عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 14 تشرين الأول 2017

المنطق الأعوج لمن ينكرون التنازل

هآرتس – شاؤول اريئيلي

رئيس الحكومة السابق ايهود اولمرت، الذي عرف جيدا معسكر "منكرو التنازل"، الذي استقال منه هو وارئيل شارون، قال لصحيفة "معاريف" في 20 أيار 2012: "كنت على بعد خطوة من تحقيق اتفاق السلام. الفلسطينيون لم يرفضوا في أي مرة اقتراحاتي. واذا كان هناك للمرة الألف من يحاولون الادعاء أنهم رفضوا اقتراحاتي، فان الواقع كان مختلفا. فهم لم يوافقوا عليها، وهنا يوجد فرق. هم لم يوافقوا عليها لأن المفاوضات لم تنته، بل كانت على شفا الانتهاء. ولو بقيت رئيسا للحكومة اربعة اشهر اخرى لكان يمكن التوصل الى اتفاق سلام. الفجوات كانت صغيرة جدا، وقد وصلنا الى المراحل الاخيرة".

هذا الاقتباس من المصدر الاساسي يفند كليا الادعاء بشأن رفض محمود عباس الذي يتم طرحه من قبل بني بيغن ودان مرغليت ("نزاع فريد واستنتاج فريد"، "هآرتس"، 9/10، و"علينا التعلم من بيغن وليس من غولدا"، هآرتس، 10/10). لكن الأهم من التفنيد هو الفكرة الجوهرية التي تتجسد في اقوال اولمرت، والتي وجهته في المفاوضات. خلافا لأسلافه، قام اولمرت بـ "قفزة اعتقاد" فيما يتعلق بانهاء الصراع. هو لم يأت "للتنازل" أو "الاعطاء"، بل جاء للتفاوض من اجل انهاء الصراع بصورة عادلة وحكيمة وواقعية ووفقا للقرارات الدولية.

هذا الموقف لا يتبناه "رافضو المصالحة"، الذين يفضلون الرؤيا احادية الجانب الضيقة والمتعجرفة والتي ينقصها الواقع التاريخي والتي ركزت عليها بشكل موسع في المقال الذي رد عليه بيغن (حلول فريدة لصراع فريد"، "هآرتس"، 4/10). حسب رأيهم، اذا تم التوقيع على اتفاق مع الفلسطينيين فيجب التوقيع عليه دون أي شروط.

اسرائيل تقوم بالاقتراح والفلسطينيون يجب عليهم الموافقة على اقتراحاتها مهما كانت، حتى اذا كانت مقطوعة عن أي قاعدة سياسية وقانونية، مثل اقتراحات ايهود باراك في كامب ديفيد الذي طلب من ياسر عرفات: "مناطق لا تقل عن 11 في المئة، يعيش فيها 80 في المئة من المستوطنين، يتم ضمها الى السيادة الاسرائيلية. واضافة الى ذلك، لن نقوم بنقل مناطق تقع تحت سيادة اسرائيل (دون تبادل للاراضي)... سيطرة اسرائيلية لبضع سنوات على ربع غور الاردن". و "جبل الهيكل يكون تحت سيادة اسرائيل.. وعرفات يحصل في البلدة القديمة على السيادة في الحي الاسلامي وكنيسة القيامة". وشرقي القدس يبقى تحت سيادة اسرائيل والقرى التي ضمتها اسرائيل في 1967 تنقل الى فلسطين.

الرفض الفلسطيني لعرض اسرائيل يحولهم بشكل تلقائي الى رافضين للسلام. فقط هكذا "رافضو المصالحة" يستطيعون تفسير المنطق الفاسد الذي يقف في مركز ادعاءاتهم، الذي يقول "باراك أعطى كل شيء" و"اولمرت أعطى أكثر من باراك".

هكذا فقط يمكنهم تفسير "الموقف الثابت الذي طرحه الفلسطينيون اثناء المفاوضات" – "التنازل عن 100 في المئة التي تشكل وطنهم فلسطين مقابل 22 في المئة التي تشكل الدولة الفلسطينية – أمام البازار الفارسي الذي تعاملت فيه اسرائيل حتى انابوليس 2008.

من ناحيتهم لا يوجد للفلسطينيين شرعية لعرض موقفهم. هم يرفضون شرعية الرواية الفلسطينية والاعتراف الدولي بها. هم يتجاهلون المنطق البسيط، الذي يقول إن رفض اقتراح اولمرت كما هو، شرعي ويوازي رفض اولمرت لاقتراح عباس كما هو. هذا هو جوهر كل مفاوضات، يقترحون ويتفاوضون ويتنازلون ويتقدمون. في نظرهم الى الفلسطينيين على أنهم "شفافون"، وهم فقط "يوافقون"، فهم يفوتون فرصة النظر الى المرآة التي يضعها الفلسطينيون أمامنا في المفاوضات، فرصة فهم أنه من اجل التوصل الى الاتفاق يجب الاعتراف بشرعية الفلسطينيين، بانسانيتهم واحتياجاتهم. وفهم أنه يجب علينا التخلي عن جزء من احلامنا اذا كنا لا نريد أن يتحول الى كوابيس.

