عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 18 أيلول 2017

نظرة عليا لقاء ترامب نتنياهو.. فرصة لتنسيق السياسة تجاه ايران على اساس دروس أزمة كوريا الشمالية

بقلم: عاموس يدلين وافنر غولوب

لقاء نتنياهو ترامب على هامش  الجمعية العمومية للامم المتحدة سيعقد على خلفية الازمة في شبه الجزيرة الكورية، والتوازي المحتم مع البرنامج النووي الايراني. على اسرائيل ان تجري حوارا متواصلا وحميميا مع واشنطن حول التحدي الايراني، الذي سيقوم على اساس الفهم المتبادل للوضع الاستراتيجي لحليفتها في شرق آسيا. في اطار الحوار ينبغي بلورة رد مشترك وآلية استمرار التنسيق للتأكد من أن الدولتين تستغلان بالقدر الممكن قدراتها حيال خصومهما وتستعينان بالدروس من الازمة التي نشبت في شبه الجزيرة الكورية لضمان واقع مختلف حيال ايران.

في نهاية ايلول، سيلتقي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع الرئيس دونالد ترامب في نيويورك، بينما في الخلفية الازمة في شبه الجزيرة الكورية. ومن شبه المؤكد أن الزعيمين سيبحثان في هذه الازمة ودروسها بالنسبة لمنع انتشار السلاح النووي. والتوازي بين التحدي الذي يشكله للولايات المتحدة في البرنامج النووي لكوريا الشمالية وبين التحدي الذي يضعه امامها البرنامج النووي الايراني مفهوم: في الحالتين يدور الحديث عن نظامين يريان في الولايات المتحدة عدوا ايديولوجيا يهددهما. كوريا الشمالية وايران خرقتا بشكل منهاجي المعايير الدولية، ضمن امور اخرى من أجل تطوير قدرات نووية عسكرية. ولكن الحالتين ليستا متماثلتين. وتحليل الاختلافات بينهما هام لفهم قيود التوازي، ولا سيما للوقوف على ما يمكن مع ذلك تعلمه من حالة كوريا الشمالية وتطبيقه حيال طهران. فارق واحد بين تحدي كوريا الشمالية والتحدي الايراني هو فارق حرج: لدى كوريا الشمالية يوجد سلاح نووي، فيما لا يوجد لايران. فهي بعيدة نحو خمس حتى خمس عشرة سنة عن النقطة التي توجد فيها بيونغ يانغ اليوم، تبعا لوجود التزامات وفقا للاتفاق النووي الذي وقع في 2015. لهذا السبب، فان الخيار العسكري كسبيل لمنع بيونغ يانغ من خلق توازن رعب متبادل حيال واشنطن ينطوي على خطر عال، لدرجة لا تحتمل، مقارنة ببديل مشابه حيال ايران.

اختلاف آخر هو الموقع الاستراتيجي للدولتين. فبينما تدعم كوريا الشمالية الخصمة الاكبر للولايات المتحدة – الصين، ليس لايران سند دولي مشابه. فالعلاقة بين بيجين وبيونغ يانغ يعقد الجهد الاميركي بان التعاون من جانب الصين هو المفتاح لتشديد الضغط الاقتصادي والسياسي على نظام كيم يونغ أون. رغم السلوك العدواني للنظام في بيونغ يانغ فالصين ليست معنية بكوريا موحدة، تحت نفوذ اميركي، لا تريد نشر قوات اميركية في حدودها وتخشى انهيار نظام كيم، مما يؤدي الى أزمة اقتصادية وتيار لاجئين الى الصين. وبالتالي فان عملا اميركيا غير منسق ضد كوريا الشمالية من شأنه ان يجر الصين ايضا الى مواجهة، ويرفع بذلك ثمن التصعيد.

الاختلاف الثالث هو ميزان القوى بين كوريا الشمالية وحلفائها في المنطقة. فقد نجحت بيونغ يانغ بخلق ميزان رعب، يتضمن التهديد لدمار واسع النطاق لعاصمة كوريا الجنوبية، سيئول، من خلال الاف المدافع، التهديد بالصواريخ والقذائف الصاروخية، وعلى رأسها تلك القادرة على حمل سلاح نووي. وحيال اليابان ايضا تمكنت كوريا الشمالية من خلق ردع، يعتمد على قدراتها الصاروخية والسلاح النووي الذي في حوزتها. وكنتيجة لذلك، فان حلفاء واشنطن في المنطقة يعارضون علنا خطوة عسكرية ضد كوريا الشمالية وعمليا يشكلون وسيلة ردع ولجم حيال الولايات المتحدة نفسها. اما في الحالة الايرانية، فحلفاء واشنطن، اسرائيل والسعودية، تدفعات بالذات نحو اتخاذ سياسة اميركية مصممة ضد طهران، بما في ذلك التهديد بالخيار العسكري.

