عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 02 أيار 2017

خليل قنديل.. الابن الشرعي للواقع

عمار أحمد الشقيري

ستفقد جغرافيا السرد الأردنيّ تلًّا ظلَّ يطل على الحكايات القديمة ويقدمها قصصًا للناس، منذ السبعينيات، رحل خليل قنديل (1951-2017) ، دون أن يشهد صباحًا جديدًا مثل كل صباحٍ ظل يراه "وكأنه حادثة كونيّة تحدث للمرة الأولى".

وزّع قنديل كتاباته بين الصحافة والقصص. وكما معظم القصّاصين في فترة ظهوره (السبعينيات)، ستغلب الواقعيّة على قصص قنديل، ولا بأس بقليل من الفنتازيا، وأبطال، ومساكين، وعنيدي الرؤوس، وسيدات بسيطات.  

في تعريف طريقته يقول قنديل: "أنا الابن الشرعي للواقع، وأنا من أعطى رأسه الصغير لفنتازيا الواقع في وقت مبكر؛ فالطفولة الكامنة فيّ تجعلني أرى الصباح وكأنه حادثة كونية تحدث للمرة الأولى، والمسألة لا تأخذ بتلك الجفافيّة التي يطرحها الآخرون". كتب القصص "دون حراشف لغويّة" وفي تعريف الآخرين له: "إن خليل قنديل يشقّ لقصصه مسارًا يهتم باستثمار الأسطورة" وحيث "تغلب على قصص خليل قنديل الواقعيّة الخشنة"،" و"يعيد سرد الحادثة الواقعيّة في إطار العجيب والغريب والسورياليّ والاقتراب من روح الطبيعة العاصفة المدمرة، ما يذكّر بالقصّة والرواية القوطيتين"، وفقًا للناقد فخري صالح.

جاء قنديل الأدب قاصًا، ورحل قاصًا دون أن يمسّ جنسًا أدبيًا آخر، حتى مقالاته في الصحافة المحليّة - بمجملها - تذكرنا بطريقة مقالات الروائي الإسبانيّ خوان خوسيه ميّاس، والكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز في سرد المقال حكايةً، حيث بين كل المنطق ثمة هلوسة من أجل الضحك، يضعها قنديل للقارئ، والكتّاب أيضًا، إذ كم من مقالٍ لكاتب أردنيّ بني على مقال لقنديل، وما يفتحه.

رابطة الكتّاب

ظل قنديل (أحد أعضاء الهيئة الإداريّة لرابطة الكتّاب الأردنيين في دورات خلت) يوجه النقد والسخرية من ممارسات الهيئات الإداريّة اللاحقة، تلك التي قبلت - كما يقول - بعضويات شكليّة بهدف مصالح انتخابيّة. وعن الأخطاء فيها يكتب، وعن حروبها وانقساماتها، بذاكرة من عايش مسيرتها منذ البدايات. وعن وزارة الثقافة التي منحته التفرغ الإبداعيّ، سيكتب أيضًا، عن الجمال الناقص في هذا التفرغ ونقائصه، عليه وعلى المتفرغين.

الذكريات كلّها

آخر سنواته (منذ 2005) ستكثر الذكريات في مقالاته؛ ليست تلك الجميلة منها، إنما كل الذكريات، كلّها بما فيها الاحتفال "بتنصيب الزعيم وبحفل النشيد الوطنيّ". ذكريات المدينة التي دفن فيها "عرار" حيث عاش أول عمره واكتشف العالم، وحيث الأصدقاء: "هكذا فجأة سُلبنا من كل أصدقائنا، ووقفنا على عتبة العمر بهذه الوحدة التي تجعلك تشعر بأنك تُعتقل داخل سياجك اللحمي والجسدي".

ليس الماضي القريب وذكرياته، إنما البعيد منه "من البداية.. من بداية الطريق" ما كان يوجعه، حيث لم يعد هناك جدّ عربيّ مخترع، إذ ولّى الزمن الذي أتى بالجاحظ وطه حسين والكواكبيّ، ليس هناك جدّ للأجيال المقبلة، الكل متشابهٌ. كل ذلك، وما سعي الإنسان برأي قنديل سوى "لإبطاء دورة التسارع في عجلة العمر".

العودة إلى الشباب

آخر سنواته أيضًا عاد خليل قنديل شابًا؛ امتلأت مقالاته وآخر مجموعة له "سيدة الأعشاب 2008" بالأنوثة، في كل قصة سيدة، في كل مقال ذكرى صبيّة، ونصيحة للحركة النقديّة يوجهها، من أجل "إعادة قراءة المرأة في منتوجنا الإبداعي كي نقوى على الفصل بين تلك المرأة الحبرية التي شيدناها من عقدنا وقراءاتنا، وتلك المرأة التي شوهناها بعقدنا وبإسقاطاتنا التي لا ترحم".

قبل أكثر من أحد عشرًا عامًا في مقابلة مع قنديل، سيقول "أنا ابن طبقة كادحة أرضعتني حليبها اليومي منذ ولدت واقتادتني إلى سؤالها الشقي عن العدالة. وابن طبقة ظلت هي الحاملة الحقيقية عبر التاريخ لذاكرة الحروب والقتل والتدمير والإقصاء؛ طبقة تحمل الميثولوجيا الإنسانية بحكمة عبر التاريخ، كانت وما زالت تتوجني كل صباح قارئاً لتجلياتها وأثرها، وأثر فعلها في التعامل مع سؤال العدالة في التاريخ. هذه الطبقة لم يسبق لها أن احتالت "على ذقني"؛ ظلت تزود الواقع الاجتماعي الإنساني والسياسي بقرابين إنسانية، وفي مشروعي القصصي أجد أنني لم أرد بعد ثمن رضاعة الحليب اليومي. ولا أخفيك أنه كلما حذفني واقعي الاجتماعي إلى مرتبة متقدمة عنها، شعرت بالشوق والعودة إليها والانخراط في بساطتها المدهشة".

لقنديل إرثٌ من مقالات في الصحافة الأردنيّة والعربيّة، وآخر مجموعات قصصيّة في المكتبات: "وشم الحذاء الثقيل"، "الصمت"، "حالات النهار"، "عين تموز"، "سيدة الأعشاب". وله في منهاج الثانويّة القديم قصة "الرهان" وحوارات، كما عمل محررًا، ومعاونًا صديقًا لجيل الكتّاب الشباب