2000 حالة تصلب لويحي.. فلسطين الأعلى بين دول الجوار

رام الله- الحياة الجديدة- فاطمة مشعلة- يُعرّف مرض التصلب اللويحي أو المتعدد أو المتناثر؛ بأنه مرض مزمن (مناعي) يُصيب الجهاز العصبي المركزي في جسم الإنسان، أي الدماغ والحبل الشوكي، ويحدُث المرض حين تتراجع مادة "المايلين" التي تُحيط بالخلايا العصبية أو العصبونات، ووظيفتها تسريع نقل السيلان العصبي إلى جميع أنحاء الجسم، وعليه فإن أي ضرر يلحق بها يعني إبطاء عملية نقل الرسائل العصبية للعضو المصاب، ويترك ذلك بقعاً على الدماغ والحبل الشوكي.
وبحسب أخصائي أمراض الدماغ والأعصاب، ورئيس قسم الأعصاب في مجمع فلسطين الطبي د.زيد غانم، فقد تكون الإصابة حسية، أو حركية تشمل الأطراف، أو بصرية تُسبب ألماً في العين، وتشوشاً في الرؤية، أو عصبية تهاجم المخيخ، ويفقد على إثره الشخص التوازن، أو يُصيب مرض التصلب المثانة، فيشكو من مشاكل تتعلق بالتبول، وذلك تبعاً لأنواع المرض وهي؛ الحميد، وهجماته غير قوية وقليلة الحدوث، والانتكاسي، والثانوي، والمتطور الذي ينضوي على إصابات حسية وحركية وهجماته متتالية تُرهق المريض.
إن الأكثر عرضة للإصابة بالتصلب المتعدد هم الأشخاص المتراوحة أعمارهم بين 20-40 عاماً، وينتشر بين النساء أكثر من الرجال، لكن الأنواع الصعبة تتخطاهن لتُصيب الرجال.
ومن أعراض المرض بالإضافة لما سبق:
وعن أسباب المرض التي لم تتضح بعد، يقول غانم إن ثمة عوامل قد تكون مساعدة لنشوئه، لكن الحقائق العلمية والدراسات لم تُثبت ذلك بعد، والعوامل التي سوف نتحدث عنها تقع في دائرة الترجيحات، كالعامل الوراثي؛ فإصابة الوالدان بالمرض مثلاً، يرفع احتمالية إصابة الأبناء، لكن ذلك ليس محكوماً بقاعدة أو استنتاجٍ علميٍ دقيق، فلا علاقة وراثية مباشرة بين المرض وصلة القرابة ودرجتها.
وترتفع نسبة إصابة سكان المناطق الباردة بالتصلب اللويحي، كالأجزاء الشمالية من قارة أوروبا ومنها؛ بريطانيا، والنرويج، بالإضافة إلى روسيا وغيرها من الدول، ويخمن العلماء بأن يكون السبب قلة ظهور الشمس، ونقص فيتامين (د) في أجسامهم، وبهذا يكون العامل البيئي عاملاً مساعداً آخر.
ويوضح غانم إمكانية تسبب العامل الالتهابي بالمرض، كأن يتعرض الشخص في مرحلة الطفولة لفايروس ما، شكّل أجساماً مضادة مع الوقت، والتي من المفروض أن تدافع عن الجسم، كجزء من آليته المناعية، لكنها تُهاجم الجسم لاحقاً (جهاز المناعة يُهاجم نفسه ذاتياً).
والعامل الأخير يحكي عنه الطبيب المختص ضمن دراسة أجراها عالم ألماني، للمقارنة بين نسب الإصابة بالتصلب بين الفلسطينيين المقيمين بالكويت والكويتيين أنفسهم، وأكدت أن عدد المصابين الفلسطينيين هناك أعلى، ويعود السبب لوجود (عامل جيني) أوروبي لدى الفلسطينيين، بفعل الحملات الأوروبية المتعاقبة على أرض فلسطين منذ مئات السنين.
المرض في فلسطين
يُقدر عدد الفلسطينيين المصابين بالتصلب اللويحي في الضفة وقطاع غزة بأكثر من 2000 مصاب، أي من بين مئة ألف شخص هناك 100 مصاب، وهي نسبة أعلى قياساً بدول الجوار كالأردن ولبنان وسوريا، لكن لا تتوفر إحصائية خاصة بالمرض أو تُقدم أرقاماً دقيقة حوله، لا سيما في محافظة الخليل – أكبر محافظات الضفة، بحسب الطبيب، إذ قد يتكتم بعض المرضى عن إصابتهم، لتبقى بعيدة عن سجلات وزارة الصحة التي تصرف الأدوية الخاصة به.