بيغن اختار التركيز على موضوع اللاجئين. وكتب في مقاله الكثير من الاقتباسات "المختارة" (جميعها من موقع واحد). هذه مقاربة للهواة من اجل فهم مواقف الاطراف. مثل محاولة شرح مواقف اسحق رابين وباراك في المفاوضات على مستقبل هضبة الجولان والمناطق، على قاعدة الحملة الانتخابية لحزب العمل. توجد هناك كمية وافرة من التصريحات المتعاكسة حول هذا الموضوع، مثلا تصريحات عباس في 2008، حيث قال "من غير المنطقي الطلب من اسرائيل استيعاب خمسة ملايين لاجئ، أو حتى مليون لاجئ. معنى هذا سيكون نهاية دولة اسرائيل"؛ أو تصريحه بأنه مستعد للعودة الى صفد، مسقط رأسه، كسائح فقط. على بيغن والجمهور أن يفهم أن المواقف التي يقومون باقتباسها هي المطروحة في المفاوضات الرسمية. لو أن بيغن، الذي تنقصه تجربة التفاوض مع الفلسطينيين، كلف نفسه عناء قراءة الابحاث والكتب حول الموضوع لكان فهم أن الحديث لا يدور، كما يدعي، عن "خيال الخبراء" بل عن الموقف الفلسطيني الرسمي الذي يقول إن عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين سيعودون الى اسرائيل – بموافقتها – يتراوح بين 50 – 100 ألف لاجئ. هذا العدد، اذا وافقت عليه اسرائيل (اولمرت رفض)، لن يؤثر على الميزان الديمغرافي لاسرائيل. اضافة الى ذلك، على ضوء حقيقة أنه حسب مسودة الاتفاق في المفاوضات التي اجراها اولمرت، أكثر من 330 ألف فلسطيني في القدس سيغيرون اقامتهم الاسرائيلية بمواطنة فلسطينية، الميزان الديمغرافي يتوقع أن يتغير بـ 2.5 في المئة لصالح اليهود في اسرائيل.

لقد تجاهل بيغن ايضا أن كل اتفاق بين اسرائيل والفلسطينيين سيكون متعلقا بـ "صفقة" تشمل اربعة مواضيع اساسية، كل طرف يمكنه الحصول على ما يريد فقط في موضوعين. في موضوع الامن سيقدم  الفلسطينيون لاسرائيل نزع السلاح من دولتهم، وفي موضوع الحدود ستمنح اسرائيل موافقتها على العودة الى حدود 1967 كأساس. التنازل الفلسطيني عن حق العودة الذي سبق أن أعطي في 1988، عندما كتب أبو اياد، نائب ياسر عرفات، لادارة ريغان "حق العودة لا يمكن تطبيقه من خلال الاضرار بالمصالح الاسرائيلية، بل يجب علينا أن نأخذ في الحسبان الوضع الذي نشأ منذ العام 1948" – يقتضي في المقابل اقامة عاصمة فلسطين في شرقي القدس".

لو كان من ينكرون التنازل يكرسون دقائق معدودة للقراءة، لكانوا عرفوا التنازلات الاخرى التي طرحها الفلسطينيون في المفاوضات – بعيدا عن المواقف الدولية وأقرب الى المطالب الاسرائيلية. في حين أن المجتمع الدولي يصمم على العودة الى حدود 1967، وافق الفلسطينيون على تبادل الاراضي. ورغم أن المجتمع الدولي يقول إن المستوطنات غير قانونية، إلا أن الفلسطينيين وافقوا على ضم 65 – 80 في المئة منها الى اسرائيل، والتي تقع خلف الخط الاخضر، ومن ضمنها الاحياء اليهودية في شرقي القدس. في موضوع الامن ايضا استجاب الفلسطينيون لطلب اسرائيل ووافقوا على دولة منزوعة السلاح.

مقابل المرونة التي أظهرها الفلسطينيون، حتى لو كان هذا رغم ارادتهم، يبرز انسحاب نتنياهو من مبادئ المفاوضات (الأخذ والعطاء) المعروض أعلاه. هو يرفض قبول حدود 1967 كأساس للتفاوض، ويرفض البحث في موضوع القدس. ولو أن بيغن اعترف بهذا الرفض، لكان فهم ما فهمه الرئيس دونالد ترامب في اشهر معدودة: ايجاد شريك اسرائيلي اصعب من ايجاد شريك فلسطيني من اجل اجراء المفاوضات على الاتفاق الدائم. في هذه المرة آمل، وبحق، أن يفهم ذلك كل قارئ، حسب بيغن.