عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 30 أيار 2017

قصة قصيرة - موت ارجوز

ماجدة العتوم

استيقظنا هذا الصباح على خبرِ موتِ "أرجوز" الحارة؛ أي مهرجها، ذلك الذي كان يضحكُنا ويبكينا في آنٍ واحد. ذلك الذي كان يتنطّطُ بيننا، يدوسُ أقدامَنا، يضربُ وجوهَنا بينما هو يلوّحُ بيديه، يفضحُ قصصَ الحبِّ التي يسعى أصحابُها جاهدين لإخفائها، يغنّي بصوتٍ عالٍ؛ فتارةً تبدو أغانيه حقيقيةً، أي أنها أغانٍ موجودةٌ فعلًا، لكنّ بعضَ كلماتِها قد تتوهُ من ذاكرتِهِ فيستبدلُها بكلماتٍ أخرى يخترعُها، وتارةً تبدو الأغاني كاملةً بموسيقاها وكلماتِها؛ كلّها من تأليفِهِ..مهرجُ حارتِنا كان مبدعًا؛ يرقصُ رقصًا لا يرقصُهُ أحدٌ، ترى جسدَه كلَّه يتناغمُ مع الموسيقى، خليطٌ من الرقصِ الشرقيِّ والغربيِّ والبرازيليِّ، سامبا خاصةٌ به..مَن منا يستطيعُ أن ينكرَ أنّ هناك حفًلا أو عرسًا يمكنُ أن يكونَ ذو معنىً لو لم يحضره مهرجُ الحارةِ فيشعلُه بنارِ رقصِهِ وجنونِهِ؟!!

كنا نحبُّه؛ أي أننا كنا لا نتخيلُ ليالينا دونَه. كنا نبحثُ عنه حين لا يكونُ حاضرًا من تلقاءِ نفسِهِ، كنا نتفقّدُ أحوالَه.ُ لم يكن المهرجُ فقيرًا، لأنه لم يحدث أن طلبَ مساعدةً من أحدٍ منا..لكننا جميعًا- ولأننا نحبُّه- كنا لا نترددُّ في إرسالِ الطعامِ إليهِ وإعطائِهِ الكسوةَ الصيفية والشتوية، وكان لدى أحدِ أغنياءِ البلدةِ منزلٌ، فيه حديقةٌ واسعةٌ، فيها غرفةٌ بعيدةٌ عن المنزل، يسكنُها مهرجُنا دونَ مقابل.

لا أحدَ منا يستطيعُ التحدثَ بشكلٍ علنيٍّ عن أصلِ المهرجِ وفصلِهِ. ربما لأنّ لا أحد يعرف عنه شيئًا، وربما لأننا كلّنا خائفون من كونهِ أصلًا لنا..لا أدري. سألتُ والدتي ذات مرةٍ عمّن يكونُ هذا الأرجوز المقيمِ بيننا؟ لكن أمي أشارت لي ألّا أعيد هذا السؤالَ مرةً أخرى أبدا، وقالت: لا تتحدث عنه وكأنكَ تسخرُ منه. قلتُ لها أنني لم أكن أسخر منه، أنا فقط أريدُ أن أعرف. فقالت: لا أحد يعرفُ، اعتبره أخًا لك وعامله على هذا الأساس.

أخي!!!

ربما بعد ذلك حاولتُ ألّا أفكرَ بالأمرِ أبدًا..وذات سهرةٍ مع الأصدقاء، وبينما كان مهرجُنا بيننا يحدِثُ هرجًا ومرجًا، مالَ عليّ أحدُ أصدقائي وقال: أخو أيّ واحد منا هذا المهرج؟ أصابني الرعبُ من سؤالِهِ المفاجىءِ، لكن صديقي أطلقَ ضحكةً مدويّةً قائلًا: لا تدري، لعله أخي،لعله أخوك..ولعله أخُ واحدٍ من كلِّ هؤلاء..صدقني.

نعم..أكاد أصدّقُهُ..لكن أمهاتِنا وآبائنا لم يخبرونا شيئا عنه، عن اسمِهِ وعمرِهِ وحقيقتِهِ..قالت أمي ذات مرةٍ: لا تظنَّهُ مجنونًا، فهذا أعقلُ منا جميعًا، لكنه اختارَ أن يكونَ ما هو عليه.

نعم..أصدّقُها. فرغم كل ذلك الجنونِ الذي يبدو عليهِ؛ لكنه قد يحدثكَ حديثَ العقلاءِ عن فكرةٍ قد تطرأُ بينكما، ويُسمِعُكَ الكثيرَ من الشعرِ الذي يحفظُه..أرجوزنا مثقفٌ، وربما يحملُ شهادةً جامعيّةً..من يدري؟ من يدري ماذا يوجدُ في تلك الغرفةِ التي كان يغلقُها بمجردِ استيقاظِهِ من النومِ حتى لحظةَ النومِ التالية؟ لم يدخل أحدٌ منا غرفتَه، لم يعرف أحدٌ محتوياتِها. تلك الغرفةُ ضمن منزلٍ لرجلٍ ثريٍّ..لا يدخلُها سوى المهرجُ نفسه..وإن أرادنا أو أردناه كان يأتينا، ولا نأتيه..لعل ذلك الرجلَ الثريَّ والده!! لا أدري. ذلك الرجلُ هو رجلٌ محسِنٌ، يحبه الناس لأنه كذلك، يقضي معظمَ وقتِهِ مسافرًا لإدارة أعمالِهِ، أما زوجتُهُ وأولادُهُ فكنا قليلا ما نراهم..وحين نراهم، تصعقُنا سياراتُهم الفارهة وثيابُهم الفاخرة..

أما المهرجُ فهو أقربُ إلينا، أكثر شبهًا بنا، يأتينا بشعرِهِ الأشعث فنسوِّيهِ له، نعدّلُ ثيابَه وربما نبدّلُها، ونعطيها لأيِّ امرأةٍ من نساءِ الحيِّ لتغسلَها وتعيدَها إليه..لماذا كنتُ أحسُّ أنّ كلَّ نساءِ الحيِّ كنَّ يحببنَهُ؟؟ شفقةٌ؟ ربما..ربما أبالغُ في إحساسي إذا قلتُ: فتنةً..لا أدري..كان المهرجُ وسيمًا؛ بشعرٍ يتهدّلُ على جبينِهِ، وعينانِ سوداوينِ تفيضانِ بالقصص، وروحٍ معذبةٍ تجيدُ التهويم. وكنا كلّنا نحبّه..كلّنا..حتى نساؤنا وبناتُنا وأخواتُنا، ولا نجدُ حرجًا في حبِّهِنّ له.

ماذا لو كنَّ على علاقةٍ حقيقيةٍ به؟ ماذا لو كان يخدعُنا ويغتابُنا ويمثّلُ دورَ المجنونِ أمامنا؟ أليس أعقلَنا؟

لا نريدُ أن نفكرَ بالأمرِ كذلك..وربما لا يحقّ لنا أن نفعلَ؛ لأن المهرجَ مات..ماتَ تاركًا خلفَهُ غرفةً مغلقةً لا يعرفُ محتوياتِها أحدٌ، ولا حتى صاحبُها الثريّ، لأنه لم يعد موجودًا أبدًا هو وعائلتُهُ. فلقد كانت الإشاعةُ تترددُّ منذ زمنٍ عن احتماليةِ رحيلِهِم إلى بلدٍ آخرَ بسببِ ظروفِ عملِ ذلك الثريّ..رحل المهرجُ وتركَ شعرًا كثيرًا حفظناهُ منه وصرنا نرددّه بعدَهُ..رحل ولم نعد نأبهُ لقصصِ الحبِّ التي قد تحدثُ بين شبابِ الحيّ وبناتِهِ، ربما لأننا لا نجدُ وقتًا -كان يملكُهُ هو- لتتبّعِ تلك القصص أو لعل المهرجَ نفسَهُ كان بطلَ تلك القصص الوحيد..لا أدري.

لكنه رحل، وعلقَ في أذهانِنا ذلك السؤال: أخو مَن منا ذلك المهرج؟ وهل عليّ أن أبكيهِ بحرقةٍ كما لو أنّ أخًا لي ماتَ فعلًا؟..لا أدري. لعل سؤالًا أكثر معنىً يحضرُ الآن: أيُّ واحدٍ منا هو ذلك المهرج؟

أظنني فعلتُ - مثلما فعلَ كثيرون غيري- نظرتُ في المرآة؛ فرأيتُهُ..نكشتُ شعرَهُ وأطلقتُ ضحكتَهُ...

ثم رحتُ أتنطّطُ..