تأخُر اكتشاف المرض
يقول غانم إن عدم توفر الأجهزة الطبية الحديثة في فلسطين، زاد من صعوبة تشخيصه، وبالتالي تأخَرَ اكتشافه، وأهم تلك الأجهزة؛ جهاز الرنين المغناطيسي، الذي جُلب إلى مشافي ومراكز الضفة منذ عشرة أعوام فقط.
3 أدوية من أصل 11
إن عدد الأدوية المعتمدة عالمياً لعلاج مرض التصلب اللويحي هي أحد عشر، يتم اعتماد ثلاثة منها في فلسطين، ومنها دواء "الجيلينيا" التي ناضل المرضى مؤخراً، لتوفيره من قبل وزارة الصحة. يقول مدير جمعية أصدقاء مرضى التصلب اللويحي في فلسطين علي حجاوي، إن وزارة الصحة خفضت نسبة مساهمة المرضى بشراء الدواء المذكور إلى 5%، بعد أن رفعتها إلى 30%؛ ما يحرم في الحالة الأخيرة نسبة عالية من تلقي العلاج، فثمن العلبة يقارب العشرة آلاف شيقل، وتكفي المريض لشهر واحد فقط.
القصة بالتفصيل
ويسرد حجاوي لـ"الحياة الجديدة" قصة حل إشكالية الدواء بالتفصيل، فبعد رفع نسبة مساهمة المرضى في ثمنه، ناشدت الجمعية وزارة الصحة غير مرة، وخرجت عبر وسائل الإعلام لمخاطبة أصحاب القرار والجهات المختصة، ما حدا بمكتب وكيل وزارة الصحة للاتصال به والتنسيق للقاء مع الوكيل حول الموضوع، وبعد فترة زمنية تم التواصل مع شركة مصنعة للدواء في سويسرا، وقُدم لها مقترحاً بتخفيف سعر الدواء الذي توفره عبرها وزارة الصحة الفلسطينية، مع توضيح ما يُعانيه المرضى جراء ارتفاع سعره، بالإضافة إلى المعيقات التي تواجه الوزارة فيما يتعلق بميزانيتها العامة، فوافقت الشركة، وأُبرم اتفاق بينها وبين الوزارة على تخفيض سعر الدواء للفلسطينيين لمدة عام.
هل ستتوفر "جيلينيا" بعد عام؟
وحول وجود أُفق لهذا الاتفاق، يقول حجاوي إن موقف الشركة كان إيجابياً للغاية، بدليل قبولها المقترح، ولا تمانع تجديد الاتفاق عند انتهائه، وأضاف أن الجمعية طلبت من وزارة الصحة إرشادها لبعض منافذ المساعدات التي تستخدمها، بهدف جلب المال وتحويله لخزينة الوزارة، لصالح خدمة مرضى التصلب اللويحي.
حالات وقصص
لم يتعرف حجاوي على مرض التصلب اللويحي من المرضى، الذين يتلقون الخدمات النفسية والاجتماعية لدى جمعيته، بل أن صحبته معه تعود إلى أكثر من سبعة عشر عاماً، حين اكتشف إصابته به في عمر السادسة والثلاثين، يقول إن الإصابة لم تعيقه عن ممارسة حياته بشكلٍ طبيعي، رغم الصعوبات التي يواجهها كأي مريض، عند تعرضه للهجمات أو الانتكاسات من فترةٍ إلى أُخرى. وزار الرجل العديد من العيادات الاختصاصية قبل اكتشاف المرض، فتارةً يذهب إلى طبيب العيون، وتارة إلى طبيب الجلدية، وأُخرى إلى طبيب العظام، إلى أن زار صديقه المختص في المسالك البولية، وأخبره أن سبب الذهاب بكثرة إلى دورة المياه ليلاً، إصابته بالتصلب اللويحي.
عقاب مجتمعي لا ينتهي
يُخبرنا علي حجاوي بقصة إحدى الشابات المُصابات بالمرض، والتي تعيش حياتها كما بنات جيلها، إذ تعلمت في الجامعة وعملت بعدها، وذات مرة أُعجب بها شاب وتقدم لخطبتها، وعندما أخبرته بحقيقة الأمر، تراجع عن طلب يدها بسبب المرض، الذي لا يُعيق الزواج أو الإنجاب.
يقول أخصائي أمراض الأعصاب والدماغ زيد غانم إن التصلب المتعدد لا يُعيق القدرة الإنجابية لدى المرأة، ولا يمنعها من الزواج، لكن يُحظر عليها الحمل خلال فترة تلقيها العلاج أو تناول الأدوية.
