عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 10 تشرين الأول 2017

يوسف عرعراوي.. العرس المؤجل 30 عامًا

الأربعيني أحمد قص اللحظات الأخيرة لشقيقه الأكبر

جنين- الحياة الجديدة- قصّ الأربعيني أحمد، اللحظات الأخيرة لشقيقه الأكبر الشهيد يوسف محمد عرّعراوي، كان يضع اللمسات الأخيرة على منزله استعدادًا لزفافه، ولم تفصله عن فرحة العمر سوى عشرة أيام، لكن ظهيرة يوم 21 كانون الأول 1978 نقلت يوسف إلى زفاف مختلف.

وقال: "كان أصدقاء أخي (محمد ومؤيد) يساعدانه في طلاء المنزل، وأصر على اختيار الأبيض للجدران، ورفض غرفة نوم بلون وردي، وقبل أن ينهيا رفاقه العمل، اقتحم جنود الاحتلال مخيم جنين، وتغير كل شيء".

وفق الراوي، فإن المنطقة الخليفة لمستشفى جنين شهدت مواجهات مع المقتحمين، وأفرغ جندي إسرائيلي محزن رصاص في بطن "العريس" الأشقر، ابن الرابعة والعشرين، وفشلت محاولات علاجه في المدينة، ونقل إلى الخضيرة، وفي مدخل مستشفاها فارق الدنيا، وقبلها ردد كثيًرا نطق الشهادتين، بحسب الطبيب المرافق.

يضيف أحمد "نتذكر يوسف في غناء مارسيل خليفة ( وعا باب المستشفى مات) وكنا نرى أخي عملاقًا، وأخذ مكان والدي، ولا أنسى حرصه على علاجي، قبل أسبوع واحد من استشهاده، فقد أصبت بكسر في يدي، وأصر على حملي داخل السيارة التي نقلتني للمستشفى، وحين لم نجد فيه علاجًا، ظل يحتضنني حتى وصلنا قرية جلبون باحثين عن طبيب شعبي".

درس الشاب الوسيم، وصاحبة الضحكة الدائمة في مخيم قلنديا، واختار تخصص التمديدات الكهربائية، ونشط في اللجان الشعبية، وأمضى وقتًا طويلاً في جمع التبرعات للمرضى والمحتاجين، وكان مسؤول اللجنة الطلابية اللوائية في معهد قلنديا للتدريب المهني.

يقول يزيد "أحضر جيش الاحتلال جثمان أخي من العفولة، واشترطوا دفنه في مقبرة بيت قاد (شرق المدينة)، ولم يسمحوا لأمي بوداعه إلا داخل مقر ما يسمى "الحاكم العسكري" ولوقت قصير، وشارك خمسة فقط من أبناء عائلتنا في دفنه".

وحسب أحمد، فقد حرص يوسف على القراءة بشغف، وأحب كثيرًا الشاعر أحمد شوقي، واحتفظ في مكتبته بديوان (الشوّقيات)، واقتنى كتباً دينية وتاريخية، مثلما كان يخط في هوامش مقرراته المدرسية عبارات وطنية حماسية، وأبياتًا لأمير الشعراء، وكرر كثيراً ما نظمه الشهيد الشاعر عبد الرحيم محمود (سأحمل روحي على راحتي...).

حمل الشاب عراعروي الترتيب الأول في عائلته، فقد ولد مطلع تشرين الأول 1963، وتلاه حسين (توفي بعد سنتين من استشهاد يوسف في حادث سير)، وأحمد، ومحمود، وعيسى، وحسنية، وهنية، وآمنة، ومنى، ونجوى، ومريم. أما الوالدة (فضّة) فقد عانت منذ غياب ابنها الأوجاع، فيما رحل والده عام 1996، وأوصى بدفنه بجوار ابنه الأكبر.

يواصل الأخ المكلوم: حين غاب يوسف شعر أبي بالحزن الشديد، وأثّر استشهاده علينّا، ولم نعد نهتم أنا وأخوتي بالدراسة، رغم تفوقنا، وانخرطنا في الانتفاضة. ولا ننسى ما حمله لنا جارنا عبد الرحيم في ذلك اليوم الأسود بأن يوسف أصيب.

واستنادًا لعرعرواي، فإنه يحرص على مواصلة العيش في البيت نفسه، الذي كان يوسف يحلم به كمسكن للزوجية، ويرفض الانتقال للمسكن الجديد في حي الجابريات منذ 11 سنة، فكل شيء في المنزل بأطراف المخيم يحتفظ بذكرى صاحبه الغائب.

فتشت العائلة عن صورة ليوسف، فلم تجدها إلا بجوار خطيبته (خولة)، واضطرت لقصها وتحويلها إلى ملصق يُخلّد يوسف ويرثي الشاب المحبوب.

يضيف أحمد: "انتقلت المسؤولية الثقيلة من يوسف إليّ، وصرت أشعر بحجم خسارتنا له، وبالرغم من إطلاق اسمه على أولادنا، إلا أن شبيهه الوحيد بعد أبي معاوية ابن أختي".

تنتقل عائلة عرعراوي إلى استراحة الشهداء في بيت قاد كثيرًا، فتترحم على الأخ والأب الذي صار يجاوره منذ عام 1996، وتشعر بثقل الحزن، وخاصة حين تستذكر الحوار الأخير مع الوالدة، فيومها طلبت الأم تشغيل المُسّجل وتكرار أغنية العريس، إلا أن يوسف صار يشوش على الأغنية، ويستبدل العريس بالشهيد، حتى حزنت الوالدة كثيرًا، ليسرع إليها ويطلب منها الصفح، فتبتسم.