عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 30 آب 2017

حتى التنصر

بقلم: اسحق ليئور - هآرتس

إن تضخيم الحادثة اللاسامية اثناء التظاهرة في يوم السبت تحول الى تحريض لليمين. ولكن في كل اسبوع يجري تحريض ضد الحريديين الذين يرفضون التجند، وفي كل اسبوع نسمع عن "الطفيليين" والخطر الديمغرافي من جانب الحريديين. يئير لبيد تشكل من هذا التحريض. في الحقيقة كل الصهاينة مصابون بهذه الكراهية. من هو الاسرائيلي، سواء من اليسار أو اليمين، الذي لا يستخدم الصفة اللاسامية "مهجري"؟.

هناك بيت شعر مشهور يقول "كن انسانًا في الخارج ويهودي في بيتك". هذا البيت من الشعر يمكنه تلخيص مرض العصاب اليهودي الذي كانت بدايته في التنوير، قبل كتابة هذا الشعر بمئة سنة تقريبا في عام 1863. في أساس هذا العصاب تكمن الفرضية التي تقول إن اليهودي ليس انسانا، ومن اجل أن يكون انسانا يجب عليه التنصل وحتى عدم الاندماج، بل أن يكون  منقسما. هذا الامر تلقاه اليهود من الخارج، في فرنسا بعد الثورة، وفي بروسيا بعد ذلك، وقاموا باستيعابه كأمر كولونيالي للغرب اللاسامي. إن تركيبة هذا العصاب التي يحملها اليهود، والاسرائيليون بشكل أكثر توحشا، هي خطاب يسمى "كراهية الذات". وهذا ليس مصطلحا من علم النفس، على الرغم من انه يخدم في السنوات الاخيرة اليمين الهابط ضد اليسار.

الانسان اليهودي المتنور يكره اليهودي الذي لم ينفصل عنه. ولو أن شخصا ألمانيا شاهده يتظاهر في بيتح تكفاه، وهو الذي يطلب من اليهودي أن يرفع الغطاء عن رأسه وأن يحلق لحيته، لكان تزعزع بلا شك. اليهودي الذي في داخله كان سيتزعزع، الصهيوني الذي في داخله اقتبس هذه الكراهية القديمة، هذه هي التراجيديا الصهيونية، وهي تتلخص في وهم يتمثل في أنه أمكن حل الصدع الاوروبي لليهود – الهجرة الى الشرق الاوسط، ليس من اجل تحولهم الى جزء من الشرق، بل من اجل التحول الى ممثلين للغرب هناك.

هرتسل في كتابه "الدولة اليهودية" في 1896 اقترح انشاء دولة يهودية في فلسطين وأكد: "سنكون بالنسبة لاوروبا جدار حصين ضد آسيا، وسنقف في برج المراقبة للدفاع عن الثقافة في وجه الهمجيين. لكونها مملكة بذاتها لن يتوقف وجود علاقة بيننا وبين الشعوب الاوروبية. وهم سيضمنون وجودنا". ولم يفكر هو ومن وضعوا أساس الصهيونية العملية باليهود الذين يوجدون في الدول العربية والاسلامية، لكن عندما تم احضار هؤلاء بجموعهم كانوا هم ايضا، وليس فقط الحريديين، جزء من "البرابرة" الذين تم تجنيدهم وتجندوا ليكونوا جدارا، بالضبط مثلما تم تجنيد اليهود في الغرب ليكونوا "بشرا". العلمانية كانت امرا "مفهوما بحد ذاته". من هنا فان العنف الذي استدعاه تجسيد فكرة "أن نكون جدارا"، العنف الذي وجه ليس فقط ضد الفلسطينيين، لكن ايضا تجاه اليهود من الشرق وتجاه اليهود المتدينين الذين اجتازوا التحضر بالقوة (المهن الاساسية)، طبقا للرؤيا التي دعت الى بناء "اليهودي الجديد"، فان الكراهية تجاه الحريديين – الشرقيين وصلت الى الذروة في جنازة الحاخام عوفاديا يوسيف.

هذه التراجيديا ما زالت مستمرة. "الغربي" الذي يوجد داخل الاسرائيلي ليس "هوية" بل وظيفة: أن يكون جدارا، أن يكون وكيلا للتحضر، أو الكولونيالية. عندما يأتي "الطلائعي" لتعليم "المهاجر" من كردستان كيفية "الحفاظ على النظافة" يتحول الى "غربي"، حتى لو كان في بيته في فولتافا لم يكن مرحاض ولم يكن يحافظ على النظافة. بالضبط هكذا يأخذ الاسرائيلي على مسؤوليته مهمة من قبل الدولة "الغربية"، التي يشخص نفسه معها كغير شرقي. ايضا بمحاربته حبا للوطن ضد الفساد فانه يمثل "القيم الغربية"، ويحظر على "اليهودي" الوقوف في طريقه.

التحرر من اليهودية لن يحدث، الشرخ تم رأبه بسرعة من خلال الهجرة الى الغرب: هنا أنت تشعر على الفور بأنك يهودي. كولونيالية الشرق بعيدة عنا، فلسطينيون، وفي داخلنا شرقيين وحريديين، لم ترأب الشرخ بين "نحن" و"الغرب"، لأنها بنيت على تجاهل هذا الشرخ التاريخي الذي سيرافقنا الى الأبد، طالما أننا نكتب العبرية، إلا اذا قمنا، لا سمح الله، بالتنصر.