي وقعت عليها وثيقة المبادئ. اتفاق المبادئ ايضا لم يحدد متى ستغادر القوات ومن سيجبرها على الخروج. ايران، روسيا وتركيا ومعها الميليشيات السورية والاجنبية التي تعمل باسمها في سوريا لا تنوي المغادرة. ومشكوك فيه أن تغادر ايضا بعد التوقيع على اتفاق انهاء الحرب في سوريا.
هذا هو الواقع الذي يجب على اسرائيل التعايش معه، اذا لم يكن في نيتها شن حرب ضد الشراكة الروسية – الايرانية، التي تحظى برعاية اميركية. هذه الشراكة تلقت دعما غير عادي من الاقوال التي قالها وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف، في المؤتمر الذي عقد هذا الاسبوع (الماضي) في ايران تحت عنوان "500 سنة على التعاون بين ايران وروسيا". لقد كتب ظريف أن هذا التعاون سيؤدي الى الامن والاستقرار، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل ايضا في وسط آسيا والقوقاز. في الرسالة التي ارسلها لافروف في هذا المؤتمر، عبر عن الأمل بأن "التعاون الثنائي سيتحول الى تعاون استراتيجي". لا يمكن أن يكون هناك تصريحات قاطعة وواضحة اكثر حول العلاقات الجيدة التي أوجدتها الحرب في سوريا بين ايران وروسيا. لهذا التعاون، كما هو معروف، يوجد ايضا جوانب اقتصادية مهمة، مثل مد انبوب غاز من ايران الى الهند عبر باكستان، والاستثمار في البنى التحتية الايرانية، بما في ذلك اقامة محطات كهرباء نووية ستنقل الى الشركات الروسية.
الايرانيون لن يغادروا
علاقات روسيا مع ايران نجحت في التأثير على القيادة الايرانية لابعاد القوات الايرانية عن المنطقة الآمنة الجنوبية الى الشمال والشرق قليلا، وايضا التوضيح لايران أنه من الأفضل ألا تعطي اسرائيل الذريعة لمهاجمة سوريا، لكن حجم تواجد ايران العسكري في الدولة لم يتغير. حسب تقارير المعارضة في اسرائيل ومصادر ميليشيات المتمردين فان مجمل عدد القوات الايرانية والقوات المؤيدة لايران يبلغ نحو 70 ألف مقاتل وهم منقسمون بين الحرس الثوري والجيش الايراني (حوالي 8 آلاف حتى 10 آلاف من رجال الحرس الثوري وحوالي 5 آلاف الى 6 آلاف من جنود الجيش)، وحوالي 20 ألفا من رجال الميليشيات الشيعية التي جاءت من العراق، وحوالي 12 – 15 ألف من رجال الميليشيات الافغانية الذين تم تجنيدهم من قبل ايران، و7 – 10 آلاف مقاتل من حزب الله، و5 – 7 آلاف مقاتل باكستاني وفلسطيني.
يقف على رأس هذه القوات الجنرال جعفر الأسدي، الذي عين في منصبه بعد القائد السابق حسين همدان، الذي قتل في 2015. القوات الايرانية تعمل تحت قيادة مشتركة تسيطر على وتنسق نشاطاتها مع الجيش السوري في اربع جبهات. مقر هذه القيادة يوجد قرب مطار دمشق ويترأسها القائد سيد رضا موسوي، المسؤول ايضا عن التنسيق اللوجستي لقوة القدس في الحرس الثوري الايراني برئاسة قاسم سليماني. في منطقة الزبداني، شمال غرب دمشق، توجد قاعدة الشيباني التي استخدمتها قوات الحرس الجمهوري السوري وانتقلت الى سيطرة ايران. التقديرات تشير الى أنه يوجد فيها حوالي 3 آلاف جندي يقومون بمهمات وسط سوريا. وكذلك قوات حزب الله ورجال ميليشيات افغانية.
قيادة المنطقة الجنوبية تشرف على منطقة درعا والسويداء والقنيطرة، وقاعدتها المركزية توجد في المنشأة رقم 18.000، التي تقع على بعد 60 كم عن جنوب دمشق في طريق درعا، وليس بعيدا عنها توجد قاعدة اليرموك التي استخدمتها قوات حزب الله، في حين أن قاعدة أزرع قرب بلدة شيخ مسكين، تستخدم كقاعدة لوحدة الصواريخ من طراز "سام 1".