المريضة أروى خضير من نابلس، وهي أم لخمسة أطفال، فتكمل حياتها الزوجية رغم المرض، واكتشفت الإصابة به بعد زواجها، وهي في عمر الثالثة والعشرين، تقول :" أمارس حياتي بصورة طبيعية قدر ما استطعت، رغم إحساسي بالضعف العام والدوخة، وأًصر على أداء واجباتي كزوجة وأُم وربة منزل، وكلما شعرت بالتعب أنال قسطاً من الراحة وأعود لما كنت عليه..، لكن أصعب ما في الأمر أنني لا أستطيع في بعض الأحيان أداء أدواري المذكورة، لا سيما عندما أتعرض للانتكاس".
وحول تعامل الناس مع مرضها تُوضح بأن معظم من يعرف قصتها يلاحقها بنظرة الشفقة، التي تمقتها كل المقت، ورغم ذلك تتعزز لديها قناعة أن الأجل يطال الجميع مرضى وأصحاء، فلا داعي لليأس.
في جنين قصة من نوع آخر
يكتشف عصام أبو حمدة إصابة ابنته ملك، وهي في عمر السنوات السبع، ليتكشف إصابة زوجته أيضاً بعد أربعة شهور فقط، يقول: " كانت رحلة عذاب حقيقية، بدأت قبل أربع سنوات، حينما بدت مشية ملك غير طبيعية، وفي إحدى الليالي، شعرتُ أنها تحتضر، نقلتها إلى عيادة طبيب، ومنها إلى مستشفى جنين، ثم إلى مركز أشعة متخصص، فلم تكن صورة الرنين متوفرة في المشافي الحكومية، بعدها توجهت إلى مشفى نابلس، وحولت طفلتي بصورة مستعجلة إلى أحد المشافي الإسرائيلية، وبعد أربعة شهور لاحظت ذات الأعراض على زوجتي، ومررنا بالمحطات ذاتها التي مررنا بها سابقاً".
يُضيف أنه اضطر لبيع قطعة أرض من أجل توفير الخدمات الطبية اللازمة لابنته وزوجته، ناهيك عن كونه مريض بالقلب، ولديه طفل آخر مُصاب بالفشل الكلوي، ويصف منزله بـ"الصيدلية"، ويحمد الرجل الله على استقرار وضعهما اليوم، ويختتم حديثه بــ :"الله لا يطعمها لحدا".
مرضى غزة.. معاناة مضاعفة
يقول أحد المصابين بالتصلب اللويحي محمد عبد اللطيف من غزة، إنه لم يتلق علاجاً منذ العام 2012، وعندما سألناه عن السبب أجاب :"لا يوجد في غزة أدوية للتصلب، وقبل أعوام قليلة في طريق عودتي من دبي، عرض علي طبيب في مصر، تجريب أحد الأدوية الحديثة، وكان في حينها "الجيلينيا"، وبعدما تم تسويقه بنجاح في العالم، لم أحصل عليه".
ويُناشد محمد وهو أب لطفلتين، الجهات المختصة لتوفير الأدوية التي يؤكد انقطاعها عن غزة منذ العام 2006. يُذكر أن محمد يحمل درجة الماجستير من إحدى الجامعات التركية، ويعجز عن العمل بسبب صعوبة استخدام أطرافه، مع طول المدة الزمنية التي لم يتلق خلالها العلاج.
هل الوقاية من المرض ممكنة؟
إن أسباب المرض غير معروفة، وعليه يصعب الحديث عن طُرق للوقاية منه، لكن هناك بعض النصائح التي يُقدمها الطبيب زيد غانم لمرضى التصلب اللويحي تتلخص بــ:
يأمل محمد أن يستطيع الحصول على الدواء بيُسر دون عوائق أو مُحددات، أُسوة بالمرضى في الوطن والخارج.
أما أروى، ملك ووالدتها، وبما فيهم رئيس جمعية أصدقاء مرضى التصلب اللويحي علي حجاوي، جميعهم أُثلجت صدورهم بقرار وزارة الصحة، في وقتٍ يأملون فيه أن تعمل الوزارة جاهدةً على توفير الدواء بنسبة مساهمة الشراء الحالية، ولا يُقطع حبل رجائهم بعد عام.
مواضيع ذات صلة
فتح معبر رفح بالاتجاهين أمام حركة تنقل المرضى والمواطنين
30 ألفا يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى
الاحتلال يجبر 6 عائلات على هدم منازلها في سلوان بالقدس
وسط تشديدات الاحتلال.. 40 ألف مصلٍ يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك
مئات المستعمرين يقتحمون الأقصى
40 ألف مصلٍ يؤدون صلاة الجمعة في الأقصى وسط إجراءات مشددة من الاحتلال