تغيير آخر يعود الى المجال الاستخباري. بعض من مصاعب الولايات المتحدة لطرح تهديد عسكري مصداق حيال كوريا الشمالية والصين لاقناعهما بتغيير سياستهما الحالية، مصدره في الثغرات في التغطية الاستخبارية للبرنامج النووي والصاروخي لكوريا الشمالية. فالاستخبارات الممتازة هي شرط  ضروري لضربة ذات مغزى للبنية التحتية النووية لبيونغ يانغ، منظومة صواريخها وقدرتها على مهاجمة حلفاء الولايات المتحدة. اما غياب الاستخبارات الذي يسمح بتعطيل القدرات النووية لكوريا الشمالية فيمس بالنجاعة المرتقبة للخيار العسكري، يزيد احتمال الرد النووي من كوريا الشمالية، وعمليا يجعله غير ذي صلة. وارد الافتراض بانه بخلاف حالة كوريا الشمالية، فان التغطية الاستخبارية القائمة على البرنامج الايراني جيدة وتسمح بخطوة عسكرية ناجعة، اذا ما تقرر تنفيذها.

وأخيرا، هناك اختلاف اجتماعي – ثقافي بين الدولتين. فعائلة كيم، التي تسيطر في كوريا الشمالية، صممت على مدى عشرات سني حكمها مجتمعا طائعا ومغلقا، صمد في وجه ضغوط شديدة امام عقوبات دولية اضيفت الى سنوات جفاف في التسعينيات وأدت الى وضع عانت فيه الملايين من الجوع. فالنظام الدكتاتوري المتصلب يمنع كل تشكل لمراكز قوى سياسية يمكنها ان  تغير النظام او سياسته. وبالمقابل، ففي المجتمع الايراني تتاح معارضة سياسية للنظام، وان كانت محدودة، وهو ليس مجتمعا مغلقا واقتصاده مرتبط بالعالم. والاحتجاجات التي اندلعت في الدولة في 2009 ضد محاولة تغيير نتائج الانتخابات في صالح الرئيس محمود احمدي نجاد، الانتخاب للرئاسة في 2003 وفي 2017 لحسن روحاني، المرشح البراغماتي، وكذا التوقيع على الاتفاق النووي مع القوى العظمى – كل هذا يشير الى حافة حساسية اقتصادية اجتماعية أدنى بكثير من تلك في كوريا الشمالية.

من شبه المؤكد ان ايران تتابع السلوك الاميركي حيال كوريا الشمالية وتشد حدود واشنطن كي تتعليم كيف يمكن الدفع الى الامام بقدرة نووية عسكرية في ظل تقليص المخاطر المنطوية على ايران وعلى النظام نفسه. ومع ذلك من المعقول الافتراض ان في طهران ايضا يفهمون بان الفوارق في قدرات التهديد العسكرية، في الوضع الاستراتيجي وفي الساحة الداخلية للدولتين، تشير كلها الى ان حكم كوريا الشمالية ليس كحكم ايران، على الاقل طالما لا تحوز ايران سلاحا نوويا. فمن جهة، يفترض بهذا الاستنتاج ان يعزز في ايران الفهم بان السلاح النووي يوفر باحتمالية عالية حماية ضد خطوة عسكرية  اميركية. ومن الجهة الاخرى، فان الاختلاف بين حالة كوريا الشمالية وبين حالة ايران يكشف عناصر الضعف الايراني، وعليه يمكن ان يشجع تصميما اميركيا حيال ايران بهدف منعها من الحصول على هذا السلاح الاستراتيجي.

ان الفجوة الاستخبارية حيال كوريا الشمالية تشدد على اهمية التغطية الاستخبارية الواسعة والعميقة في حالة ايران. على اسرائيل أن تتأكد من أنه الى جانب الرقابة الدولية على البرنامج النووي الايراني المعلن، لديها قدرة تغطية استخبارية استكمالية بشأن النشاط الايراني في المجال النووي في مواقع غير معلن عنها، عن النشاط في مجموعات السلاح وعن برنامج الصواريخ. يدور الحديث عن شرط ضروري للحفاظ على خيار عسكري مصداق حيال ايران وعمل ذلك بالذات حين يركز الاهتمام الاستخباري الاميركي على شرق آسيا.

ان عموم هذا الاهتمام ومقدرات الساحة العسكرية والقيادة السياسية في الولايات المتحدة ستركز في السنوات القريبة القادمة على هذا التحدي، إذ ان التهديد الكوري الشمالي أخطر وألح، يهدد مباشرة الولايات المتحدة وهو ذو آثار استراتيجية على مكانتها حيال الصين. وفي نفس الوقت، فانه طالما بقيت ايران ملتزمة بالاتفاق النووي، تبقى طويلة الفترة الزمنية حتى تطور سلاحا نوويا، يمكنه ان يشكل تهديدا عسكريا مباشرا على الولايات المتحدة. وعليه، فمن المهم أن تفهم في القدس قيود هذا الاهتمام الاستخباري الاميركي وآثار هذا الوضع على السياسة تجاه ايران.

هكذا مثلا، حيال النقاش الناشئ هذه الأيام في الولايات المتحدة حول إمكانية مغادرة الاتفاق النووي، صرح رئيس الوزراء نتنياهو بان "صفقة النووي مع ايران هي صفقة سيئة. إما ان تعدلوها أو تلغوها". على إسرائيل أن تمتنع عن طرح مواقف ليس فيها أجوبة واضحة وتفكير استراتيجي عن المعاني والبدائل في اليوم التالي لقرار اميركي لمغادرة الاتفاق. رغم أن إسرائيل ترى في الاتفاق النووي مع ايران اتفاقا اشكاليا جدا، فان مغادرة الاتفاق بمبادرة اميركية تترك شرعية قليلة جدا لروافع الضغط الدولية، كالعقوبات الاقتصادية والدبلوماسية وتستوجب على ما يبدو خطوة عسكرية – اذا ما عادت ايران الى النشاط الكامل في المجال النووي.  وقدرة إدارة ترامب على توفير رد شامل وشرعي لمثل هذا التطور محدودة جدا اليوم، طالما استمرت الازمة في جزيرة الجزيرة الكورية، وعليه، فان على إسرائيل  أن تؤيد الحفاظ  على الاتفاق طالما لم تتبلور استراتيجية مناسبة للتصدي لـ "اليوم التالي".

ومع ذلك، على إسرائيل ان تشدد امام إدارة ترامب على أهمية اطلاق رسالة لإيران تقول ان الولايات المتحدة لا تقبل تفسير طهران للمجالات "الغامضة" في الاتفاق. وفي نفس الوقت، ينبغي التشديد امام الإدارة الاميركية على الحاجة للعمل ضد التهديد الكامن في النشاط الإيراني في المجالات غير النووية التي لا تندرج ضمن الاتفاق – الصواريخ الباليستية، التآمر، دعم الإرهاب وارساليات وسائل قتالية لمنظمات  تعمل بتكليف من طهران وتحت رعايتها.

ان معالجة عموم التهديدات من ايران حرجة لانه اذا ما قررت ايران "نفخ" استراتيجية بيونغ يانغ، فانها ستعمل على بناء قدرة عسكرية تقليدية تهدد إسرائيل والسعودية بدمار واسع النطاق كوسيلة للجم واشنطن، بعد أن يصل الاتفاق الى سنته الأخيرة. عمليا، تسعى ايران منذ اليوم الى تطوير ميزان كهذا، وهي تفعل ذلك بواسطة حزب الله – الذي من شأن قدراته العسكرية المحسنة  ان تجبي من إسرائيل ثمنا باهظا في حالة مواجهة عسكرية، وكذا من خلال تواجد المنظمات التي هي فروع ايران وميليشيات شيعية نشطة في سوريا، وتسليح حماس بسلاح متقدم. هكذا، عندما ينتهي مفعول القيود المركزية على البرنامج النووي الإيراني، ستقف إسرائيل امام تهديدات تقليدية ذات مغزى في جبهتين او ثلاث جبهات. في مثل هذه الحالة، فان المعضلة بين التسليم بقنبلة إيرانية وبين خطوة عسكرية ضدها، على كل معانيها الأخرى، ستكون اقسى بكثير مما هي عليه اليوم. هذا الاستنتاج يشير الى جانب آخر من التهديد المحدق من التواجد الإيراني في سوريا ويشدد على الحاجة لمنعها من بناء قدرات عسكرية ذات مغزى ومتطورة في هذه الدولة مثلما فعلت في لبنان.

عندما يصل رئيس الوزراء الى الولايات المتحدة سيجد إدارة مشغولة أولا وقبل كل شيء بالازمة حيال كوريا الشمالية (وبمسائل داخلية مشتعلة). في واشنطن يتصدون لتحديات لم يشهد لها مثيل في يوبيل السنوات الأخيرة في شمال شرق آسيا. والمس بمكانة الولايات المتحدة في هذه المنطقة، والتي هي في أهمية عليا بالنسبة لها، سيؤثر على مكانتها ومصداقيتها كحليفة في باقي مناطق العالم. على إسرائيل ان تدرس كيف يمكنها أن تدعم الولايات المتحدة في الساحة الدولية من خلال المساهمة في المعرفة والتجربة الإسرائيلية في مكافحة البرامج اليومية وفي مجال الدفاع الناجع ضد الصواريخ. وعلى الأقل، عليها ان تمتنع عن فرض المصاعب على الولايات المتحدة، في ظل الحفاظ على مصالحها الحيوية حيال التهديد الإيراني. وعليه، فثمة حاجة لحوار متواصل وحميم بين القدس وواشنطن، يقوم على أساس الفهم المتبادل للوضع الاستراتيجي لحليفتها. وفي اطاره يجب بلورة رد مشترك وآلية استمرار التنسيق للتأكد من أن الدولتين تستغلان بالقدر اللازم قدراتهما حيال اعدائهما، وتسعينان بالدروس من الازمة الناشبة في شبه الجزيرة الكورية كي تضمن واقعا مختلفا حيال ايران. لقاء ترامب – نتنياهو سيكون فرصة هامة لبلورة هذه التفاهمات وإقامة آلية ناجعة ودائمة لتنسيق  السياسة الناشئة عنها.