في الجبهة الشرقية الشمالية يشغل الايرانيون قواتهم في منطقة الحسكة، الرقة، القامشلي والمطار العسكري قرب حمص. يوجد تحت تصرف هذه القوات مطار "تي 4" الذي يبعد نحو 50 كم عن مدينة تدمر. ويوجد فيه حسب تقديرات مصادر المعارضة الايرانية ألف جندي تقريبا. حوالي ألف جندي من حرس الثورة الايراني يوجدون في منطقة اللاذقية وطرطوس التي يسيطر عليها الجيش السوري. مؤخرا نشرت "بي.بي.سي" صورا لمعسكر آخر أقيم على مداخل دمشق يمكنه أن يضم عدة آلاف من الجنود.
وحيد في ميدان القتال
إن انتشار القوات الايرانية، ومقر قيادتها وعدد المقاتلين، تطرح السؤال حول قدرة اسرائيل على منع أي تواجد ايراني في سوريا، كما قال الجنرال آيزنكوت في مقابلة مع موقع "ايلاف" السعودي. ولكن الانتشار يبرهن في الاساس على نقاط ضعف الجيش السوري، التي يحتاج فيها الى مساعدة ايران. حتى الآن هذه المساعدة وجدت تعبيرها في المعارك المحلية ومنها احتلال حلب. ولكنها لا تشير حتى الآن الى نية السيطرة على مناطق في سوريا من اجل اقامة جيوب ايرانية فيها. مصادر في المعارضة السورية قالت في تقاريرها إن جنودا ومواطنين ايرانيين منشغلون ليس فقط بالحرب، بل بشراء العقارات، ولا سيما في المدن الكبرى. ولكن ايضا في هذا لا يوجد ما يكفي لاحداث تغيير ديمغرافي استراتيجي يمكنه أن يغير طابع سوريا.
الخوف الاسرائيلي من تموضع قوات ايرانية ورعاياها في الجزء السوري من هضبة الجولان، لا يمكن انكاره، لكنه يقتضي أن يتم فحص هل يوجد لايران وسوريا وسوريا مصلحة في فتح جبهة مع اسرائيل في سوريا. ايران وروسيا معنيتان باستكمال العملية السياسية من اجل الابقاء على نظام الأسد وانهاء الحرب. من الواضح لايران وروسيا أنه اذا قررت اسرائيل الهجوم، كما يهدد وزير الدفاع ليبرمان، فان هذا الهجوم من شأنه أن يتسع ويصل الى قصر الرئيس السوري والى اهداف استراتيجية اخرى، والى لبنان ايضا ضد حزب الله، ولن يكتفي بمهاجمة الأهداف الايرانية. هكذا سيتم ايجاد ميزان ردع بين اسرائيل وسوريا وايران، يكون فيه تهديد اسرائيل لايران حقيقيا في هضبة الجولان أكثر من تهديد ايران لاسرائيل.
نقطة التحول في هذا الميزان يمكن أن تحدث اذا قرر الايرانيون اقامة نظام صواريخ متوسطة المدى وبعيدة المدى في جنوب هضبة الجولان. ولكن هذه الاحتمالية ايضا ما زالت غير موجودة على الطاولة، في الاساس بسبب معارضة روسيا لعملية استراتيجية ايرانية من شأنها أن تعمل ضد المصالح الروسية. في نفس الوقت، اسرائيل نفسها تعتبر الصواريخ بعيدة المدى الموضوعة في ايران تهديدا استراتيجيا لها أكثر من الصواريخ التي يمكن أن تكون موجودة في سوريا. بشكل عام، في حرب الصواريخ، اذا اندلعت، لا توجد أهمية كبيرة للبعد الجغرافي، طالما أن الدولتين، اسرائيل وايران، يمكنهما مهاجمة بعضهما عن بعد.
المشكلة الأكثر خطورة التي تشكل تحديا امام اسرائيل هي التحالف الذي نشأ بين واشنطن وموسكو في الساحة السورية، بصورة أن اسرائيل لا تستطيع توقع دعم اميركي اذا قررت مهاجمة سوريا. ترامب يواصل اظهار اللامبالاة تجاه العمليات العسكرية والسياسية التي لا تمس محاربة تنظيم داعش، وازاء هزائم التنظيم فان من شأن الولايات المتحدة الاعلان أن اهداف حربها في سوريا والعراق تم تحقيقها بالكامل، وأن تقوم بسحب قواتها. اذا حدث هذا فستجد اسرائيل نفسها في عزلة سياسية، وفي حرب في ساحة حاولت منذ البداية ألا تتورط فيها.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد