الاساس الديمقراطي في الـ DNA الفلسطيني
هآرتس - بقلم: ديمتري شومسكي

حسب أحد الادعاءات المفضلة على اولئك الاسرائيليين، الذين من جهة يجدون صعوبة في الانفصال عن مشروع الاحتلال والاستيطان ومن الجهة الاخرى يخافون على صورتهم الذاتية الاخلاقية والمتنورة – فان انهاء الاحتلال ليس من المتوقع أن يفيد الفلسطينيين بل بالعكس، لدى ذهاب المحتل الاسرائيلي المستنير، سيحل حسب رأيهم على الفلسطينيين ظلمة الدكتاتورية الاسلامية، بصيغة نظام حماس في غزة، او، للاسف، دكتاتورية عربية علمانية فاسدة مألوفة، بتلك الصيغة التي تميز اجيال من الدول العربية العديدة.
يمكن الافتراض، ان الاسرائيليين الذين يعارضون هذا الادعاء، سيرفضونه بالاساس بسبب بعد التعالي الكولونيالي الذي يتضمنه، ولكن أغلبهم يوافقون على المضمون الواقعي له ("العرب والديمقراطية لا يتوافقان"). ولكن في الحقيقة فان المتنبئين بالظلمة التسلسليين بخصوص مستقبل الديمقراطية الفلسطينية، يتجاهلون الاساس الديمقراطي الواضح والمغروس عميقا، الى جانب خاصية الكفاح المسلح، من الـ DNA الفكري للحركة الوطنية الفلسطينية منذ المراحل الأولى لظهورها وحتى اليوم.
من وجهة نظر الفلسطينيين، فان التوجهات الديمقراطية للقومية الفلسطينية نمت وترعرعت كفرضية مضادة لمناهج التفكير وأساليب العمل غير الديمقراطية بصورة بارزة التي ميزت القومية الصهيونية منذ حققت نجاحاتها السياسية الأولى.
سيقال فورا، ان الهدف السياسي للحركة الصهيونية – تقرير المصير للشعب اليهودي في ارض إسرائيل – توافق مع المعايير الأخلاقية الدولية العالمية، حيث ان اليهود كباقي الشعوب كانوا جديرين بتقرير مصير قومي، في الوقت الذي كان فيه المكان الوحيد في العالم الذي رأى فيه اليهود والكثيرون من غير اليهود بانه هو الوطن السابق للشعب اليهودي هو أرض إسرائيل ("فلسطين"). ولكن لست مضطرا ان تكون "ما بعد صهيوني يكره إسرائيل"، من اجل الاعتراف بحقيقة أنه منذ وعد بلفور فإن تحقيق الأهداف العادلة للصهيونية كان مرتبطًا بصورة محتومة بسحق فظ للحقوق الأساسية الديمقراطية لسكان البلاد الفلسطينيين. في حين أن الشعب اليهودي، الذي كان يشكل أقلية بسيطة من مجمل سكان البلاد، حصل على وعد صريح بإقامة وطنه القومي فيها. أما الحقوق السياسية القومية للاغلبية العربية في البلاد فقد أجلت، من أجل السماح من خلق اغلبية يهودية فيها – وهو الشرط الضروري الوحيد، من وجهة نظر الصهيونية، لسكب مضمون سياسي فعلي في صيغة "وطن قومي".
كنقيض للمقاربة غير الديمقراطية هذه، طرحت القومية الفلسطينية رؤيا سياسية – مدنية شاملة ومساوية جدا. حيث انها في حزيران 1928، وبعد عدة سنوات من المصادقة على الانتداب البريطاني من قبل عصبة الأمم، فان مؤتمر عموم فلسطين السابع، الذي ضم عددًا من الأحزاب والتيارات المختلفة في القومية الفلسطينية في ذلك الوقت، دعا الى انشاء مجلس تشريعي يمثل جميع سكان البلاد. وتجدر الإشارة الى أن أغلب الصهاينة لم يخطر ببالهم تبني هذه الفكرة، وذلك لانهم افترضوا، وبحق، انه في ظل الظروف الديمغرافية القائمة فان المجلس، الذي يكون للعرب فيه، اغلبية عددية واضحة، لن يوافق على انشاء الوطن القومي لليهود فقط.
بعد مرور أربعة عقود (1968)، فان المؤتمر الثالث لمنظمة التحرير الفلسطينية دعا لان تقام بدلا من إسرائيل، دولة ديمقراطية واحدة لكل سكان البلاد، دون تمييز في "اللون أو الدين أو العرق". من المفهوم، انه نظرا لان معنى هذه الرؤيا هو الغاء حق الإسرائيليين في تقرير المصير، فانها كانت مخالفة لمبادئ العدل الدولي. وليس بالإمكان انكار، بان نموذج الدولة العتيدة الذي وضعه، أمثال المثقفين الفلسطينيين مثل نبيل شعث في مقاله البرنامجي، "فلسطين الغد" (1971، الذي اقتبس في مقاله د. هنيدة غانم "بين حلين، الدولة الواحدة") – الذي يقول فيه ان فلسطين الكاملة تكون دولة الفلسطينيين من كل الأديان، وتمنع فيها التمييز على أساس أي انتماء طائفي خاص– وهو نموذج لديمقراطية مدنية ليبرالية من الدرجة الأولى، يمكن لاي قومية حديثة ديمقراطية ان تفاخر به.
رغم الإهانة والقمع المستمرين للحركة القومية الفلسطينية في أيامنا هذه، فانه في هذا الوقت أيضا، يمكننا أن نشخص بوضوح في أوساط القومية الفلسطينية بؤرا ساطعة لرؤيا مدنية – ديمقراطية. على سبيل المثال، العناصر القيادية للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. أجل، يجب تذكير كل المنتقدين والمشهرين بـ "القائمة المشتركة" الكثيرين، انه في إسرائيل بتسليئيل سموتريتش، آييلت شكيد وقانون التفوق للقومية الاثنية الدينية اليهودية – فإن الأحزاب العربية هي التي ترفع راية "دولة كل مواطنيها" الإسرائيلية الديمقراطية. وهي أيضا التي تقف في جبهة معركة وقف التصفية المتسارعة لبقايا مكونات الديمقراطية لدولة إسرائيل.
في الوقت الذي فيه النتائج المخيبة للامال "للربيع العربي" في معظم الدول العربية، وكذلك مشاكل أداء ليست بالقليلة تكتنف السياسة الفلسطينية الداخلية في ظل ظروف حكم عسكري إسرائيلي مباشر او غير مباشر، لا ترفع من معنويات الشعب العربي الفلسطيني – جدير بالذكر، ان للقومية الفلسطينية الحديثة، طبقات عميقة من تراث التفكير السياسي الديمقراطي، التي تصلب عودها، وازدادت مضاءً، في ظل كفاحات ذات عناصر تركز على العرقية في القومية الصهيونية. عندما يحين الوقت، إذًا وعندما ينتهي الاحتلال الإسرائيلي "المستنير" يمكن لهذه الطبقات ان توفر القاعدة التحتية الفكرية الحيوية لبناء الدولة الفلسطينية الديمقراطية.
مواضيع ذات صلة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل